رابع عشر: إبراهيم بن أدهم
إبراهيم بن أدهم إبراهيم بن أدهم ابن منصور بن يزيد بن جابر ، القدوة الإمام العارف ، سيد الزهاد أبو إسحاق العجلي ، وقيل : التميمي ، الخراساني البلخي ، نزيل الشام . مولده في حدود المائة .
حدث عن : أبيه ، ومحمد بن زياد الجمحي -صاحب أبي هريرة- وأبي إسحاق السبيعي ، ومنصور بن المعتمر ، ومالك بن دينار ، وأبي جعفر محمد بن علي ، وسليمان الأعمش ، وابن عجلان ، ومقاتل بن حيان .
حدث عنه : رفيقة سفيان الثوري ، وشقيق البلخي ، وبقية بن الوليد ، وضمرة بن ربيعة ، ومحمد بن حمير ، وخلف بن تميم ، ومحمد بن يوسف الفريابي ، وإبراهيم بن بشار الخراساني خادمه ، وسهل بن هاشم ، وعتبة بن السكن ، وحكى عنه الأوزاعي ، وأبو إسحاق الفزاري .
قال البخاري : قال لي قتيبة : إبراهيم بن أدهم تميمي يروي عن منصور . قال : ويقال له : العجلي . وقال ابن معين : هو من بني عجل . وذكر المفضل الغلابي : أنه هرب من أبي مسلم ، صاحب الدعوة .
قال النسائي : هو ثقة مأمون ، أحد الزهاد . وعن الفضل بن موسى ، قال : حج والد إبراهيم بن أدهم وزوجته ، فولدت له إبراهيم بمكة .
وعن يونس البلخي قال : كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف ، وكان أبوه كثير المال والخدم ، والمراكب والجنائب والبزاة فبينا إبراهيم في الصيد على فرسه يركضه ، إذا هو بصوت من فوقه : يا إبراهيم : ما هذا العبث ؟ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا اتق الله ، عليك بالزاد ليوم الفاقة . فنزل عن دابته ، ورفض الدنيا . وفي "رسالة القشيري" ، قال : هو من كورة بلخ ، من أبناء الملوك ، أثار ثعلبا أو أرنبا ، فهتف به هاتف : ألهذا خلقت ؟ أم بهذا أمرت ؟ فنزل ، وصادف راعيا لأبيه ، فأخذ عباءته ، وأعطاه فرسه ، وما معه ، ودخل البادية ، وصحب الثوري والفضيل بن عياض ، ودخل الشام ، وكان يأكل من الحصاد وحفظ البساتين ، ورأى في البادية رجلا ، علمه الاسم الأعظم فدعا به ، فرأى الخضر ، وقال : إنما علمك أخي داود . رواها على بن محمد المصري الواعظ .
حدثنا أبو سعيد الخراز ، حدثنا إبراهيم بن بشار ، حدثني إبراهيم بن أدهم بذلك ، لما سألته عن بدء أمره . ورويت عن ابن بشار بإسناد آخر ، وزاد ،
قال : فسألت بعض المشايخ عن الحلال ، فقال : عليكم بالشام ، فصرت إلى المصيصة فعملت بها أياما ، ثم قيل لي : عليك بطرسوس فإن بها المباحات ، فبينا أنا على باب البحر ، اكتراني رجل أنطر بستانه ، فمكثت مدة .
قال المسيب بن واضح : حدثنا أبو عتبة الخواص : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : من أراد التوبة ، فليخرج من المظالم ، وليدع مخالطة الناس ، وإلا لم ينل ما يريد .
قال خلف بن تميم : سمعت إبراهيم يقول : رآني ابن عجلان ، فاستقبل القبلة ساجدا ، وقال : سجدت لله شكرا حين رأيتك .
قال عبد الرحمن بن مهدي : قلت لابن المبارك : إبراهيم بن أدهم ممن سمع ؟ قال : قد سمع من الناس ، وله فضل في نفسه ، صاحب سرائر ، وما رأيته يظهر تسبيحا ، ولا شيئا من الخير ، ولا أكل مع قوم قط ، إلا كان آخر من يرفع يده . أبو نعيم : سمعت سفيان يقول : كان إبراهيم بن أدهم يشبه إبراهيم الخليل ، ولو كان في الصحابة ، لكان رجلا فاضلا .
قال بشر الحافي : ما أعرف عالما الا وقد أكل بدينه ، إلا وهيب بن الورد وإبراهيم بن أدهم ، ويوسف بن أسباط ، وسلم الخواص .
قال شقيق بن إبراهيم : قلت لإبراهيم بن أدهم : تركت خراسان ؟ قال : ما تهنأت بالعيش إلا في الشام ، أفر بديني من شاهق إلى شاهق ، فمن رآني يقول : موسوس ، ومن رآني يقول : جمال ، يا شقيق : ما نبل عندنا من نبل بالجهاد ولا بالحج ، بل كان بعقل ما يدخل بطنه .
قال خلف بن تميم : سألت إبراهيم : منذ كم قدمت الشام ؟ قال : منذ أربع وعشرين سنة ، ما جئت لرباط ولا لجهاد ، جئت لأشبع من خبز الحلال .
وعن إبراهيم ، قال : الزهد فرض ، وهو الزهد في الحرام . وزهد سلامة ، وهو : الزهد في الشبهات . وزهد فضل ، وهو : الزهد في الحلال . يحيى بن عثمان البغدادي : حدثنا بقية ، قال : دعاني إبراهيم بن أدهم إلى طعامه ، فأتيته ، فجلس ، فوضع رجله اليسرى تحت أليته ، ونصب اليمنى ، ووضع مرفقه عليها ، ثم قال : هذه جلسة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يجلس جلسة العبد ، خذوا بسم الله . فلما أكلنا ، قلت لرفيقه : أخبرني عن أشد شيء مر بك منذ صحبته . قال : كنا صياما ، فلم يكن لنا ما نفطر عليه ، فأصبحنا ، فقلت : هل لك يا أبا إسحاق أن نأتي الرستن فنكري أنفسنا مع الحصادين ؟ قال : نعم . قال : فاكتراني رجل بدرهم ، فقلت : وصاحبي ؟
قال : لا حاجة لي فيه ، أراد ضعيفا . فما زلت به حتى اكتراه بثلثين ، فاشتريت من كرائي حاجتي ، وتصدقت بالباقي ، فقربت إليه الزاد ، فبكى وقال : أما نحن فاستوفينا أجورنا ، فليت شعري أوفينا صاحبنا أم لا ؟ فغضبت ، فقال : أتضمن لي أنا وفيناه . فأخذت الطعام فتصدقت به .
وبالإسناد عن بقية ، قال : كنا مع إبراهيم في البحر ، فهاجت ريح ، واضطربت السفينة ، وبكوا ، فقلنا : يا أبا إسحاق ! ما ترى ؟ فقال : يا حي حين لا حي ، ويا حي قبل كل حي ، ويا حي بعد كل حي ، يا حي ، يا قيوم ، يا محسن ، يا مجمل ! قد أريتنا قدرتك ، فأرنا عفوك . فهدأت السفينة من ساعته .
ضمرة : سمعت ابن أدهم ، قال : أخاف أن لا أؤجر في تركي أطايب الطعام ؛ لأني لا أشتهيه . وكان إذا جلس على طعام طيب ، قدم إلى أصحابه ، وقنع بالخبز والزيتون . محمد بن ميمون المكي : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : قيل لإبراهيم بن أدهم : لو تزوجت ؟ قال : لو أمكنني أن أطلق نفسي لفعلت .
عن خلف بن تميم ، قال : دخل إبراهيم الجبل ، واشترى فأسا ، فقطع حطبا ، وباعه ، واشترى ناطفا وقدمه إلى أصحابه ، فأكلوا ، فقال يباسطهم : كأنكم تأكلون في رهن .
عصام بن رواد بن الجراح : حدثنا أبي ، قال : كنت ليلة مع إبراهيم بن أدهم ، فأتاه رجل بباكورة ، فنظر حوله هل يرى ما يكافئه ، فنظر إلى سرجي ، فقال : خذ ذاك السرج ، فأخذه ، فسررت حين نزل مالي بمنزلة ماله .
قال علي بن بكار : كان إبراهيم من بني عجل كريم الحسب ، وإذا حصد ، ارتجز ، وقال :
اتَّخِذِ اللهَ صاحبا
ودعِ النـاسَ جانبا
وكان يلبس فروا بلا قميص ، وفي الصيف شقتين بأربعة دراهم : إزار ورداء ، ويصوم في الحضر والسفر ، ولا ينام الليل ، وكان يتفكر ، ويقبض أصحابه أجرته ، فلا يمسها بيده ، ويقول : كلوا بها شهواتكم ، وكان ينطر وكان يطحن بيد واحدة مدين من قمح
قال أبو يوسف الغسولي : دعا الأوزعي إبراهيم بن أدهم ، فقصر في الأكل ، فقال : لم قصرت ؟ قال : رأيتك قصرت في الطعام . بشر الحافي : حدثنا يحيى بن يمان ، قال : كان سفيان إذا قعد مع إبراهيم بن أدهم ، تحرز من الكلام . عبد الرحمن بن مهدي ، عن طالوت : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : ما صدقَ اللهَ عبدٌ أحبَّ الشهرةَ .
قلت : علامة المخلص الذي قد تجب شهرة ، ولا يشعر بها ، أنه إذا عوتب في ذلك ، لا يحرَدُ ولا يبرئ نفسه ، بل يعترف ، ويقول : رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي ، ولا يكن معجبا بنفسه ، لا يشعر بعيوبها ، بل لا يشعر أنه لا يشعر ، فإذا هذا داء مزمن .
عصام بن رواد : سمعت عيسى بن خازم النيسابوري يقول : كنا بمكة مع إبراهيم بن أدهم ، فنظر إلى أبي قبيس ، فقال : لو أن مؤمنا ، مستكمل الإيمان ، يهز الجبل لتحرك ، فتحرك أبو قبيس فقال : اسكن ، ليس إياك أردت .
قال ابن أبي الدنيا : حدثنا محمد بن منصور ، حدثنا الحارث بن النعمان ، قال : كان إبراهيم بن أدهم يجتني الرطب من شجر البلوط . وعن مكي بن إبراهيم ، قال : قيل لابن أدهم : ما تبلغ من كرامة المؤمن ؟ قال : أن يقول للجبل : تحرك ، فيتحرك . قال فتحرك الجبل ، فقال : ما إياك عنيت .
وعن إبراهيم بن أدهم ، قال : كل ملك لا يكون عادلا ، فهو واللص سواء ، وكل عالم لا يكون تقيا ، فهو والذئب سواء ، وكل من ذل لغير الله ، فهو والكلب سواء .
أخبرنا أحمد بن إبراهيم الجلودي وغيره : أن عبد الله بن اللتي أخبرهم ، قال أنبأنا جعفر بن المتوكل ، أنبأنا أبو الحسن بن العلاف ، حدثنا الحمامي ، حدثنا جعفر الخلدي ، حدثني إبراهيم بن نصر ، حدثنا إبراهيم بن بشار : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : وأي دين لو كان له رجال ! من طلب العلم لله ، كان الخمول أحب إليه من التطاول ، والله ما الحياة بثقة ، فيرجى نومها ، ولا المنية بعذر ، فيؤمن عذرها ، ففيم التفريط والتقصير والاتكال والإبطاء ؟ قد رضينا من أعمالنا بالمعاني ، ومن طلب التوبة بالتواني ، ومن العيش الباقي بالعيش الفاني.
وبه : قال ابن بشار : أمسينا مع إبراهيم ليلة ، ليس لنا ما نفطر عليه ، فقال : يا ابن بشار ! ماذا أنعم الله على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة ، لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ، ولا حج ، ولا صدقة ، ولا صلة رحم ! لا تغتم ، فرزق الله سيأتيك ، نحن -والله- الملوك الأغنياء ، تعجلنا الراحة ، لا نبالي على أي حال كنا إذا أطعنا الله . ثم قام إلى صلاته ، وقمت إلى صلاتي ، فإذا برجل قد جاء بثمانية أرغفة ، وتمر كثير ، فوضعه ، فقال : كل يا مغموم . فدخل سائل ، فأعطاه ثلاثة أرغفة مع تمر ، وأعطاني ثلاثة ، وأكل رغيفين . وكنت معه ، فأتينا على قبر مسنم ، فترحم عليه ، وقال : هذا قبر حميد بن جابر ، أمير هذه المدن كلها ، كان غارقا في بحار الدنيا ، ثم أخرجه الله منها . بلغني أنه سر ذات يوم بشيء ، ونام ، فرأى رجلا بيده كتاب ، ففتحه ، فإذا هو كتاب بالذهب : لا تؤثرن فانيا على باق ، ولا تغترن بملكك ، فإن ما أنت فيه جسيم لولا أنه عديم ، وهو ملك لولا أن بعده هُلْك ، وفرح وسرور لولا أنه غرور ، وهو يوم لو كان يوثق له بغد ، فسارع إلى أمر الله ، فإن الله قال : وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ فانتبه فزعا ، وقال : هذا تنبيه من الله وموعظة . فخرج من ملكه ، وقصد هذا الجبل ، فعبد الله فيه حتى مات .
وروي أن إبراهيم بن أدهم حصد ليلة ما يحصده عشرة ، فأخذ أجرته دينارا .
أنبأنا أحمد بن سلامة ، عن عبد الرحيم بن محمد ، أنبأنا الحداد ، أنبأنا أبو نعيم ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، حدثنا السراج : سمعت إبراهيم بن بشار يقول : قلت لإبراهيم بن أدهم : كيف كان بدء أمرك ؟ قال : غير ذا أولى بك .
قال : قلت : أخبرني لعل الله أن ينفعنا به يوما . قال : كان أبي من الملوك المياسير ، وحبب إلينا الصيد ، فركبت ، فثار أرنب أو ثعلب ، فحركت فرسي ، فسمعت نداء من ورائي : ليس لذا خلقت ، ولا بذا أمرت . فوقفت أنظر يمنة ويسرة ، فلم أر أحدا ، فقلت : لعن الله إبليس ، ثم حركت فرسي ، فأسمع نداء أجهر من ذلك : يا إبراهيم ! ليس لذا خلقت ، ولا بذا أمرت فوقفت أنظر فلا أرى أحدا ، فقلت : لعن الله إبليس ، فأسمع نداء من قربوس سرجي بذاك ، فقلت : أنبهت ، أنبهت ، جاءني نذير ، والله لا عصيت الله بعد يومي ما عصمني الله ، فرجعت إلى أهلي ، فخليت فرسي ، ثم جئت إلى رعاة لأبي ، فأخذت جبة كساء ، وألقيت ثيابي إليه ، ثم أقبلت إلى العراق ، فعملت بها أياما ، فلم يصف لي منها الحلال ، فقيل لي : عليك بالشام ، فذكر حكاية نطارته الرمان ، وقال الخادم له : أنت تأكل فاكهتنا ، ولا تعرف الحلو من الحامض ؟ قلت : والله ما ذقتها . فقال : أتراك لو أنك إبراهيم بن أدهم ، فانصرف ، فلما كان من الغد ، ذكر صفتي في المسجد ، فعرفني بعض الناس ، فجاء الخادم ومعه عنق من الناس ، فاختفيت خلف الشجر ، والناس داخلون ، فاختلطت معهم وأنا هارب .
قد سقت أخبار إبراهيم في "تاريخي" أزيد مما هنا ، وأخباره في : "تاريخ دمشق" وفي : "الحلية" وتأليف لابن جوصا ، وأخباره التي رواها ابن اللتي ، وأشياء . وثقه الدارقطني .
وتوفي سنة اثنتين وستين ومائة وقبره يزار ، وترجمته في "تاريخ دمشق" في ثلاثة وثلاثين ورقة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
إبراهيم بن أدهم، أبو إسحاق، زاهد مسلم. من أهل بلْخ كان من أبناء الملوك و المَياسير. خرج متصيداً، فأثار ثعلب واذا هو طلبه، هتف به هاتف من قربوس سرجه: "والله! ما لهذا خلقت!، ولا بهذا أمرت!". فنزل عن دابته، وصادف راعياً لأبيه، فأخذ جبته فلبسها، وأعطاه ثيابه وقماشه وفرسه وترك طريقته، في التزين بالدنيا، و رجع إلى طريقة أهل الزهد و الورع. و خرج إلى مكة، و صحب بها سفيان الثوري، و الُفضيل بن عِياض. و دخل بلاد الشام، فكان يعمل فيها، و يأكل من عمل يده
أقواله
- "الفقر مخزون في السماء، يعدل الشهادة عند الله، لا يعطيه إلا لمن أحبه "
- على القلب ثلاثة أغطية: الفرح، والحزن، والسرور. فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص، الحريص محروم. وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط، والساخط معذب. وإذا سررت بالمدح فأنت معجب، والعجب يحبط العمل. ودليل ذلك قوله تعالى: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم)
- قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تكثر الهم لجزع
سيرته
وحصد ابرهيم في المزارع عشرين ديناراً ودخل إلى أذنة، ومعه صاحب له. فأراد أن يحلق ويحتجم؛ فجاء إلى حجام، فحقره الحجام وصاحبه، وقال: ما في الدنيا أحد أبغض إلي من هؤلاء! أما وجدوا غيري!" فقضى شغل غيرهما، وأعرض عنهما. ثم قال: "أي شيء تريدان" فقال ابرهيم: "أحتجم واحلق". ففعل به، وأما صاحبه فقال له: "لا أفعل ذلك!" لتهاونه بهما، ثم أعطاه إبراهيم الذي كان معه، فقال له صاحبه: "كيف ذاك!" فقال: "اسكت لئلا يحتقر فقيراً بعده وروى انه كان يعمل في الحصاد وحفظ البساتين وغير ذلك، وينفق على من في صحبته من الفقراء وكان يعمل نهاره، ويجتمعون ليلا إلى موضع، وهم صيام؛ وكان ابرهيم يبطىء في رجوعه من عمله. فقالوا ليلة: "هلم نسبقه حتى لا يبطىء في رجوعه من عمله" ففعلوا وناموا. فجاء ابراهيم، فظن انهم لم يجدوا طعاماً، فأصلحه لهم، فأنتبهوا وقد وضع شيبته في النار، وينفخ بها، فقالوا له في ذلك فقال: "ظننت إنكم نمتم جوعى لأجل العدم، فأصلحت لكم ذلك!". فقال بعضهم لبعض: "انظروا ما الذي عملنا، وما الذي يعاملنا به
وركب مرة البحر، فقال عليهم، فلف رأسه في عباءة ونام. فقيل له: "ما ترى ما نحن فيه من الشدة!" فقال: "ليس هذا شدة! الشدة الحاجة إلى الناس". ثم قال: "اللهم! أريتنا قدرتك، فأرنا لطفك".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إبراهيم بن أدهم
كان والده من أغنى أغنياء خراسان وأحد ملوكها، ولد (إبراهيم) بمكة حينما خرج أبوه وأمه إلى الحج عام 100 هـ أو قريبًا منها، وفتح عينيه على الحياة؛ ليجد الثراء يحيط به من كل جانب؛ فعاش حياة الترف والنعيم، يأكل ما يشاء من أطيب الطعام، ويركب أحسن الجياد، ويلبس أفخم الثياب.
وفي يوم من الأيام خرج ابراهيم ابن ادهم راكبًا فرسه، وكلبه معه، وأخذ يبحث عن فريسة يصطادها، وكان إبراهيم يحب الصيد، وبينما هو كذلك إذ سمع نداء من خلفه يقول له: (يا إبراهيم ليس لذا خلقت، ولا بذا أمرت) فوقف ينظر يمينه وشماله، ويبحث عن مصدر هذا الصوت فلم ير أحدًا، فأوقف فرسه ثم قال: والله لا عصيت الله بعد
يومي ذا ما عصمني ربي.
ورجع إبراهيم بن أدهم إلى أهله، فترك حياة الترف والنعيم ورحل إلى بلاد الله الواسعة ليطلب العلم، وليعيش حياة الزهد والورع والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ولم يكن إبراهيم متواكلاً يتفرغ للعبادة والزهد فقط ويعيش عالة على غيره، بل كان يأكل من عمل يده، ويعمل أجيرًا عند أصحاب المزارع، يحصد لهم الزروع، ويقطف لهم الثمار ويطحن الغلال، ويحمل الأحمال على كتفيه، وكان نشيطًا في عمله، يحكي عنه أنه حصد في يوم من الأيام ما يحصده عشرة رجال، وفي أثناء حصاده كان ينشد قائلا: اتَّخِذِ اللَّه صاحبًا... ودَعِ النَّاسَ جانبا.
يروي بقية بن الوليد، يقول: دعاني إبراهيم بن أدهم إلى طعامه، فأتيته، فجلس ثم قال: كلوا باسم الله، فلما أكلنا، قلت لرفيقه: أخبرني عن أشد شيء مرَّ بك منذ صحبته.. قال: كنَّا صباحًا، فلم يكن عندنا ما نفطر عليه، فأصبحنا، فقلت: هل لك يا أبا إسحاق أن تأتي الرَّسْتن (بلدة بالشام كانت بين حماة وحمص) فنكري (فنؤجر) أنفسنا مع الحصَّادين؟ قال: نعم.. قال: فاكتراني رجل بدرهم، فقلت: وصاحبي؟ قال: لا حاجة لي فيه، أراه ضعيفًا.. فمازلت بالرجل حتى اكتراه بثلثي درهم، فلما انتهينا، اشتريت من أجرتي طعامي وحاجتي، وتصدقت بالباقي، ثم قربت الزاد، فبكى إبراهيم، وقال: أما نحن فاستوفينا أجورنا، فليت شعري أوفينا صاحبه حقه أم لا؟ فغضبت، فقال: أتضمن لي أنَّا وفيناه، فأخذت الطعام فتصدقت به.
وظل إبراهيم ينتقل من مكان إلى مكان، زاهدًا وعابدًا في حياته، فذهب إلى الشام وأقام في البصرة وقتًا طويلاً، حتى اشتهر بالتقوى والعبادة، في وقت كان الناس فيه لا يذكرون الله إلا قليلا، ولا يتعبدون إلا وهم كسالي، فجاءه أهل البصرة يومًا وقالوا له: يا إبراهيم.. إن الله تعالى يقول في كتابه: {ادعوني أستجب لكم} (غافر: 60) ونحن ندعو الله منذ وقت طويل فلا يستجيب لنا؟! فقال لهم إبراهيم بن أدهم: يا أهل البصرة، ماتت قلوبكم في عشرة أشياء:
أولها: عرفتم الله، ولم تؤدوا حقه .
الثاني: قرأتم كتاب الله، ولم تعملوا به .
الثالث: ادعيتم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركتم سنته.
الرابع: ادعيتم عداوة الشيطان، ووافقتموه .
الخامس: قلتم : نحب الجنة، ولم تعملوا لها .
السادس: قلتم : نخاف النار، ورهنتم أنفسكم بها
السابع: قلتم: إن الموت حق، ولم تستعدوا له .
الثامن: اشتغلتم بعيوب إخوانكم، ونبذتم عيوبكم.
التاسع: أكلتم نعمة ربكم، ولم تشكروها .
العاشر: دفنتم موتاكم، ولم تعتبروا بها .
وكان إبراهيم كريمًا جوادًا، فالعسل والسمن غالبًا ما يكونان على مائدته يطعم من يأتيه، سمعه أحد أصحابه ذات مرة وهو يقول: (ذهب السخاء والكرم والجود والمواساة، من لم يواس الناس بماله وطعامه وشرابه فليواسهم ببسط الوجه والخلق الحسن.. إياكم أن تكون أموالكم سببًا في أن تتكبروا على فقرائكم، أو سببًا في أن لا تميلوا إلى ضعفائكم، وألا تبسطوا إلى مساكينكم).
وكان إبراهيم بن أدهم شديد التواضع، لا يحب الكبر، كان يقول: (إياكم والكبر والإعجاب بالأعمال، انظروا إلى من دونكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم، من ذلل نفسه؛ رفعه مولاه، ومن خضع له أعزه،ومن اتقاه وقاه، ومن أطاعه أنجاه) ودخل إبراهيم بن أدهم المعركة مع الشيطان ومع نفسه مصممًا على الانتصار، وسهر الليالي متعبدا ضارعًا باكيًا إلى الله يرجو مغفرته ورحمته، وكان مستجاب الدعاء.
ذات يوم كان في سفينة مع أصحابه، فهاجت الرياح، واضطربت السفينة، فبكوا، فقال إبراهيم : يا حي حين لا حي، ويا حي قبل كل حي، ويا حي بعد كل حي، يا حي، يا قيوم، يا محسن يا مُجْمل قد أريتنا قدرتك، فأرنا عفوك.. وبدأت السفينة تهدأ، وظل إبراهيم يدعو ربه ويكثر من الدعاء.
وكان أكثر دعائه: (اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك) وكان يقول:
(ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا) وقال: (كل سلطان لا يكون عادلاً فهو واللص سواء، وكل عالم لا يكون تقيًّا فهو والذئب سواء، وكل من ذلَّ لغير الله، فهو والكلب سواء) وكان يقول لأصحابه إذا اجتمعوا: (ما على أحدكم إذا أصبح وإذا أمسى أن يقول: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت الرجاء).
وكان إبراهيم راضيًا بحالة الزهد القاسية، وظل يكثر من الصوم والصلاة ويعطف على الفقراء والمساكين إلى أن مات رضوان الله عليه سنة 162 هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من مواعظه و حكمه :
- سئل ابراهيم بن أدهم : لم لا تخالط الناس ؟ فقال : ان صحبت من هو دوني أذاني بجهاه وإن صحبت من هو فوقي تكبر علي و إن صحبت من هو مثلى حسدني ,فاشتغلت بمن ليس في صحبته ملل ولا فى وصله انقطاع ولا في الأنس به وحشة
- مر إبراهيم بن أدهم على رجل حزين مهموم فقال له :إني سأسألك عن ثلاثة فأجبني : فقال الرجل الحزين نعم فقال ابراهيم : ايجري في هذا الكون شيء لا يريده الله ؟ فقال الرجل :لا - فقال ابراهيم افينقص من رزقك شيء قدره الله فقال الرجل : لا -- قال ابراهيم افينقص من اجلك لحظة كتبها الله ؟ فقال الرجل :لا - قال ابراهيم : فعلام الحزن
- يقول رضي الله عنه: "ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك، ذمّ مولانا الدني فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهّدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها، وعدكم خراب الدنيا فحصنتموها، ونُهيتم عن طلبها فطلبتموها، وأنذرتم الكنوز فكنزتموها دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها، فأجبتم مسرعين مناديها، خدعتكم بغرورها وفتنتكم فأنفذتم خاضعين لأمنيتها، تتمرغون في زهواتها وتتمتعون في لذاتها، وتتقلبون في شهواته وتتلوثون بتبعاتها، تنبشون بمخالب الحرص عن خزائنها، وتحفرون بمعاول الطمع في معادنها، وتبنون بالغفلة في أماكنها، وتحصّنون بالجهل في مساكنها، وأنتم غرقى في
بحار الدنيا، حيارى تتمتعون في لذاتها وتتنافسون في غمراتها، فمن جمعها ما تشبعون، ومن التنافس منها ما تملّون، كذبتكم والله أنفسكم وغرّتكم ومنّتكم الأماني، وعللتكم بالتواني حتى لا تعطوا اليقين من قلوبكم والصدق من نياتكم، وتتنصتون اليه من مساوىء ذنوبكم وتعصونه في بقية أعمالكم أما سمعتم الله تعالى يقول في محكم كتابه: {أَمْ نَجْعَلُ الذينَ ءَامَنوا وعَِملُوا الصَّالِحاتِ كالمُفْسِدينَ في الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَقينَ كالفُجَّارِ(28)} [سورة ص].
لا تُنال جنته إلا بطاعته، ولا تنال ولايته إلا بمحبته، ولا تنال مرضاته إلا بترك معصيته، فإن الله تعالى قد أعدّ المغفرة للأوابين، وأعد الرحمة للتوابين، وأعدّ الجنة للخائفين، وأعدّ الحور للمطيعين، وأعدّ رؤيته للمشتاقين قال الله تعال: {وإِنِّى لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءََامَنَ وعَِملَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى(82)} [سورة طه]".
"خالفتم الله فيما أنذر وحذر، وعصيتموه فيما نهى وأمر، وإنّما تحصدون ما تزرعون، وتجنون ما تغرسون، وتُكافأون بما تفعلون، وتُجزوْنَ بما تعملون، فاعلموا إن كنتم تعقلون، وانتبهوا من رقدتكم لعلكم تفلحون، الحذر الحذر!! الجدّ الجدّ!! كونوا على حياء من الله، فوالله لقد ستر وأمهل وجاد فأحسن".
- روي أن رجلاً جاء إلى إبراهيم بن أدهم فقال له : يا أبا إسحاق إني مسرف على نفس ، فأعرض على ما يكون لها زاجراً ومستنقذاً لقلبي قال : إن قبلت خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك معصية ولم توبقك لذة قال : هات يا أبا إسحاق !
قال : أما الأولى : فإذا أردت أن تعصي الله عز وجل فلا تأكل رزقه ، قال : فمن أين آكل وكل ما في الأرض من رزقه ؟ قال : يا هذا ! أفيحسن أن تأكل رزقه وتعصيه ؟
قال : لا هات الثانية .
قال : إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئاً من بلاده قال الرجل : هذه أعظم من الأولى ! يا هذا إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له فأين اسكن ؟ قال : يا هذا! أفيحسن أن تأكل من رزقه وتسكن بلاده وتعصيه ؟ قال لا ، هات الثالثة .
قال : إذا أردت أن تعصيه وأنت تحت رزقه وفي بلاده فانظر موضعاً لا يراك فيه مبارزاً له فاعصه فيه قال : يا إبراهيم ! كيف هذا وهو مطلع على ما في السرائر ؟ قال يا هذا أفيحسن أن تأكل من رزقه وتسكن بلاده وتصعيه وهو يراك ويرى ما تجاهر به ؟ قال : لا هات الرابعة .
قال : إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فق له : أخرني حتى أتوب توبة نصوحاً واعمل لله عملاً صالحاً قال : لا يقبل مني ! قال يا هذا فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب ، وتعلم أنه إذا جاء لم يكن له تأخير ، فكيف ترجو وجه الخلاص ؟ قال : هات الخامسة :قال : إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة ليأخذوك إلى النار فلا تذهب معهم قال : لا يدعونني ولا يقبلون مني قال : فكيف ترجو النجاة إذا ؟ قال له : يا إبراهيم حسبي حسبي أنا استغفر الله واتوب إليه ولزمه في العبادة حتى فرق الموت بينهما .
و من مواعظه أيضا:
1- قد رضينا من أعمالنا بالمعاني، ومن التوبة بالتواني، ومن العيش الباقي بالعيش الفاني.
2- ما ألهم الله عبداً الاستغفار وهو يريد أن يعذبه.
3- من لم يواسِ الناس بماله وطعامه، وشرابه - فليواسهم ببسط الوجه، والخلق الحسن.
4- لا تكونوا بكثرة أموالكم تتكبرون على فقرائكم، ولا تميلون إلى ضعفائكم، ولا تبسطون إلى مساكينكم.
5- تريد تدعو؟ كل الحلال، وادع بما شئت.
6- قال أبو عبد الله الملطي: كان عامة دعاء إبراهيم: اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك.
7- الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الذهب والفضة؛ لأنك تبذلهما في تحصيلها.
8- وما هي إلا جوعةٌ قد سددتها * وكل طعام بين جنبي واحد
9- عجباً للرجل اللئيم!؛ يبخل بالدنيا على أصدقائه، ويسخو بالجنة لأعدائه.
10- شكى رجل إلى إبراهيم كثرة عياله، قال إبراهيم: ابعث إلي منهم من لا رِزْقُه على الله، فسكت الرجل.
11- من علامة صدق المتحابين في الله - عز وجل - أن يبادر كل منهم إلى مصالحة صاحبه إذا أغضبه؛ فإنا لم نجد قط محبوباً إلى إخوانه وهو لا يواصلهم، كما أنا لم نجد قط غضوباً مسروراً.
12- الهوى يردي، وخوف الله يشفي.
13- اعلم أن ما يزيل عن قلبك هواك إذا خفت من أن تعلم أنه يراك.
14- إذا كنت بالليل نائماً، وبالنهار سائماً، وفي المعاصي دائماً؛ فكيف ترضي من هو بأمرك قائماً.
15- مالنا نشكو فقرنا إلى مثلنا، ولا نسأل كشفه من ربنا.
16- نحن والله الملوك الأغنياء، نحن الذين قد تعجلنا الراحة، لا نبالي على أي حال أصبحنا، وأمسينا إذا أطعنا الله - عز وجل -.
17- لا يقل مع الحق فريد، ولا يقوى مع الباطل عديد.
18- الكلام يظهر حمق الأحمق، وعقل العاقل.
19- من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن أطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه. |