| قريبا نيو حب بشكل جديد |
| ||
| افلام عربيهه | افلام مصرية | افلام عربى | فيديو مضحك | فيديو رياضي | فيديو كليب | كارتون | حوادث | مسلسلات | مسرحيات | صور | اغانى | العاب بنات | |||
![]() | |
![]() | ![]() |
| مساحه اعلانية للطلب | ![]() |
| مساحه اعلانية للطلب | ![]() ![]() ![]() ![]() |
| |||||||
| الملاحظات |
| قصص طويلة و روايات أجمل القصص تجده هن |
الدورى الفرنسى -
الدوري الالماني -
الدوري الايطالي -
الدوري الانجليزي -
الدوري الاسباني -
الدورى المصرى
![]() |
| | أدوات الموضوع |
|
#1
| ||||
| ||||
| الطوفان الأزرق الكتاب الأول-1- وقف الدكتور هالين يتفرج من خلف الزجاج على العاصفة المتوحشة وهي تفترس مطار كيندي الدولي بنيويورك. إلى جانبه كان يقف زميله الياباني ورفيقه في السفر، الدكتور ناتاكا، يحملق في ظلام الليلة الغاضبة في عصبية لا يكاد يخفيها وجهه الشرقي الجامد ونظرته الباردة. وشعر الدكتور هالين، دون أن يدري لماذا، بخوف من نوع غريب ينتقل إليه من زميله الياباني.ولمع البرق على وجه ناكاتا النحاسي فلاحظ هالين ارتعاش عصب رقيق تحت شفته السفلى، وآخر تحت عينه اليسرى. وبعد الصمت الذي أعقب انفجارات الرعد المتداركة سمع صوت المطر المتهاطل على أرضية المطار. وأفاق الدكتور هالين من غيبوبته على صوت الأبواق وهي تعلن رقم رحلته الوشيكة القيام، وتطلب من المسافرين الاتجاه إلى بوابة الإقلاع.وانحنى الرجلان على حقيبتيهما، وانضما إلى الصف في صمت. ولاحظ الدكتور هالين باستغراب عابر انفراج أسارير زميله الياباني، فعزا انقباضه الأول إلى طول الانتظار، وليس إلى الخوف من القيام في العاصفة، كما تصور في البداية.وباستغراب عابر كذلك، فكر، وهو يعقد حزام المقعد، في سبب قيام الطائرة في هذا الجو العاصف، ولكنه، تصور أن تكون هناك علامة انفراج قريب في حالة الطقس.. ووقفت النفاثة العملاقة وحيدة، على غير العادة، على رأس مدرج المطار الدائم الازدحام، تنتظر الإذن لها بالقيام.وبعد انتظار لانهائي أقلعت بشحنتها البشرية، تاركة الأرض نحو سماء كالحة مُكفهرة. وساد صمت عصيب داخل الطائرة وهي تصارع الطبيعة الغاضبة، فتهتز وتهوى، وتنطفىء الأنوار بداخلها ثم تعود إلى الاشتعال. وأمسك الدكتور هالن بذراعي كرسيه بيد مبتلة، وهو ينظر من النافذة، محاولاً أن يرى شيئاً يستأنس به. كان الظلام خاثراً لا تخترقه إلا ومضات البرق الوهاج التي كانت تكشف عن خيوط الوابل الهاطل الذي كان يُسمع وقعه شديداً على الطائرة. وقصف الرعد فهز كيان المركبة الضخمة، وانطفأت أنوارها ثم عادت..ومرت ستون دقيقة بثوانيها في ذلك الطقس المتوحش، وركاب الطائرة وحتى مضيفاتها مسمرون إلى مقاعدهم، شاحبي الوجوه ينتظرون الضربة القاضية..وأخيراً وجدت الطائرة مخرجاً من خلال فجوة واسعة في الغيوم، فانطلقت نحو سماء زرقاء تتلألأ بالنجوم بعيداً عن غضب العاصفة. ولأول مرة سمع صوت الربان في بوق الطائرة، يرحب بالمسافرين بصوت ناعم مسترخٍ: سيداتي وسادتي، مرحباً بكم على متن طائرتنا. لابد أنكم لاحظتم أننا كنا نصارع عاصفة هوجاء طوال الستين دقيقة الفارطة. وبفضل أجهزتنا الحديثة استطعنا تفادي نقط الخطر فيها. وقد أصبحت العاصفة وراءنا، وهناك أحب أن أراها." ثم دخل في تفاصيل الرحلة. وتنهد الدكتور هالين، ونظر إلى رفيقه الدكتور ناكاتا مبتسماً، فابتسم هذا بدوره. وتحرَّكتْ المضيفات، وقد علا وجوههن بشر بعد ذُعر، وتوردُّ بعد اصفرار. ووقفت إحداهن تسوي قبعتها الأنيقة على شعرها الحريري، وتسأل زميلاتها: - هل تعرفن من معنا على متن الطائرة؟ - من؟ - لا أقل من الدكتور هالين، إيريك هالين. وسألت إحداهن: - ومن هو الدكتور هالين؟ فأجابتها أخرى: - خبير هيأة الأمم المتحدة في مكافحة الإشعاع الذري. وعلقت الأولى: - أنفس دماغ في العالم اليوم! وسألت أخرى: - هل هو متزوج؟ فحملت الأولى صينيتها، وأسرعت نحو الدرجة الأولى قائلة: - أنا أسبقكن إلى لقائه! وانحنت بالصينية، ونظرت إلى الدكتور هالين وهو يلتقط الكأس، فاتسعت عيناها السماويتان وفتحت فمها في دهشة سعيدة مصنوعة: - دكتور هالين؟ - نعم. - أنا سعيدة بلقائك. سمعت وقرأت عنكم كثيراً في صحافتنا السويدية. - شكراً على اهتمامك. لم أكن أعتقد أن الحسان يتتبعن أحوال الشيوخ مثلى. وضحك هو ورفيقه. فقالت مستنكرة: - ماذا تقول؟ أنت ما تزال في ريعان الشباب. وتدخل الدكتور ناكاتا مادا كأسه للمضيفة: - سأشرب نخب ذلك! وضحك الثلاثة. وبعد العشاء والسينما، دفع الدكتور هالين كرسيه إلى الوراء. فجاءته المضيفة بوسادة وغطاء نشرته على ركبتيه، وأطفأت النور هامسة: - ليلة سعيدة! ونام الدكتور هالين ليستيقظ في مكان لم يكن يحلم به... وقف الدكتور على نادر، العالم الأنثروبولوجي الشاب، وسط حلقة من المعجبين والمعجبات بنظرياته المستقبلية الجريئة، يستحم في ثنائهم السخي على كتابه الجديد (عصر الإنسان)، ويرد على أسئلتهم، عقب حفل التكريم الذي أقامته له الجمعية الملكية البريطانية للأنثروبولوجيا في مركزها بلندن. وإلى جانبه وقفت كاتبته ومساعدته وتلميذته الباكستانية الشابة، تاج محيي الدين، لابسة ساريا أخضر فاتحاً، زاد وجهها الخمري الجميل نضرة وجمالاً.. -5-والتفت الدكتور علي نادر إلى خادم الجمعية العجوز الذي انحنى يهمس في أذنه: - دكتور نادر، أنتم مطلوبون للهاتف، أخشى أن المكالمة مستعجلة. واعتذر الدكتور نادر لمن حوله بابتسامته المضيئة، وخرج من الحلقة خلف الخادم العجوز الذي قاده إلى مكتب المدير، وناوله السماعة بيد في قفاز أبيض. وقعد الدكتور نادر على طرف المكتب: - آلو. - الدكتور على نادر؟ - نعم، من؟ فيليب؟ - اسمع يا علي، ليس لي وقت لتهنئتك الآن. هناك خبر سيظهر على التلفزيون في ظرف دقيقة أو اثنتين. هل هناك جهاز قريب منك؟ ونظر الدكتور نادر حواليه، فرأى جهازاً بركن المكتب: - نعم هنا واحد. - أشعله وضعه على قناة الـ"بي. بي. سي"، المحطة الأولى. إلى اللقاء. وعلق، فنظر نادر إلى السماعة باستغراب، ثم أرجعها إلى محلها، وخَطَا نحو الجهاز، فأشعله ووقف يذرع الغرفة، وينتظر ظهور الصورة. وسمع قرعاً خفيفاً على الباب فقال: - ادخل. وانفتح الباب، وظهر من خلفه وجه تاج وعليه سؤال معلق. فأشار لها هو أن تدخل، وأمسك بيدها: - آسف يا عزيزتي إذا تأخرت عنك. كلمني فيليب، وقال لي إن خبرا يهمني سيظهر على التلفزيون الآن. وبرقت عين تاج فتساءل نادر بنظرة قلقة، فقالت: - لابد أن يكون كتابك! حلقة مناقشة حوله. أليس ذلك عظيماً؟ هل يمكننا البقاء هنا لمشاهدة البرنامج بأسره؟ وجاء صوت المذيع قبل ظهور صورته وهو يقول: "نقاطع هذا البرنامج لنأتيكم بهذا الخبر المستعجل:". وظهر وجه مذيع آخر ينظر إلى ورقة في يده، ثم ينزع النظارة، ويرفع وجهه ليواجه الكاميرا وبدأ: "خبر في منتهى الغرابة، وصلنا من الدار البيضاء بالمغرب، مفاده أن الدكتور هالين الخبير السويدي المعروف في مكافحة الإشعاع الذري، والحائز على جائزة نوبل في أبحاثه في ذلك الميدان، اختفى من طائرة عابرة المحيط وهي في الجو- أعيد: في الجو بين نيويورك والرباط". وأعاد النظارة إلى عينيه، وتناول الورقة أمامه، فقلبها بين يديه، ثم أضاف: "سنوافيكم بما يجد في الموضوع في حينه. ما هو تاريخ اليوم؟ أرجو ألا يكون فاتح ابريل!". واختفى المذيع، وعاد برنامج "شارع التتويج"، ولكن الدكتور على نادر بقي يحملق في الشاشة مأخوذا بالخبر، مخدر الإحساس، ساهيا عن وجود تاج معه في نفس الغرفة، وبقيت هي صامتة محترمة ذهوله حتى لا تحرجه. ورن جرس الهاتف فأيقظه من شردوه. كان رنيناً حاداً بالنسبة للصمت المفاجىء الذي عاد إلى المبنى بعد خروج الجميع. والتقط الدكتور نادر السماعة، قبل أن يرن الجهاز مرة ثالثة. وفي الطرف الآخر كان فيليب الذي سأل بدون مقدمة: - ما رأيك؟ - لا أدري. ما رأيك أنت؟ - هل أنت ذاهب لبيتك الآن؟ - نعم، لماذا؟ - في الساعة الحادية عشرة سيصلنا خبر مفصل، وقد يمكن أن تصلنا صورة المؤتمر الصحافي الذي ستدعو إليه شركة الطيران في الرباط. وقد تُلقي بعض الأضواء على هذا الغموض الغريب. - لابد أنه غلط. فلا يختفي المسافرون من الطائرات في عنان السماوات...ونظر الدكتور على نادر إلى ساعته، ثم ودع فيليب، ووضع السماعة وهو يقول، وكأنه يحدث نفسه: - لم يبق إلا نصف ساعة للأخبار. وظهر على باب المكتب شبح الخادم العجوز في حلته الرسمية، كأنه قطعة من أثاث المبنى القديم، ورفع الدكتور نادر عينيه متسائلاً، فقال الخادم: - سيدي، إذ كنتم في حاجة إلى سيارة أجرة فهناك واحدة بالباب. - نعم. نحتاج إلى سيارة. شكراً. وأمسك الخادم بالباب، فخرجت تاج وتبعها الدكتور نادر، والخادم خلفهما يقول: - أخذت حرية المجيء بمعطفيكما إلى الداخل حتى لا تتعبا في العودة مرة أخرى إلى قاعات المآدب. - شكراً لك. ووضع الدكتور على نادر معطف تاج على كتفيها، وألبسه الخادم معطفه وفتح لهما الباب على شارع مبتل بمطر خفيف تعكس أرضه أضواء الشارع واللافتات التجارية الملونة. وأعطى الدكتور نادر العنوان للسائق: - 48 كارلايل سكوير، من فضلك. وفتح الباب لتاج ودخل السيارة السوداء الفارغة وقعد إلى جانبها ملقياً برأسه إلى الخلف. وجاء صوت السائق من خلف الزجاج الفاصل: -حظنا حسن هذه الساعة. لم يبق على المسارح والسينماهات إلا دقائق لتخرج جمهورها، فيكثر المرور والازدحام. وأخذ يتكلم عن مطاعم لندن وجوها، والدكتور نادر وتاج ينتظران أن يكف عن الكلام في صمت، وصبر السيارة منطلقة في الشوارع الملتوية تضيق مرة وتتسع أخرى، والمارة بمظلاتهم يملأون الأرصفة وواجهات الدكاكين المضاءة، والبنات بديولهن القصيرة وأحذيتهن العالية السيقان وجوارهن الملونة ووجوههن المصبوغة وأهدابهن الصناعية، تعطي المدينة مظهراً حالماً غير واقعي، كأنه في صفحات كتاب ملون. وعادت ذاكرة الدكتور نادر به في ومضة خاطفة إلى بلدته الصغيرة على البحر الأبيض. فاستعرض في خياله الشوارع القصيرة الجدران، المبلطة بالحصى الأبيض، والبيوت المربعة الأوباب بنقاراتها المستديرة أو المنحوتة في شكل يد يحمل كرة حديد والحيطان البيضاء المائلة إلى الزرقة، والنساء والرجال الملفوفين في الأصواف ناعسي العيون يتحركون كظلال الأشجار على الأسوار القديمة. وتحركت السيارة بعد وقفة طويلة عند ضوء أحمر، فأفاق من شروده، واغتنم فجوة سكوت السائق، فدفع اللوح الزجاجي الفاصل بينهما، وعاد يتكىء ويبحث في ذهنه عن موضوع حديث مع تاج. وأخيراً تذكر: - كدت أنسى. - ماذا؟ - رسالة والدك. - هل تسلمت منه رسالة أنت الآخر؟ - وجدتها في بريدي هذا الصباح. بها دعوة حارة لي لزيارة الجمعية الانثروبولوجية بفيجى والمحاضرة بها عن نظريتي الجديدة، ومعها تذكرة طائرة! لابد أن والدك واثق من قوة إقناعك. فمن أدراه أنني سأقبل الدعوة؟ - أؤكد لك أن تلك طريقة والدي في العمل. إذا كانت له رغبة في شيء دفع ثمنه في الحال حتى يبدد الشك! - أنا متأكد أنك السبب الأول في هذه الدعوة. قال لي في رسالته إنه قرأ أغلب فصول الكتاب، فمن أرسله إليه؟ الكتاب لم يكمل توزيعه حتى في مدينة لندن. - أعترف بأنني بعثت له بنسخة منه. ولكنني أقسم صادقة أنني لم أحاول أن أؤثر فيه في مسألة دعوتك. وإن كنت أرحب بالفكرة، فبعد الإرهاق والإجهاد الذي أصابك أثناء إعداد الكتاب، لابد أن عطلة على شواطىء "فيجي" ستريحك تماماً. - أنت تضربين على أوتار ضعفي. تعرفين أنني مرهق وأحتاج إلى الراحة، وقد سمعتني مراراً ألْهج بالفرار إلى جزيرة، فاقترحت "فيجي". وتعرفين أنني أكره شتاء لندن الحزين، فاخترت نصف الكرة الصيفي، "إن كيدهن عظيم!". وضحكت تاج، فانفرجت شفتاها عن مبسم كالأقحوانة، وقالت: - تعطيني من الذكاء والمكر أكثر مما أستحق..ونظر إليها في غبش السيارة المتحركة، فخالجه شعور بأنهما يعيشان معاً، يعبران نهر الحياة في طوف صغير سعيد يشع دفئها حواليه... وتنهد. آه لو كانت له! لو كان قادراً أن يخطبها من نفسها! أن يضمها إلى صدره، ويهمس في أذنيها: "هل تتزوجينني؟". وأدرك أنه أحرجها بنظرته وتنهده، فأسبلت عينيها حتى تتجنب عينيه، وأشاح هو بوجهه عنها لينظر عبر النافذة. كانت السيارة دخلت "سلون ستريت"، وهي الآن تدور حول "سلون سكوير". وتنبه لصوتها وهي تسأله. - هل أعد تعليقك موافقة على الدعوة؟ -لا تربطيني الآن. أعطيني مهلة للتفكير. - آسفة. لم أكن أريد دفعك. - لا تعتذري يا عزيزتي، فأنا، كما قال أوسكار وايلد: "يمكنني مقاومة كل شيء إلا الإغراء!". - لا ألومك إذا لم ترد مغادرة لندن في هذه الأيام. - لماذا؟ - لا يمكنك أن تترك مقر عرشك الآن! علماء لندن والعالم الأنثروبولوجي كلهم يرفعونك فوق أكتافهم ويهتفون باسمك. فلا يمكنك أن تترك كل هذا المجد وتهرب إلى جزيرة واق الواق...ونظر الدكتور نادر إليها وعلى وجهه ابتسامة مفاجأة: - ماذا؟ إنك تفاجئينني ببعض تعاليقك الساخرة، لم أكن أتوقع أن أكون ضحية لها بهذه السرعة! تذكري أنك ما تزالين تلميذتي. فلا تنسي مكانك! - ها هو الرجل الشرقي يتكلم! - أتحداك أن تجدي أحسن! ودارت كلماته الأخيرة برأسه وأحس أن وجهه يحمر... وارتاح حين أدرك أن الظلام يخفي حَرَجَه.ودارت السيارة نحو اليمين داخلة "كارلايل سكوير"، فاعتدل في جلسته، وبدأ ينظر إلى العداد، ويبحث في جيوبه عن النقود. - الباب الرابع إلى اليسار. ووقفت السيارة فخرج الدكتور نادر، وساعد تاج على الخروج، وهي ترفع ثوبها الطويل.وفي البيت تناول معطفها وعلقه خلف الباب، وخلع معطفه هو الآخر وعلقه، وأشعل الأنوار كلها داخل غرفة الجلوس. ونظر إلى ساعته وقال: - لم تبق إلا خمس دقائق للأخبار. وعلا صوت التلفزيون فغطى على الحديث. وخرج الدكتور نادر من بيت النوم بقميص قصير الأكمام، وسروال كاكي مكوى بعناية، وجلس على الأريكة مقابلاً جهاز التلفزيون.وجاءت تاج بصينية صغيرة عليها فنجانان يتصاعد منهما البخار، فوضعت واحداً أمامه وتناولت الآخر، وجلست بجانبه قبالة الشاشة المضيئة. وبدأت موسيقى الأخبار فاعتدل الاثنان في مقعدهما، وعادت علامة الجد إلى وجه الدكتور نادر الذي كان يتناسى خبر اختطاف صديقه الدكتور هالن، ويُمنِّي نفسه بأن المسألة مجرد خطا من الشركة. وأن العالم السويدي لابد أن يظهر في القريب. وحتى إذا لم يظهر، فليس هناك خطر حقيقي على حياته. قد يكون على حريته إذا اختطفته دولة ما لاستعمال مواهبه العلمية. فهو أثمن من أن يجازف أي معسكر بقتله. وبهذه الفلسفة كان يعزي نفسه عن فقدان صدق عزيز. وظهر وجه المذيع على الشاشة الصغيرة وعلى وجهه ابتسامة معلقة، وبدأ: "الساعة الآن الحادية عشرة، وإليكم الأخبار، يقدمها "غوردن هانيكوم". "ما تزال قصة اختطاف الدكتور هالن، الخبير السويدي في مقاومة الإشعاع، ملفوفة في الغموض، اختفى الدكتور هالن من طائرة "بانام" 707 عابرة المحيط وهو في الجو. لم يعثر له على أثر حتى الآن. وإليكم مراسلنا بالدار البيضاء، روبيرت ماكنزي". وظهر وجه مذيع شاب واقف أمام مبنى البانام، وفي يده ميكروفون، وخلفه عدد من الأطفال والمارة. قال: "المبنى الذي ترونه خلفي هو فرع شركة البانام الجوية بالدار البيضاء، بالمغرب. وسوف ننتقل بكم إلى الداخل لحضور المؤتمر الصحافي الذي دعت إليه الشركة لإعلان خبر اختفاء الدكتور هالن في عرض الفضاء عبر المحيط. اجتذب المؤتمر عدداً كبيراً من رجال الصحافة، ولاشك من رجال البوليس الدولي وبعض عملاء المعسكرين المتنافسين، إلى مدينة الدار البيضاء، لالتقاط الأخبار وكشف أستار الغموض أو تغطية ما يعرفون عن هذا الحادث الأول من نوعه في تاريخ الاختطافات والاختفاءات الخيالية". ووضع المذيع يده على أذنه حيث يتدلى سلك من سماعة صغيرة. واستمع قليلاً ثم قال: "زميلي يناديني من داخل المبنى ليخبرني بأن المؤتمر قرب أن يبدأ". وانتقلت الكاميرا إلى وسط قاعة كبيرة احتشد فيها جمهور من الصحافيين يلغطون بجميع اللغات، ويشرئبون نحو مسرح عليه مائدة طويلة حولها كراسي وأكواب ماء ومكروفونات صغيرة. وظهر وجه المذيع وهو يتكلم بصوت ناعم: "قريباً سيظهر على هذا المسرح قبطان الطائرة وملاحه والمضيفات الأربع للإجابة على أسئلة الصحافيين. ومما يبدو أن ظهور هؤلاء للصحافيين لن يزيد المسألة إلا غموضاً. ومعلوم أن". وقاطعه صوت آخر يعلن: "أيتها السيدات، أيها السادة، أقدم لكم ربان طائرتنا ومضيفاتها للإجابة عن أسئلتكم في موضوع اختفاء الدكتور هالن أثناء هذه الرحلة". ولمعت أضواء المصورين على الوجوه والحلل الزرقاء الأنيقة، وهم يأخذون أماكنهم حول الطاولة في مواجهة الجمهور. وبدأ الأسئلة صحفي أمريكي بلهجة نيويوركية واضحة.- من اكتشف اختفاء الدكتور هالن من الطائرة، ومتى؟ورفعت مضيفة يدها: - أنا. كان ذلك حوالي الرابعة صباحاً. - هل أنت متأكدة من أنه كان على الطائرة، حين غادرتم نيويورك؟ - كل التأكد! وسأل صحفي سويسري. - كيف؟ - أعرف الدكتور هالن. وزيادة على ذلك فقد كان يحمل تذكرة عليها الحروف (ش.ب)-شخصية بارزة- فكان عليّ أن أراقب حركاته إذا احتاج إلى شيء. وقد تحدثنا مرة باللغة السويدية، فأنا سويدية، والدكتور هالن شهير في الأوساط العلمية ببلادي. - كيف اكتشفت اختفاءه،؟ - كنا قد انتهينا من توزيع العشاء على المسافرين، وطلب الدكتور هالن الغطاء لينام قليلاً، وجئته أنا بالغطاء والوسادة، ودفعت كرسيه إلى الوراء، وأسدلت ستار النافذة إلى جانبه لأنها كانت تواجه الشرق. والشمس تشرق علينا في ذلك الارتفاع في الواحدة بعد منتصف الليل بتوقيت نيويورك. وأطفأتُ الأنوار، وذهبت للكراسي الخلفية حيث قعدت مع زميلاتي. وحوالي الرابعة سمعت جرساً، ونظرت إلى رقم الكرسي، فإذا به في الدرجة الأولى، وذهبت لأجيب الطلب فلاحظت فراغ كرسي الدكتور هالن. ولم ألق بالا لذلك، إذ ظننت أنه ذهب للمرحاض. - هل رأيته أو إحدى زميلاتك يغادر مكانه؟ - لا، عهدي به نائم منذ منتصف الليل، حين انطفأت جميع الأضواء الرئيسية. على كل حال، عدت من الدرجة الأولى لآتي بكوب ماء. وسأل صحفي فرنسي: - هل كان الدكتور هالن مسافراً بالدرجة الأولى؟ - لا، قال لي بنفسه إنه يكره الدرجة الأولى، لأنه لا ينسجم مع ركابها! وسرت قهقهة بين جمهور الصحفيين، واستأنفت المضيفة: - ولكنه كان يحمل تذكرة الدرجة الأولى، وحين عدت من هناك كان الكرسي ما يزال فارغاً. ورأيت امرأة تخرج من أحد المراحيض الأمامية وطفلاً من الآخر. وبقى المرحاضان الخلفيان مقفلين. وعدت إلى الجلوس مع زميلاتي، دون أن يكون بالي مشغولاً بشيء. ولاحظت ببطء ثقيل علامة "فارغ" على باب مرحاض خلفي وقلت في نفسي لعل الدكتور هالن دخل المرحاض ونسي أن يقفله وراءه. وفي هذه اللحظة بالذات قامت زميلتي "إيلين" ففتحته، وقبل أن أناديها لأنبهها كانت قد دخلت، وأقفلت خلفها الباب. وهنا رن جرس حاد في مخى.. وقمت بسرعة إلى المرحاض الآخر. وكانت العلامة على قفله تقول "فارغ" فدفعته ونظرت بداخله. لا أحد! وأصبت بقشعريرة..وبدأ ذهني يعمل بسرعة العداد الإلكتروني. وانثالت عليه ملايين الأسئلة: "أين ذهب الرجل؟ هل دخل قمرة الربان!". وذهبت بسرعة أقطع الممر الطويل كأنه ألف ميل، لعلي أجد الجواب عن سؤالي. وفتحت باب القمرة على الطيار والملاح، وهما يحتسيان القهوة. ونظر الملاح إلى وجهي فرأى علامة الذعر. فسأل ممازحاً: -ماذا؟ هل يطاردك شبح؟ - قد تكون على حق! ثم أقفلت الباب ووليته ظهري، وأنا أحاول السيطرة على أعصابي. وقلت لنفسي: "مهلاً مهلاً! لا داعي إلى فقدان أعصابك! لا يمكن أن يختفي إنسان على متن طائرة سابحة في جوف الليل. سوف أبرد أعصابي، وأمسح بعيني جميع المسافرين مرة أخرى. وبدأت بالدرجة الأولى. لم يكن هناك إلا أربعة ركاب. وخرجت منها إلى الثانية حيث بدأت بالصفوف الأولى. واخترقت الممر، أقف عند كل صف حتى أتأكد من هوية كل فرد، إلى أن وصلت النهاية، فهويت في مكاني واضعة يدي على وجهي مما أقلق زميلاتي، فانهلن عليَّ بالأسئلة: "ماذا أصابك؟ هل أنت مريضة؟ وكشفت عن وجهي لأقول لهن: "لاشيء. لعلني أحلم أو أومن بالأشباح. هل نمت؟ هل أغمضت عيني ورحت في إغفاءة ما؟" فقلن: -"لا، ألا تذكرين أننا تحدثا طول الوقت بعد نهاية العشاء؟ لماذا؟" فقلت: "أجبنني عن هذا السؤال، هل الدكتور هالن معنا على هذه الطائرة؟". فقالت: إيلين باستغراب: "طبعاً معنا! وأنت التي كنت تتحدثين إليه بالسويدية طول فترة العشاء للتتأكدي من أن "ش.ب" تحصل على أحسن خدمة". "فوضعت يدي على وجهي مرة أخرى وقلت لهن: "أرجو أن تبحثن عنه وتُرينني إياه". وتضاحكن. ثم بدأ الشك يخامرهن. فقمن يبحثن عنه في مكانه. وبحثن في المراحيض. والأركان ووراء الملابس المعلقة والبار والمقهى ومدخل مستودع الأمتعة. وحسبنا الركاب بالمقارنة مع لوائحنا، فوجدنا أن الدكتور هالن كان معنا، ولكننا لم نعثر له على أثر. بل اكتشفنا أن رفيقه الشرقي قد اختفى هو الآخر! وعند ذلك اجتمعنا نحن الأربعة فقررنا أن نعلن الخبر للربان". وسأل صحفي آخر موجهاً السؤال للربان: - وماذا كان رد فعلك؟ - بالطبع ابتسمت غير مصدق! ولكن من أجل ألاّ أُثير أعصاب البنات، أشرت إلى جان مساعد الملاح، أن يصحبهن في البحث ويعود إلى بالنتيجة. وبعد بعض دقائق عاد "جان" وهو يحرك كتفيه مستغرباً. "البنات على حق! لا أثر للرجل! لقد نزلت إلى قسم الأمتعة. لا أثر للحياة به. وقد وجدته مقفلاً كما كان". وعند ذلك انزعجت وقمت بنفسي تاركاً عجلة القيادة للملاح. وتمشيت مع البنات في الممر حيث أوقفنني على الكرسي الفارغ. وسألتهن هل كان مع الرجل حقيبة يد ماتزال بالطائرة، فبحثت مضيفة أولاً تحت الكرسي، ووقفت لتهمس في أذني: "كانت إلى جانب الدكتور هالن محفظة أوراقه. أذكر أنه كان يصحح بعضها بعد العشاء. ولا أجدها الآن. "كل هذا وأنا أعالج الأمر بابتسامة، يعلم الله ما تحتها من قلق لكي لا يفطن الركاب لما حدث فأغرق تحت وابل أسئلتهم..". وسأل صحفي فرنسي: - "هل توقفتم في الطريق بين نيويورك والرباط" في جزيرة "سنتا مريا" مثلاً؟ وأجاب الربان بالنفي. - هل لك تفسير منطقي لاختفاء الدكتور هالن ورفيقه؟ - لا. وأنا حائر مثلكم. وسأل صحفي ألماني: - هل من المحتمل أن يكون الدكتور هالن والرجل الشرقي نزلاً بالمظلات؟ وضحك الحاضرون، وابتسم الربان وهو يجيب: - أية محاولة لفتح باب الطائرة على ذلك الارتفاع، ارتفاع خمس وثلاثين ألف قدم، كانت تجعل من جميع ركابها أشلاء متجمدة في الفضاء. وحتى لو أفلحا في مغادرة الطائرة عن طريق باب الأمتعة كان برد الجو القارس الذي يصل إلى الخمسين فهرنهايت تحت الصفر يحيلهما إلى قطعتي جليد في الحال!. وقاطع وجه المذيع المؤتمر وعلى وجهه علامة استفهام. "نعود بكم إلى لندن، وسوف نوافيكم بما يجدَّ في موضوع الاختفاء الخيالي الذي يشغل بال العالم اليوم". وظهر وجه المذيع المركزي يقول: "يظهر أن جيمس بوند عاد إلى فعلاته المدهشة". وانتقل إلى خبر آخر، فقالت تاج: - هل أطفئه؟ وحرك الدكتور نادر رأسه موافقاً، وهو يمتص غليونه وينفث الدخان من جانب فمه. وعادت تاج لتجلس بجانبه وهي تقول: - لابد أن هناك تفسيراً سخيفاً لكل هذا الغموض. أنا متأكدة أن الدكتور هالين يشاهد هذا البرنامج ويقهقه في سره قهقهة شيطانية في ركنٍ ما، وهو سعيد للإشهار الذي ناله مجاناً. وأمسك الدكتور نادر بغليونه وقال: - لا يا عزيزتي. هالين ليس من ذلك النوع. فهو يكره الإعلان عن شخصه وعن عمله. رجل متواضع خجول يكره الضوء كما يكره العنف والتطرف. وأعتقد أن اكتشافاته وأبحاثه في مكافحة الإشعاع صادرة عن شعور عميق بالمسؤولية نحو الإنسان وحبه لهذا العالم كما هي، وخوفه أن يضغط مجنون في يوم ما على زر أحمر في واشنطن أو موسكو أو بيكين، ويتحول كل ذلك إلى رماد! لا، لا يمكن أن يكون الدكتور هالين موجوداً في مكان ما حيث يعلم بخبر اختفائه دون أن يهرع إلى أقرب تلفون ليسكت الضجة القائمة حول اسمه! - وماذا تعتقد أن يكون وقع؟ - اختطاف. حرب الجاسوسية والمعسكرات المذهبية والتسابق إلى تطوير الأسلحة الكيماوية التي لا تعرف عنها الشعوب شيئاً، يحيطها الكبار بسرية كاملة حتى لا يتسرب الذعر بين الناس. هل تذكرين قضية الفيتنامي الذي أحرق النابالم جلده كله فلم يعد قادراً على النوم أو الجلوس، وعاش واقفاً حتى مات من الألم والإعياء السهر؟! ووضعت تاج يدها على وجهها في ألم واشمئزاز: - أرجوك! - آسف يا عزيزتي! نسيت أنكِ شرقية ذات قلب رهيف. - تذكُّر الألم يضاعف مفعوله! ونظرت إلى ساعتها وقالت: - يا إلهي! الحادية عشرة والنصف! - هل تأخرت عن ميعاد؟ - لا، بل عليَّ أن أعِدَّ بعض المذكرات قبل أن أنام. وكنت أنوي العودة في الحادية عشرة. - هل أنادي لك سيارة أجرة؟ قالها الدكتور نادر وهو ينهض لينظر من النافذة، ثم قال: - توقف المطر. - في تلك الحال أفضِّلُ أن أمشي قليلاً إلى قطار النفق. - إذن سأرافقك. وعلى باب محطة النفق وقف يودعها، فاستدركت قائلة: -كدت أنسى. ماذا أقول لأبي عن موضوع دعوتك؟ سأكتب له غداً. - دعيني أنام على الفكرة. - كما تريد. رفع الدكتور نادر عينه إلى السماء لينظر إلى الغيوم الحمراء تعكس أضواء المدينة المكتظة كأنها تحترق. ونظر حواليه ثم تحرك ليقطع "سلون سكوير" نحو "كيكزرود". كان المشي أحسن أوضاعه حين يجنح للتفكير. وقفز خياله من موضوع في ميادين بحثه الأنثروبولوجي، وهو يحاول الخلاص وإفراغ دماغه من تلك الأفكار المتساقطة في ذهنه دون رغبة منه. -10-وأحس أنه يرفع مظلته ويلوح بها ليطرد تلك الأفكار التي اجترها ذهنه أياماً طويلة حتى فقدت طعمها، وأفقدته الاهتمام بالميدان الأنثروبولوجي كله. ونظر حواليه ليتأكد من أن أحداً لم يلاحظ حركاته اللاإرادية وهمهماته المكتومة فيتهمه بالجنون. أحس الدكتور نادر بالقنوط والضيق يدبان إلى روحه دون أن يعرف لهما سبباً. وتردد في خياله صدى تعليق صديق زاره وهو في نوبة ضيق ويأس، فقال له، بعد نقاش طويل حول الزواج والحياة السعيدة: "شعورك بالضيق واليأس قد يكون مصدره عدم إيمانك بعالم الروح. ومن عالم الروح الحب، الحب حتى في تعبيره البدني.. البدني.. البدني.. البدني!". "ترددتِ تلك الكلمة في ذهنه بأصداءَ وأصواتٍ وأبعادٍ مختلفة حتى بدأ يحرك رأسه بعصَبية ليرميها خارجه. وأخيراً وقف وجهاً لوجه أمام فتاة طويلة ذات شعر غابي مفلفل بآلاف الخواتم، وعلى عينيها نظارة حمراء باهتة بإطار نحاسي، وهي تمضغ العلك. وأحس بالحرج فنظر حواليه ليرى جمهوراً غفيراً يغادر سينما "الكلاسيك". وأحس بالطبول التي كانت تدق داخل دماغه تسكت فجأة، وبالصمت والسلام يخيمان على روحه. وشعر برطوبة الجو تُلامس وجهه الملتهب، فأقفل عينيه واستنشق نفساً طويلاً من نسيم الليل البارد، وأخرجه ببطء والتذاذ. ولم يدرك أنه ترك وراءه "كارلايل سكوير" حيث يسكن، إلا حين وجد نفسه على شارع "ريد كليف جاردنز" فدخله ووقف ينظر إلى بوابة "مقهى الفنانين" الذي سمع عنه كثيراً ولم يزره قط. وأحس بالإعياء فجأة، فقرر أن ينزل إلى المقهى ويتناول فنجان شكلاط ساخن، ويضيع نفسه بين الناس والموسيقى. ونزع معطفه وسلمه للفتاة القابعة بدولاب المعاطف. وقصد إلى ركن قصي فقعد إلى طاولة نظيفة، وجاءه شاب ليأخذ طلبه، وحين قال له أنه يريد شكلاط ساخن كتبه على سجله ووضع السجل في حزامه، وانحنى على المائدة يرتب ما عليها، والدكتور نادر ينظر إلى وجهه الشاب الصافي البشرة، عليه مسحة من أنوثة. وذهب الشاب فإذا بفتاة تقف على طاولته لابسة معطفاً أسود ثقيلاً وقباً من فرو لماع خرج من جوانبه شعرها الأحمر، وعلى وجهها علائم تعب وبرد. انحنت على الدكتور نادر بأدب تسأله: - هل أشاركك الطاولة؟ وفوجىء بالسؤال فوقف لها لتجلس: - طبعاً، تفضلي.. وشكرته، وهي تسلخ عنها المعطف الثقيل وتضعه على الكرسي أمامها، ثم تنزع القب الفروي وتضعه فوقه وهي تتلكم: - آسفة أن أُثقل عليك، ولكن، كما ترى، لا توجد هناك موائد فارغة. فرد بقليل من الحرج: - لا، أبداً! أنا وحدي هنا، وليس عدلاً أن أحتكر الطاولة كلها. - شكراً على أي حال. وبدأت تبحث في حقيبتها عن علبة سجائرها ثم القدَّاحة والدكتور نادر يلاحظها بطرف عينه مستأنساً قليلاً بمخلوق بشرى إلى جانبه. وأخرجت سيجارة فوضعتها بين شفتيها، فتناول هو القداحة من بين أصابعها البادرة قائلاً: - هل تأذنين؟ وأشعل سجارتها وهي تنظر إلى وجهه على ضوئها الأصفر، وكأنها فوجئت بأن النبل والرجولة ما يزالان على قيد الحياة. - شكراً يا سيدي، شكراً! - العفو. ولمس في كلامها لكنة اسكوتلاندية فسألها: - من أي مكان؟ من اسكتلاندة أنت؟ - كيف عرفت أنني اسكتلاندية؟ - طائر صغير أوعز لي بذلك. فابتسمت وقالت: - إنَّه سؤال سخيف، لكنتي المحلية تفشي سري على بعد أميال! - أحب اللهجة الاسكتلاندية، فبها خشونة البادية وجمالها. - شكراً! أنت رجل لطيف، من أين أنت؟ - خمني. - إيطالي. - لا. - أعرف، أنت إسباني. - كلا! ولكنك قريبة. - عربي؟ - نعم، من المغرب. - من شمال إفريقيا، إذن! فصاحت وكأنها رأت أحداً تعرفه، وأشارت إليه بأصبعها، وعلى وجهها ابتسامة: - أتعرف أنني كنت على وشك أن أذهب إلى طنجة؟ لم يبق بيني وبينها إلا البوغاز. - وماذا حدث؟ - أنذرنا دليلنا الإسباني بأن المغاربة لصوص وكذابون وقتلة وغشاشون في البيع والشراء، فخفت وبقيت في إسبانيا. قل لي، هل ذلك صحيح؟ - بعضه، كما في إسبانيا نفسها أو إيطاليا أو أي بلد بحري. وجاء النادل فوضع فنجان الشكلاط أمامه، ونظر إلى الآنسة، فسألها الدكتور على نادر: - ماذا ستطلبين؟ فطلبت "أومليت" وقهوة، وارتاحت في مقعدها تمتص دخينتها وتتحدث كأنها تعرف الدكتور نادر منذ أعوام. وأتيح له أن يتأملها فأعجبه وجهها المنمش قليلاً في أعلى الجبهة وعلى رانفة الأنف. كانت أسنانها لؤلؤية نظيفة، وشفتاها ممتلئتين. وجاءها الشاب بعشائها فأكلته بسرعة، ومسحت فمها بمنديل الورق، ثم أشعلت سجارة واتكأت إلى الخلف تدخن وتتحدث. وعاد المغني إلى الظهور على المسرح، وبدأ بأغنية كانت أغنية ذلك الموسم، فبدأت هي تتمايل معها وتردد الكلمات: "لا داعي لأن تقول إنك تحبني "ولكن ابق مني قريباً... "ولا داعي لأن تبقى إلى الأبد "فسوف أفهم". وكان بعض الزبناء قاموا للحلبة يرقصون، فسألها: - هل ترقصين؟ فقامت في الحال مسرعة حتى لا تنتهي الأغنية دون أن ترقص عليها. ووضع الدكتور نادر يده على ظهرها، فرمت ذراعها على عنقه وجذبته نحوها وأراحت رأسها على كتفه. وأحس دفء صدرها على صدره فشعر نحوها بحنان كبير. ورفعت رأسها فجأة لتردد مع المغنى لازمة "صدقني! صدقني!" وتنظر إلى عيني الدكتور نادر مفتعلة الحزن والانفعال. وابتسم لها ابتسامته المشرقة، فهمسته في أذنه. - في ابتسامتك مرح وترحيب. - ذلك لأنني أرحب بك فعلاً. - آه! شكراً! وعادت تضمه أقوى مما كانت، وهو يتحرك بها بين الراقصين الذين كان بعضهم لا يكاد يتحرك. وانتهت الأغنية. وعادا إلى مائدتهما، فالتفتت إليه قبل أن يجلسا وقالت: - اسمي آن. "آن سيسيليا ورد" فما هو اسمك؟ - اسمي على نادر. وصافحته وهي تقول: - اسمك خفيف وسهل. كثير من الأسماء الأجنبية لا أستطيع أن أنطق بها، ولكن اسمك سهل. ورقصا مراراً، وتحدثا طويلاً. وفي النهاية سألها الدكتور نادر دون أن يفكر: - هل تشرفينني بشرب كأس عندي في منزلي، والاستماع إلى مجموعة أسطواناتي الجديدة؟ وفوجىء بقبولها بدون تردد. كان يأمل أن ترفض، وكان متأكداً أنها ستفعل في تلك الساعة المتأخرة من الليل، ولكنه كتم المفاجأة وأظهر السرور. ومر بخياله شريط سريعة يستبق الأحداث الآتية. ومر ببطنه ألم حاد لم يشعر به منذ أيام الكتاب والامتحانات. ودفع الحساب، وألبسها معطفها وارتدى معطفه وخرجا. كانت السماء ما تزال غائمة ثقيلة، والضباب تتزاحم أمواجه الصامتة في جميع الاتجاهات. ونظر الدكتور نادر حواليه، وقال: - تبدو هذه الليلة شبيهة بإحدى ليالي الدكتور "هايد" أو "جاك السفاح". فأطلقت آن صرخة صغيرة، وأمسكت بذراعه، والتصقت به، فقال ضاحكاً: - لا تخافي يا عزيزتي. أي شبح من تلك الأشباح سيفكر مرتين قبل أن يتحرك من خلف هذا الضباب. ومشيا على رصيف "فولهام رود" الموازية ب لـ كنجزرود"، لا يسمعان إلا أصوات وقع خطواتهما، ولا يريان المارة الآخرين حتى يكاد يحدث الاصطدام... كانت السيارات تتحرك ببطء، وتغير قوة أضوائها حتى تراها السيارات القادمة. وقالت آن: - ما أكثفه من ضباب! يمكنك قصه بمقص! - تصوري أنك في حمام بخار، ويزول خوفك. وعبرا الطريق إلى الرصيف المقابل، ثم دارا يمينا في شارع صغير مهجور يبدو الضباب فيه أكثف، وله وجوه وأفواه وعيون كأنها غيلان تداخلت حجومها، أو مخلوقات فضائية في طور التكوين... وأحس "بآن" تتعلق بذراعه وتلتصق به، وعيناها تحملقان في أبخرة الضباب في وجوم وتوقع..وبدأ هو يغني ويصفر ليذهب عنها الخوف ويرخي أعصابها المتوترة. وحين خرجا إلى "كنجزرود" بدا الضباب أخف، ولاحت أضواء الشارع العالية محاطة بهالات ملونة ملفوفة في الضباب كأقواس قزح. وأخيراً وصلا المنزل، وتنفست "آن" الصعداء...وفي غرفة الجلوس، علق الدكتور نادر المعطفين، وجاءها يفرك يديه ويسأل: -ماذا تريد الآنسة أن تشرب؟ بارداً أم ساخناً؟ فقالت، ويمناها على خصرها، وهي تسوي شعرها من الخلف بيدها اليسرى: - ماذا عندك من البارد؟ - كل ما يمكن أن يخطر على بالك. - هل عندك بيرة؟ - نعم. - بيرة إذن، فأنا عطشى. - وصبَّ لها كأس بيرة، ولنفسه قدح ويسكي على مكعبات الجليد، وجاء بهما إليها من البار، وهي وسط غرفة الجلوس، تتأمل اللوحات على الحائط والتحف على الرفوف الرخامية والنوافذ الزجاجية. وناولها الكأس، فشكرته، ورشفت من رغوته فعَلِقَ بعضها بشفتيها الحلوتين، وسألت: - أين مجموعتك الموسيقية؟ وأومأ لها إلى ركن به غراموفون، وحوله رزمة من الأسطوانات الكبيرة والصغيرة. فوضعت الكأس وجثت تتصفح أغلفة الأسطوانات الأنيقة. وصاحت مسرورة: - إيه! عندك "فكر فيَّ بعض الوقت"، "لساندي شو" هل ألعبها؟ وتناولها منها، فوضعها على الفونغراف، وبدأت الأغنية، وارتفع صوت ساندي شو المخملي الدافىء، فقفزت إلى رجليها وواجهته. - لنرقص! وطوق خصرها اللذان النحيل، فالتصقت به، وتلامست وجنتاها، ودارا في مكانهما من وسط الغرفة في صمت العبادة، يرهفان سمعهما لكلمات الأغنية الرقيقة وصوت "ساندي شو" الناعم الحالم. وحين انتهت الأغنية، رفعت آن وجهها نحوه، فتلامس أنفاهما. ونظرت إلى وجهه بعينيها الواسعتين وفيهما تأثرٍ وانفعال، وانفرجت شفتاها فوضع يده خلف رأسها وجذبه نحوه، والتحمت شفاهُهما في قبلة حارة.. وحين أرسلها تنهدت بعمق، ووضعت جبينها على صدره، وكأنها ترتاح من مجهود عاطفي جبار... وناولها كأسها فارتشفت منه وعادا إلى اختيار الأغاني الجميلة والرقص الذي كان ينتهي كل مرة بعناق وقبلة طويلتين. وعند الكأس الثالثة وضعت إحدى الأغاني الاسكتلاندية، وأخذت ترقص له وسط الغرفة على أطراف بنانها، وهو يصفق مع الموسيقى. وعند نهاية الأغنية اختفت في بيت النوم ونادته. - علي! علي! - ماذا؟ - تعالَ... - تعالي أنت. - أريد أن أقول لك شيئاً. ونهض فدخل حجرة النوم التي كانت معتمة لا ضوء فيها إلاّ ما ينعكس بداخلها من ضوء غرفة الجلوس، ووقف على الباب قائلاً: - هل أشعل النور؟ - لا، لا، لا تفسد خلوة الظلام... واستطاع أن يراها واقفة أمام مرآته المستطيلة، تتأمل شبح وجهها، فدخل ووقف خلفها، فأخذت ذراعيه ولفتهما حول خصرها، وألصقت ظهرها بصدره. ورفعت إليه وجهها فقبل أذنها قبلة حارة ألهبتها، فاستدارت في موقفها، وطوقت عنقه بذراعيها وارتفعت على بنانها لتقبله...وبعد قبلة طويلة، خرجت من بين ذراعيه، وأشارت إلى فراشه. - تنام هنا؟ - لا يوجد فراش غيره. - لماذا السرير الواسع وأنت غير متزوج؟ - هناك دائماً الاحتمال... وضحكت هي، وجذبته نحو السرير: - لنسترحْ قليلاً.. يظهر أن البيرة طلعت إلى رأسي... واستلقت على ظهرها فوق السرير، وجذبته إلى جانبها وعانقته بحرارة.وبعد فترة من العناق الطويل، ابتعدت عنه قليلاً قائلة: - اسمح لي لحظة، سأخلع فستاني حتى لا ينكمش. فسوف أذهب به للعمل غدا. وقامت فخلعته داخل دولاب ملابسه وهي تقول: - ألا تخلع ملابسك أنت؟ وأحس هو بغصة في حلقه، وارتعاش في ركبتيه وبرودة في يديه وقدميه. ووقف أمام المرآة يفسخ أزرار قميصه، ويخاطب نفسه سراً: "يا لك من جبان! هذه التجربة ضرورية. وقد حضرت المناسبة بنفسها وأنت تحاول الهروب.. إذا نجحت الآن، فسوف تخترق الجدار الفولاذي الذي طالما وقف بينك السعادة والحب...ستذهب أيامك، وينتهي عمرك، دون أن تعرف حرارة جسد المرأة ودفء عاطفتها وأنين استسلامها واستمتاعها بك... ستذهب بكراً كلوح ثلج بارد بدون حياة..". ولبس رداءه المنزلي، وخرج لغرفة الجلوس، فشرب ما تبقى من كأسه، وعاد إلى غرفة النوم حيث كانت "آن" قد دخلت تحت أغطية الفراش. وحين دخل الغرفة رفعت له الغطاء ليدخل معها، ثم اقتربت منه وعانقته في الحال بقوة. فحاول فك نفسه من ذراعيها وهي تهمس: - ماذا؟ - لا أدري. ولكني متعب للغاية. أنظري إلى الساعة، إنها الثالثة تقريباً. - أنا كذلك متعبة. يظهر أن المشروبات فعلت مفعولها. وحاولت أن تعود إلى عناقه فولاها ظهره. وبعد لحظة هدوء، أخذت تمر بيدها على ظهره، وتدلك أكتافه. وفي النهاية ركزت أصابعها في لوح ظهره، وهمست في أذنه: - ألا أعجبك؟ - بالعكس، تُعجبينني كثيراً... - فماذا إذن؟ - ليس لي رغبة الليلة. - ياه! هذه أول مرة أسمع فيها رجلاً يقول هذا.. دائماً أجد صعوبة في دفع الرجال عني! والتفت إليها وقال: - أعتقد أنه ينبغي أن تذهبي... - أذهب؟ في هذه الساعة؟ إلى أين؟ - إلى شقتك. - أنا أعيش في "ريتشموند"! - أعطيك أجرة التاكسي. وأشعل النور، وتناول سماعة الهاتف ونادى سيارة الأجرة. وقامت آن ترتدي ملابسها غاضبة: - أي نوع من الرجال أنت؟ لم أر في حياتي شيئاً مثيراً للحنق كتصرفك هذا! من أنت؟ أم هل ينبغي أن أقول: "ما أنت؟" وسكتت لحظة، ونظرت إليه وهو في رداء البيت قاعداً على حافة السرير ينظر إلى الأرض، ثم قالت مغيرة صوتها من الغضب إلى الشماتة: - إيه! كان ينبغي أن أعرف! يا لي من غيبة! أنت من أولئك! لست رجلاً بالمرة! لماذا بحق السماء، إذن جئت بي إلى بيتك؟ ورن جرس الباب، فقام الدكتور نادر يلبسها معطفها، ويفتح لها الباب، فاختطفت منه المعطف، وبدأت ترتديه بينما هو يسأل السائق عن الأجرة إلى ريتشموند، وينقده الثمن. وصفق الباب، ووقف وراءه ينصت إلى محرك السيارة يبتعد عن بابه حتى تلاشى. وساد صمت الليل. وبقى هو واقفاً وراء الباب مقبوض اليدين في عصبية، وقد انغلق فكره عن جميع ما حوله... وبعد بعض دقائق تنبه لحاله، فعاد إلى غرفة النوم كسير القلب، واستلقى في فراشه يحاول إرخاء أعصاب عنقه وساعده المتوترة. وأخيراً غلبه القهر، فدار في مكانه، وضرب الوسادة بقبضتيه، وهو يخاطب نفسه: - عليك اللعنة! عليك اللعنة! وغلبه التعب والإرهاق العاطفي فنام نوماً متقطعاً مليئاً بالكوابيس...ورأى نفسه في حلم على جزيرة استوائية جميلة كإحدى جزر الجالاباجوس. مليئة بالطيور الملونة، والنخيل الباسقة، يخترقها نهر أزرق ينعرج بين غاباتها وسهولها. وفي طريقه إلى المحيط الواسع، رأى نفسه في طوف صغير يسبح طافياً على النهر، والتيار نازل به نحو البحر. وحين حاذى الرمال نزل وأخرج الطوف، ورفع عينيه فإذا تاج محيي الدين واقفة على الشاطىء الذهبي عارية تغمر جسمها الأحمر أشعة شمس الضحى، وبشرتها الصافية تلمع صحة وأنوثة، فينطلق وراءها فتجري وشعرها الطويل الفاحم يلمع، والهواء يتخلله كشلال من الحرير الأسود.. ويجري خلفها بكل قواه، ولكن حركته تبقى بطيئة سحابية، وهو ينظر إلى جسمها الرشيق ينساب وعضلاتها الناعمة تنشد وتنطلق، وإلى ساقيها وخصرها النحيل وبطنها الملساء كغزال صحراوي أو فرس سباق...ولحق بها وارتمى على خصرها كموجة بطيئة فطوقه بذراعيه، ووقعت على الرمل الناعم، ثم استدارت وواجهته بصدر ناهد يرتفع وينخفض مع تنفسها المتلاحق، وهي تنظر إلى وجهه القريب منها، وعلى وجهها ابتسامة المهزوم المنتصر، فتطوقه بذراعيها. ويحس بأصابعها الرقيقة تنطبع على ظهره، فيدفن وجهه في صدرها. وتأتي موجة هائلة فتغطيهما، فيحس برغبته تتقلص، والبرد يسري في عظامه والألم حاداً في بطنه... وتنظر تاج إلى بدنه، وينظر هو إلى حيث تنظر فيرتاع.. ويكتشف أنه بدون جنس... فيوليها ظهره، ويعدو بكامل قواه، ودموع اليأس تتقاطر على خديه، وصرخات البؤس تمزق قلبه. وتتبعه هي مبسوطة اليدين، تناديه بلغة لا يفهمها، ولا تلبث أن تذهب بها الرياح. وأفاق من كابوسه يتقاطر عرقاً وينتفض من الانفعال والإرهاق العصبي...وقام من فراشه فذهب إلى الحمام حيث رش وجهه بماء بارد، وراح يتمشى داخل غرفة الجلوس، ويرفع أستار النوافذ ليرى ضوء الفجر الذي كان يشرف على الانبلاج. وعاد إلى غرفة النوم، فرفع سماعة الهاتف، وأدار رقم تاج، فجاءه صوتها نائماً. - تاج، هذا علي. - كم الساعة؟ - لا أدري. انتظري. الخامسة صباحاً. - ماذا حدث؟ - لا شيء يا عزيزتي. اغفري لي إزعاجك، ولكن لابد لي أن أتحدث إلى مخلوق بشري. وأنت نوعاً ما مسؤولة عن انزعاجي بطريقة غير مباشرة. - أنا؟! - لا تنزعجي! أنا أمزح. أتذكرين حديثنا عن جزيرة واق الواق؟ - آه! - الليلة رأيت حلماً مزعجاً كنت أنت فيه معي في تلك الجزيرة... - ما هو هذا الحلم؟ هل يمكنك أن تقصه على؟ - فيما بعد.. الآن أريد أن أقول لك، إنني مستعد للذهاب إلى "فيجي" ولا يهمني إذا لم أرجع إلى لندن أبداً... وجاءه صوت تاج مليئاً بهجة وسروراً: - لا أدري ما أقول يا علي... الآن لا يهمني أن أنام... لقد طار النوم عن عيني... - ما قولك إذن في الفطور معاً؟ - سأكون عندك في ظرف نصف ساعة. ووضع السماعة وقام للاستحمام. وفي طريقهما إلى المطعم لاحظاً اسم الدكتور هالن وصورته على واجهات محلات الصحافة واسمه مكتوباً بالحروف الكبيرة على الصفحات الأولى، فاشتريا مجموعة من الصحف لفها نادر تحت إبطه ليقرأها على مائدة الفطور. ونظرت تاج إليه بعد انتهائه من قراءة الصحف متسائلة فرد: - لا جديد... وتخشب وجهه الشاحب، وساد الصمت المائدة. تحرك التاكسي اللندني خارجاً من "كارلايل سكوير" إلى "كنجزرود" يدرج على مهل في طريقه إلى مطار (هيثرو). ومن داخله كان الدكتور نادر وإلى جانبه تاج ينظران إلى الشوارع المكسوة بالثلج، وإلى السيارات وهي تخوض الوحل البارد، وتلقي به على الأرصفة. -11-كان الثلج قد تساقط الليلة السابقة، وتراكم على سطوح البيوت وحيطان الحدائق المنزلية القصيرة وظهور السيارات الواقفة. وكان المارة يخوضون المزيج المتذاوب بأحذية المطاط الشتوية بحذر بالغ خوف الانزلاق. والتفتت تاج إلى الدكتور نادر: - هل أنت نادم على مغادرة لندن؟ فمط شفته السفلى، ثم قال: - لندن كالزواج، من فيها يريد الخروج منها، ومن خارجها يريد الدخول إليها. واتسعت عينا تاج، ووضعت يدها على صدرها في مفاجأة واندهاش. - أهذه فكرتك عن الزواج؟ - لا يا آنسة، هذا مثل فقط! - لا أريد أن أقول إنه تعريف متشائم، ولا أعتقد أنه صحيح بالنسبة لجميع الزيجات. وابتسم الدكتور نادر ففركت يديها، وهي تقول في مرح صبياني يعجب الدكتور نادر: - بعد بضع ساعات ستشرق الشمس ثم لا تغرب إلا في الليل! ثم أضافت: - في لندن تشرق الشمس غاربة! ونظر الدكتور نادر إليها بافتتان أخجلها. قامت النفاثة الضخمة في الميعاد تاركة وراءها مدارج مطار "هيثرو" تلمع من بلل الثلج الذائب، وارتفعت شبه عمودية إلى عنان السماوات تجر وراءها ذيلاً مستقيماً من البخار والزئير الحاد. أطلَّ الدكتور نادر من النافذة، عبر صدر تاج الناهد، لينظر إلى النفاثات الضخمة الجاثمة على أرض المطار وهي تبتعد لتصبح كلعب من الورق الفضي. ووقع بصره على صدر تاج منعكساً شكله على ضوء السماء الداخل من النافذة المستديرة، فرآها عارية كما كانت في حلمه الغريب. ونش العرق جبينه، وكادت تضبطه تاج، وهو يحملق في صدرها وفي عينيه رعب، فأشاح بوجهه في اللحظة المناسبة، وكأنما أحست هي بما كان يجول في ذهنه، فوضعت يدها الدقيقة الأصابع على صدرها بحركة بناتية لا إرادية. ومرت مضيفة برزمة جرائد ومجلات، فتناولت تاج جريدة ومجلة. وحرك هو رأسه بالنفي، وهو يضغط على الزر، ويدفع الكرسي بظهره إلى الوراء ويغمض عينيه.وفسخت تاج حزامها، وسهمت بعينيها نحو الغرب. كانت الشمس على وشك الغروب حمراء كبيرة، أسفلها غارق في ضباب أزرق تجر تحتها ذيلاً ذهبياً فوق صفحة المحيط. ورغم ارتفاع الطائرة فقد ظلت حجوم الأشياء وأضواء القرى تبدو واضحة متلألئة كالجواهر في منجم طين أسود. ولم يفق الدكتور نادر إلا على صوت الوصيفة تسأله هل يريد عشاءه. فاعتدل في كرسيه ونظر من النافذة نحو الأفق الغربي. كان الشفق ما يزال يلون الفضاء بلون القرمز والبنفسج. وفي الشرق كانت النجوم تلمع كبيرة في خميلة من السندس الداكن. الطائرة ضاربة بأجنحتها الضخمة في عرض الفضاء وقوراً شامخة الأنف. وهدأت الحركة داخل الطائرة بنهاية العشاء. وانطفأت الأنوار إلا ما كان من المصابيح الفردية فوق رؤوس من فضلوا القراءة والكتابة. ودخلت الطائرة سماء الصحراء تاركة وراءها المدائن والأضواء. واختفت علائم الأنس البشري، وحلقت السمكة الفضية سابحة بين فيافي السماء والصحراء كجرم من الأجرام السماوية. وما نزلت الطائرة بلاجوس، عاصمة نايجيريا حتى ملأ الجو أزيز أسلاك البرق والهاتف تنقل خبر اختفاء الدكتور على نادر والآنسة تاج محيي الدين من قلب الطائرة في عرض الفضاء. ووصل الخبر لندن، كما وصلها خبر اختفاء الدكتور هالين قبل بضعة أسابيع، وما زال لم يعثر له على أثر.. وما يزال إختفاؤه سراً غامضاً يحير الشرطة الدولية. وتكرر نفس ما حدث عند اختفاء الدكتور هالن من مؤتمرات صحافية، وتخمينات تحاول كشف الغموض فما تزيده إلا غموضاً. وظهر على التلفزيون عدد من الدكاترة زملاء نادر ومعارف تاج، واستجوبتهم السلطات. ورغم كل المحاولات فقد بقى لغز الاختفاء داخل الطائرة في الفضاء محيراً للجميع. وقبل انتشار الخبر في لندن كان ثلاثة رجال من السكوتلاند يارد يفتحون منزل الدكتور على نادر بكارلايل سكوير وينتشرون في غرفه بحثاً عن جميع ما يمكن أن يؤدي إلى كشف الغموض المزدوج الآن باختفاء نادر. وعثر أحدهم كان يبحث في أدراج غرفة النوم على يومية بخط الدكتور نادر فصاح: - إيه! وتجمع الاثنان حوله: - ماذا؟ - أعتقد أني عثرت على شيء. ربما كانت هذه مذكرات الدكتور نادر. وتناولها أكثر الجماعة سناً فتصفحها. - هناك عقبة. المذكرات مكتوبة باللغة العربية. فقال أصغر الثلاثة: - أعرف أحداً يقرأ العربية. فصرفه الرئيس بحركة من يده، وهو ينقر على الكناش الأسود بأصابعه، ثم قال. - ناد محطة "البيبسي" القسم العربي، وأسأل عن أحد اسمه فيليب ماكنزي، ودعني أتكلم معه.وأدار الفتى قرص التلفون وتكلم فيه قليلاً، ثم ناوله رئيسه هامساً: - فيليب ما كنزي على الخط. وتناول السماعة: - فيليب. - نعم. - المفتش دُورْسي. هل تذكرني؟ - طبعاً، طبعاً! خيراً إن شاء الله. - هل يمكنك أن تأخذ سيارة أجرة في الحال وتأتي إلى منزل صديقك الدكتور علي نادر؟ - هل أنت المكلف بالبحث في القضية؟ - نعم. هل وصلتك الأخبار؟ - المحطة تضج بها. - هل من جديد في الموضوع؟ - كلا، أنا أراقب الآلة كل دقيقة. الدكتور نادر صديق شخصي كما تعلم. - أعرف، لذلك أحتاج إلى مساعدتك. قل لرئيسك إنك مطلوب من السكوتلانديارد للمساعدة في القضية. - حاضر! سأكون معكم في ظرف ربع ساعة. ووصل فيليب، فناوله المفتش كراسة المذكرات، فتناولها هذا بحذر وإشفاق وتردد، ثم رفع عينيه إلى المفتش متسائلاً، فحرك هذا رأسه موافقاً: - ليس هناك وسيلة غيرها. ربما تعطينا خيطاً يقودنا إلى حل. فلا تشعر بالإثم، فهو صديقك وقد يكون أطلعك على كثير من أسراره. وبدأ فيليب يتصفح المذكرة ويقرأ في سره. وأمر المفتش أصغر مساعديه أن يُعِدَّ بعض الشاي. ثم التفت إلى المساعد الآخر وأمره أن ينادي القسم المركزي ويعلمهم بماعثروا عليه، ثم قال لفيليب. - أبدأ من النهاية وأقرأ طريقك إلى الوراء. وبدأ من النهاية يقرأ ويترجم للمفتش: "إنني اليوم متحمس للغاية. أشعر كأنني سجين مدة ثلاثين سنة يحفر في أرض السجن للهروب، وكأنني سمعت سجيناً آخر يحفر في اتجاهي من الزنزانة المجاورة، وإننا سنلتقي قريباً مثل الشاب والشيخ في قصة "مونتي كريستو" هناك جماعة تعرفت عليها من خلال النقر على الجدران. حديثنا ليس مفهوماً كله، ولكنه اتصال على الأقل. قريباً تنفتح الأبواب. إنها الثورة. سوف نتعانق على بوابات الحرية، ونمضي في طريقنا نغني الأناشيد ونلوح بالأعلام. "المد المفلسفي الجديد لم يعد تفكيراً سلبياً غاضباً رافضاً. لقد مرت مرحلة العواطف والشاعرية، وبدأت عملية البناء الحقيقية. بدأ التفكير في الحل، وليس في وضع المسائل والألغاز ثم الشكوى من صعوبة حلها. "ما عجز عنه الفلاسفة القدماء أصبح الآن حقلاً للتجارب العلمية الجديدة. مثل النظر بالميكروسكوب إلى الأشياء التي كانوا ينظرون إليها بالعين المجردة. ودخلت المحاليل الكيماوية لتحرر الإنسان من العبء الثقيل الذي رزح تحته آلاف السنين. بدأت عملية فصل الروح عن الجسد دون ضياع التعاون بينهما". وقاطع المفتش دروسي فيليب: - يا ترى ماذا يعني بالمحاليل الكيماوية وفصل الروح عن البدن؟ لعله يعني محلول "النيروسين" الذي عثر عليه أحد العلماء الألمان بجامعة "هايد لبرج" والذي من شأنه أن ينشط العقل بدرجة يشعر معها متناوله بارتفاعه عن المستوى البشري، بتحوله الفجائي إلى عقل روح بلا جسد، يمكنها أن يخترق حجباً لا تراها وهي حبيسة الجسد. هكذا سمعته مرَّة يشرح تأثيره على الجهاز العصبي. - هل تعتقد أنه نوع من المخدرات في نفس درجة "ل.س.د"؟ - لا أعتقد. ليست للنيروسين مضاعفات عنيفة مَرَضية على الدم والجهاز التناسلي كما لـ"ل.س.د". - هل تعتقد أن الدكتور نادر جرب ذلك المحلول بنفسه؟ - هذا سؤال أعتقد أنه هو وحده يمكنه الإجابة عليه. وابتسم المفتش وقال: - لا خوف عليك، يا فيليب. اقرأ. وقلب فيليب صفحة أخرى فوجدها سطراً واحداً. "الالتزام لا يجب أن يكون إلا للحق والخير والجمال". وقلب صفحة أخرى بدأ يقرأ صامتاً، ولاحظ المفتش ذلك فقال: - صعوبة في الترجمة؟ - كلا. بل هذا شيء شخصي نوعاً ما. الدكتور نادر يتكلم عن عواطفه نحو كاتبته أو مساعدته "تاج" بحرقة غريبة لا أعتقد أنه يريد أحداً أن يطلع عليها. ولا أعتقد أن فيها إشارة لشيء. بعد أن بث المذكرة آلام حبه وحرق حرمانه تكلم عن جدار سايكولوجي لم يستطع تسلقه أو اختراقه. - ماذا تظنه؟ - لا أدري، ولكنه يقول هنا إنه جدار يقف بينه وبينها. والدكتور نادر لا يؤمن بالحواجز بين الأديان والأجناس، وإن كانت هي من نفس دينه، تاج باكستانية. - حب غير متبادل، ربما. - تاج تعبده... سمعتها مرة تعلق على كتابه الجديد "عصر الإنسان" بقولها إنه أهم كتاب منذ أصل الأنواع لتشارلس داروين، وأن نادر أصبح معلم العلماء، "وعصر الإنسان" كتاب الكتب... لا، الحاجز لابد أن يكون شيئاً آخر.... - هل تعرف الدكتور نادر على الصعيد الشخصي؟ - قليلاً. - هل يمكنك أن تصفه بأنه أعزب طبيعي؟ - تعني أنه لا يحب النساء؟ - أعني لا يستطيع ربط علاقة بدنية معهن. - لا أدري. هذا أيضاً سؤال... وقاطعه المفتش محاكياً: - وهو وحده يمكنه الإجابة عليه. أعرف... أولئك لأصدقائك يستحق الإعجاب...وقلب فيليب الصفحة وهو يبتسم، كانت عليها فقرة واحدة: "عقل الإنسان وعواطفه مثل رقاص الساعة، كلما دفعته في اتجاه تأرجح بنفس القوة إلى الاتجاه المعاكس ولا استقرار إلا عند الوسط". ورفع المفتش حاجبيه: - ماذا يعني؟ ورفع فيليب عينيه عن الكناش ليسرح في فضاء الغرفة: - أعتقد أنه يعني شيئاً يتعلق بردود الفعل. الدكتور نادر كان له حسن أو سوء حظ النشأة مع أب من المدرسة القديمة، صعب المراس عنيد، عميق التدين أراد أن ينشئه على نفس الوتيرة، متجاهلاً عصره ورأيه ورهافة حسنه. وقد دفعه والده بتطرفه إلى التطرف في الاتجاه المعاكس فخرج يبحث عن كل ما يمكن أن ينفد مزاعم أبيه ليبرر ثورته عليه. قصة طويلة. وعاد فيليب يقرأ في صفحة أخرى: "ماذا سيكون مصير الإنسان لو ضغط مجنونه على زر أحمر وفتح أبواب جهنم على الأرض؟ ماذا يمكن أن نفعل لتلافي إبادة البشرية وما حققته من تقدم أثناء الخمسة آلاف سنة من تاريخها؟" "هل هناك "شانجريلا" لحفظ هذا التراث؟ أعتقد أن الأوان قد آن ليقوم جماعة من العلماء المسؤولين ببناء قلعة أو جزيرة منيعة عن الإشعاع حتى إذا كان الإنسان ينوي الانتحار تدخل العلماء لتقنينه والحد من مفعوله بحيث يقتصر على الساسة والعناصر التي وصلت بالإنسانية إلى حافة الإنتحار يجب الاحتفاظ بالموهوبين من العلماء والفنانين والصناع والمحترفين لبدء عالم جديد نظيف". وظل فيليب ما كنزي يقرأ ويترجم حتى منتصف الليل. وحين انتهى من القراءة كان التعب والاجتهاد قد أنهكاه فتناول المفتش الكناش بين يديه الخشنتين، وسهم بعينيه في فراغ الغرفة. |
|
#2
| ||||
| ||||
| الكتاب الثاني -12- أحس الدكتور علي نادر أنه يفيق من نوم ثقيل، وأن صوتاً صارخاً يترامى إلى سمعه من بعيد فيه إنذار بخطر قريب. كان يشعر كأنه في حلم من أحلام طفولته كان يرى نفسه يطير من النافذة إلى وسط الدار، أو يقفز بين السطوح، أو يقف في الفضاء فوق قبة المحكمة الزجاجية يلوح إلى جده بداخلها. وشعر بتيار هواء بارد يغمر وجهه وسائر جسده، وأنه يتأرجح من اليمين إلى اليسار معلقاً في فضاء لا نهائي. وفتح عينيه بصعوبة فلم ير شيئاً لأول وهلة. كان يطبق الأفق حوله ظلام بارد أيقظ حواسه النائمة بسرعة. وحملق في العتمة الزرقاء ليرى شبح مخلوق بشري قريباً منه يتأرجح هو الآخر في الفضاء... وحينئذ فقط أدرك أنه نازل بمظلة ورفع عينيه ليرى قبتها الهائلة تحجب عنه السماء...وترامى إليه صوت من ناحية الشبح الآدمي المعلق على بعد خطوات قليلة منه. - دكتور نادر! ولم يجب، فعاد الصوت الذي ميز فيه الآن صوت أنثى مألوفاً: - دكتور نادر! هل تسمعني؟ فرد هو بصوت مبحوح: - أسمعك... تاج.... - نعم.. اسمع! حاول الاسترخاء التام. نحن نازلان بمظلة! قريباً سنلمس الأرض. وفي اللحظة نفسها لامست قدماه كئيب رمل ناعم فوقع على وجهه وتدحرج إلى أسفله. ووقف يحاول التخلص من شبكة الحبال التي كانت تربطه إلى المظلة وسمع صوت تاج في الظلام. - دكتور نادر! أين أنت؟ فصاح: - أنا هنا. والتفت ليرى شبحها مرتسماً على الأفق الأزرق وهي واقفة على رأس التل وراءه. ونزلت نحوه تخوض الرمل الناعم وتحمل تحت ذراعيها صرة كبيرة. وحين اقتربت منه سألته. - هل أنت بخير؟ - أعتقد. - هل تحس ألماً من أي نوع؟ - لا، ماذا حدث؟ أين نحن؟ - ألم تعرف؟ لابد أن الضغط أفقدك الوعي. يظهر أن الطائرة لاقت بعض المتاعب الميكانيكية، فوزعت الوصيفات علينا المظلات للهبوط خوفاً من انفجار الطائرة عند احتكاكها بالرمل. وقد ساعدت الوصيفات على إلباسك مظلتك ونزلت معك في نفس الدفعة. لم يكن الدكتور نادر يدرك معاني ما كانت تقول، فقد كان يمشي على الرمل نصف مخدر كأنه في حلم أو سكر شديد. وبعد فترة أحس أنها طالت سأل: - أين نحن؟ وجاءه صوتها: - لاأدري. مما يظهر نحن الآن في قلب الصحراء الكبرى. - وماذا سنفعل الآن؟ قالها وهو ينظر إلى تاج التي كانت بعض خصلات شعرها الأسود تتدلى على وجهها وهي تحاول إعادتها إلى تحت الشال الذي كان يغطي رأسها وتنظر حواليها في جميع الاتجاهات وهي تتكلم: - أعتقد أنه من الأفضل ألاَّ نتحرك في أي تجاه حتى الصباح لنعرف أين نحن، وحتى إذا بحثوا عنا حول المكان الذي فقدت فيه الطائرة وجدونا بسهولة. ربما كانت الريح قد أبعدتنا عن خط سير الطائرة، فلا داعي للابتعاد أكثر. ورآها تحملق في مكان مُعَيَّن، ثم ناولته الصرة الكبيرة التي كانت تحت ذراعها قائلة: - خذ هذه، وانتظر قليلاً حتى أعود. واختفت في حلكة الظلام حتى أصبحت بقعة سوداء متحركة. ورآها تنحني ثم تعود بصُرَّة أخرى تحت إبطها، قالت: - وجدت مظلتك. سنحتاجهما للغطاء. تعالَ معي. وأمسكت بيده فتبعها كطفل مطيع. وشعر بالبرد قارساً يتسرب إلى عظامه. ونظر أمامه فإذا صخرة عالية تقف وحدها وسط الرمال. وسمعت تاج قضقضة أسنانه فنشرت المظلة ووضعتها على أكتافه وظهره. وتناولت مظلته فتلفعت بها، وقادته نحو الصخرة حيث دارت حولها بسرعة ثم عادت تقوده إلى الناحية الأخرى منها. - الريح لا تمس هذه الناحية. سوف نجلس إلى جنب الصخرة حتى الصباح. وجلست داخل شق واسع بالصخرة ثم سحبت الدكتور نادر إلى جانبها فعقد القرفصاء.كان عقله المخدر نصف مشلول لا يفكر إلا فيما تحت عينيه، وما داخل دائرة شعوره المباشرة حادث الطائرة، ووجوده هائماً على وجهه في قفار الصحراء وفي جوف الليل أشياء لم تدخل بعد منطقة وعيه، ولم تترجم إلى أحداث خطيرة. وفي تلك الليلة هبت عاصفة رملية مخيفة. بدأت الرياح تهب باردة كما تعصف في أصقاع الشمال. وسرعان ما أخذت تشتد وتحرث الرمال وتصفر بين الشعاب والصخور. وقبع الدكتور نادر وتاج في شق الصخرة يستمعان إلى عُوائها وكأنها أغوال تتعارك وعماليق تتصارع وتتقاتل ممتطية جياداً من ظلام. والتصقت تاج بطريقة لا إرادية بالدكتور علي نادر، فطوق خصرها بذراعه وضمها إليه وهي ترتعش كالعصفور الصغير، بينما العاصفة تزداد هيجاناً وطغياناً. وباتت الرياح طول الليل تولول عاتية تقتلع الصخور، وغطتهما الرمال الخفيفة التي كانت تتساقط من فوق الصخرة ومن جانبها، ونادر يرفع رأسه من حين لآخر ليدخل قليلاً من الهواء إلى تحت الغطاء. وهدأت العاصفة فجأة كما بدأت دون أن يُحسَّا بها. فقد غرقا في سبات عميق بعد هدوئها التدريجي، أرهقهما التعب والسهر والفزع لغضبة الطبيعة المتوحشة. واستيقظ الدكتور علي نادر على تاج تحركه ليفيق. كانت الشمس تشرق أرجوانية هائلة الحجم من وراء التلال الشرقية، تلمس أشعتها الحريرية رؤوس الصخور والمرتفعات. والسماء كانت زرقاء كأعماق المحيط. وأخذ الدكتور علي نادر يفرك عينيه دون أن يعرف أين هو. ونظر حوله ليجد نفسه مغطى بالمظلة المثقلة بالرمل وتاج إلى جانبه تنظر إلى فوق بوجهه شاحب رسم عليه الرعب. ونظر إلى حيث كانت تنظرُ، فإذا ثلاثة وجوه سمراء ملثمة بعمائم زرقاء تنظر إليهما من فوق التل المواجه بعيون ثاقبة. ووقف ينفض التراب عن ملابسه، ومد يده إلى تاج ليساعدها على الوقوف. ولم يتحرك الرجال الثلاثة. قال الدكتور نادر وارتعاشة السرور في صوته: - السلام عليكم. وانفرجت أسارير الرجال الثلاثة، وتقدم أكبرهم سناً يرحب به باللهجة الحسانية: - أهلاً وسهلاً! كيف تتكلم العربية؟ - أنا مغربي. والتفت إلى تاج وأضاف: - وهذه السيدة زوجتي. لقد نجونا من حادث طائرة كادت تحترق بنا في السماء فنجاناً الله. وكتب لنا حياة جديدة... وقال أحد الرجال: - الحمد لله على سلامتكما. نحن من قافلة مخيمة في واحة قريبة؛ عثرنا عليكما ونحن نستكشف المنطقة. العاصفة تغير وجه الصحراء، تغطي أشياء وتكشف أشياء. - نحن سعيدان بلقائكم كل السعادة. أين نحن؟ ما هي أقرب مدينة إلينا؟ وماذا يجب أن نفعل لنعود إلى المغرب أو السينيغال؟ - أنتما في موريتانيا، والأحسن أن تأتيا معنا إلى مضارب خيامنا، وتقابلا شيخنا المختار بن علي. ولأول مرة رأى الدكتور نادر أن تاج تحمل حقيبة أوراقه وحقيبة أشيائها فأخذهما منها، وقال لها بالإنكليزية: - لا تخافي. هؤلاء عرب موريتانيون يخيمون هنا قريباً، وسوف يأخذوننا إلى رئيسهم. يظهر أنهم لا يعرفون أين نحن من أقرب مدينة. والتفت إلى الرجال وقال: - هيا بنا إذن، كم تبعد مضارب خيامكم؟ وأشار أكبرهم بيده إلى تل ناحية الشرق قائلاً: - هنالك واحة خضراء وراء ذلك التل. ونحن ضاربون بها. وحمل أصغر الجماعة حقيبة الدكتور نادر بأمر من كبيرهم، وتحركوا نحو التل. ومن فوقه أشرفوا على منظر رائع الجمال. أحقاف الرمال البيضاء واقفة عذراء في أشكال تخلب الألباب. ظلالها الطويلة ممتدة نحو الغرب تسير إلى الواحة كأنها أمواج المحيط حول جزيرة غناء. ولم تستطع تاج كبت شعورها فتنهدت بعمق وقالت: - هل ما نزال نحلم؟ ولم يجب نادر، فقد كان مأخوذاً بروعة المنظر وصمت الفجر المطبق للآفاق. وما اقتربا من الواحة حتى كان الجميع يتطلعون إلى القادمين الغريبي المظهر. ومر الدكتور نادر ووراءه تاج تبتسم للسيدات وهو يحيي الرجال فيردون التحية بأصوات خفيفة فيها تردد وشك. ومن بين الخيام الوبرية الثقيلة كان يخرج أطفال سمر نحاف تلمع عيونهم الكبيرة وهم يحملقون في تاج ونادر ثم ينضمون إلى الموكب. وخرج شاب طويل القامة، قويُّ الملامح، ذو عينين شديدتي السواد وحاجبين كثيفين. ووقعت عينا تاج في عينيه فأخافتها نظرته، وأسرعت خلف نادر تتعثر في ثوبها وتكاد تلتصق به. وقاومت الرغبة في الالتفات لترى هل ما يزال يخترقها بسهامه. والتفت الدكتور نادر إلى تاج وسألها: - هل عندك منديل؟ - أعتقد أنه في حقيبة يدي. وأخذت تبحث فيها حتّى أخرجته، وقالت: - لماذا تريده؟ - غطي رأسك... وتغطت تاج بالمنديل وعقدته تحت ذقنها، وسارت تحت نظرات العيون النفاذة من وراء الأقنعة الزرقاء والوجوه الملوحة، والدكتور يرفع يديه بالتحية حتى وقفوا على باب خيمة كبيرة. ودخلها الرجل الصحراوي فمكث قليلاً ثم عاد يدعو الدكتور ورفيقته إلى الداخل. ودخلا ليجدا رجلاً مسناً مهيب الطلعة أبيض الشعر جالساً على حشية، وفي يده سبحة وهو يحرك شفتيه دون صوت. وتقدم الدكتور نحوه: - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ورد الرجل بابتسامة محببة: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً. تفضلا... وأشار بيديه إليهما ليقعدا على الحشية أمامه، وهو يتمتم بالتسبيح في خشوع لحظة دون أن ينطلق. ثم جمع السبحة في قبضة يده النحيلة المعروقة والتفت للدكتور نادر: - أهلاً بابن العرب. وما جاء بكم إلى هذه الأصقاع؟ وتنحنح الدكتور مستعداً للكلام: - يا مولانا الشيخ، لقد احترقت طائرتنا في الفضاء، ونجانا الله منها بلطفه. والآن نجد أنفسنا هنا لا علم لنا بأقرب مدينة أو طريق إلى حيث نخبر أهلنا بأننا ما نزال على قيد الحياة.ونظر الشيخ بابتسامة استغراب إلى الدكتور وسأل: - وكيف نزلتُما من طائرة تحترق؟ فالتفت الدكتور إلى الرجل، وطلب منه أن يأتي بالمظلة ففعل، ووقف هو أمام الشيخ ونشرها على الأرض. - بهذه يا مولانا يمكن للإنسان أن يتعلق بالهواء، وينزل سالماً على الأرض. وحرك الشيخ رأسه دون أن يدري أحد هل تصديقاً أم استغراباً أم استهزاء. وفكر قليلاً ثم قال: - أتعرف أن كثيراً من الجواسيس ينزلون بهذه البقاع ليعرفوا ما يجري بها؟ الإسبانيون يمنعون عنا مناطق شاسعة بدعوى أنها خطر على القوافل. ويظهر أن ذلك من بعض أسرارهم، وهم يقبضون على كل مشتبهٍ فيه. وكانت تاج حريصة على فهم ما يقال، فكان نادر يترجم لها باختزال. وأجاب الدكتور نادر: - أنا متأكد يا مولانا أنهم سيعرفون عن الطائرة التي احترقت بطرقهم الخاصة، ويبعثون من يبحث عن بقاياها. لابد أنهم سمعوا الأخبار. وإذا أوصلتمونا إلى أقرب مركز من مراكزهم فسيمكن أن يساعدونا على العودة. وأحس بيد تاج تضغط على ركبته، فالتفت إليها: - ما رأيك يا تاج؟ فقالت بالإنكليزية: - لا أعتقد أنها فكرة حسنة. البقاء مع القافلة أسلم لنا حتى نصل إلى أقرب مركز تجاري، وفيه نأخذ أقرب مواصلة. قل للشيخ إذا أراد أن يوصلنا فنحن تحت أمره. والتفت للشيخ فقال: - معذرة يا مولانا. زوجتي من دولة الباكستان المسلمة، وهي لا تعرف العربية رغم حفظها القرآن الكريم. لذلك نحن نتكلم بلسانها. وهي ترى أن نطلب ضيافتكم حتى تبلغونا إلى أقرب مركز به مواصلات. وابتسم الشيخ لها قائلاً: - على الرحب والسعة. الآن دعنا من الكلام في هذه المواضيع. لابد أنكما جائعان. ستفطران وتستريحان معنا. وشكر الدكتور نادر الشيخ الذي صفق بيديه فأدخل الخدم أواني الثريد واللبن والتمور، ومدت أمام تاج والدكتور نادر. وأكلا والشيخ يسبح في صمت ويجيب عن أسئلتهما. وبعد أن انتهيا من الأكل أحس الدكتور نادر بالتعب يفسخ عضلاته، وبالحاجة إلى النوم والاسترخاء. ولاحظ الشيخ ذبول عيونهما فقال مبتسماً: - لابد أنكما متعبان وفي حاجة شديدة إلى الراحة. وصفق بيده، فدخل أحد الخدم الواقفين على باب الخيمة، وأشار الشيخ إليه أن يصبحهما. وقال: - ستذهبان إلى خيمة ضيافتنا حيث ستجدان فراشاً أوطأ مما نمتما عليه بالأمس. وحينما تفيقان من القيلولة يمكن أن نتحدث عن إرجاعكما إلى حيث تريدان. وصافحه الدكتور وتاج وخرجا خلف الخادم الذي قادهما إلى خيمة الضيوف. كانت الخيمة مؤثتة بزربية خفيفة زاهية الألوان، وحولها ثلاث حشايا صوفية عليها وسائد وأغطية صوفية ملونة. ووقفت تاج وسط الخيمة تنظر إلى الدكتور نادر نظرة تساؤل فقال: - أعتقد أنه من الأحسن أن نتبع نصيحة الشيخ وننام. وفي هذه اللحظة سمع صوت أحد يناديه من خارج الخيمة، فخرج ليرى من، فإذا هو الخادم وعلى ذراعه بعض الأثواب. وحين رأى الدكتور نادراً ناوله الأثواب قائلاً: - يبلغك الشيخ المختار تحياته، ويرسل هذه الأثواب لك وللسيدة حرمك. واستلمها الدكتور منه شاكراً، وعاد بها إلى تاج حيث نشرها على الحشية الصدرية. جَثَتْ تاج على جانب الحشية، وأخذت تقلب الأثواب حتى وجدت أخفها ووضعته على صدرها تقيسه. قال الدكتور: - لماذا لا تلبسينه؟ فنظرت إليه بحاجبين مرتفعين. فقال: - لا يمكن أن أخرج. ليس عيباً أن تلبس المرأة أمام زوجها. ثم إنهم قد يشكون في شرعية زواجنا إذا خرجت لا تركك تلبسين. - تظاهر بأنك ذاهب بين النخيل! وابتسم الدكتور نادر وخرج من الخيمة. وبدأت تاج تخلع ملابسها قطعة قطعة. وعاد الدكتور علي نادر لابساً العباءة ليجد تاج جالسة تمشط شعرها أمام مرآة صغيرة معلقة بعمود الخيمة. كان شعرها الأسود الحريري يغطي ظهرها وكتفيها والمشط يمر فيه بنعومة. والتفتت حين أحست بمقدمة وابتسمت له، فأحس بأنوثتها تغزو قلبه، وتنهد بعمق، وحاول تفادي عينيها، فقالت: - تبدو شيخاً محترماً. ونظر إلى نفسه في هندامه الجديد الذي يوحي بالوقار والاحترام، ثم رفع عينيه لينظر إليها في عباءتها القمحية اللون، وقد شدت وسطها بحزام أبرز صدرها، وسرحت شعرها الفاحم إلى الوراء، فبرزت عيناها الواسعتان. ودارت حوله مقلدة عارضات الأزياء، ثم وقفت أمامه وقالت: - ما رأيك؟ - أجمل جارية وقعت عليها عيناي! وتورد وجهها قليلاً فأضاف: - يا ترى كم سيكون ثمنك في المزاد؟ - كم تدفع لو أخرجني النخَّاس للسوق؟ - ناقتين وثلاث نعاج. وصاحت فيه: - على! أهذا ما أساوي عندك؟! - من أجل صداقتنا سأضيف خروفاً للثمن. ما رأيك؟ والتقطت وسادة لترميهُ بها، فصاح: - غيرت رأيي.. غيرت رأيي.. - هل سترفع الثمن؟ - لا، بل عدلت عن الشراء! ورفعت الوسادة في وجهه فأمسك بها، وطوق خصرها محاولاً تفادي المخدة الطائرة. وسقطت الوسادة على أرض الخيمة، وبقيت تاج بين ذراعي الدكتور نادر، وهما يلهثان، وقد اقترب وجهه من وجهها واختلطت أنفاسهما...وأدرك موقفه فأطلقها وقد عادت علامات الجد إلى ملامحهما. لم يقترب الدكتور نادر من طالبته هذا القرب إلا في بعض حفلات الجامعة حين رقصا معاً، وبين حشد كبير من الطلبة والأساتذة. وطارد أفكاراً وخيالات خامرت ذهنه بقوله: - لا أكاد أصدق أننا في الصحراء. فردت تاج وهي تسوي غطاء على حشيتها: - لو أتيح لنا أن نختار، لاخترنا جزيرة "فيجي" الخضراء على الضياع في الصحراء. وتمددت على الحشية، فاحتذى نادر حذوها، وتمدد على أخرى مقابلة ونظر إلى سقف الخيمة في تأمل عميق، ثم قال وكأنه يفكر جهراً: - خُيِّلَ إليَّ هذا الصباح، وأنا أنظر من فوق ذلك التل الرملي إلى الآفاق المترامية، أن الصحراء سجن هائل... حدوده هي لا حدوده... حدوده في داخلنا، في ضعفنا على السيطرة عليها، على الخروج منها أحياء إذا نحن همنا على وجوهنا.ثم قال: - بالمناسبة، نحن محظوظان بشكل عجيب. نسقط في قلب الصحراء، وبعد ليلة واحدة تحت عاصفة هوجاء بدون طعام ولا ماء، تعثر علينا قافلة عابرة تأتي بنا إلى واحة خضراء. وسألت تاج: - هل ستعود إلى الموضوع أم ستنساه؟ - أي موضوع؟ - موضوع الصحراء والسجن. أعتقد أنها فكرة حية. - آه! عفواً يا عزيزتي.. ذلك أحد أعراض المرض العربي، الفوضى العقلية، الاستطراد. تلك الفوضى معششة في عقلي ورثتها عن الأجداد مؤلفي المصنفات والحواشي والشروح وشروح الشروح وهوامشها وطررها، إلخ، إلخ.. وتنهد وهو يستعرض صفوف الكتب الصفراء على رفوف مكتبة أبيه القديمة ونقوشها الذهبية وسطورها التي لا تقاطعها نقطة أو فاصلة أو أول سطر كأنها صفوف النمل. وسمع أنفاس تاج عميقة، فأدرك أنها نامت عنه وهو يتفلسف، فابتسم وتغطى وأغمض عينيه. ولما أفاق سمع أصواتاً وغناء ودق دفوف آتية من بعيد، وبقي لحظة ينظر إلى عمود الخيمة ويتساءل أين هي. المغامرة كلها كانت كابوساً طويلاً بالنسبة إليه. ولكنه أفاق ليجد، لخيبة أمله، أن الحلم هو الحقيقة وأنه ليس في غرفة نومه بشقته بلندن، حيث يخرج يده من تحت الغطاء ليشعل الراديو ويستمع إلى آخر الأخبار، قبل أن يغادر الفراش. وتساءل يا ترى ماذا تقوله الصحف والإذاعات والتلفزيون عنه في لندن. إذا كانوا أخبروا أنه مات فلابد أن الخبر واصل إلى أهله بالمغرب، وأنهم سيعانون أحزاناً وآلام لا داعي لها. ومن جهة أخرى، حين يظهر هو بنفسه في لندن، سيحدث انفجاراً في الصحافة ووسائل الإعلام كلها. وسيعامل كشبح عاد من عالم الأموات. ولم يفته أن مثل هذه الشهرة ستجعل الناشرين يتهافتون على كتبه، حتى التافه منها! لذلك عليه أن يعود سريعاً. وسمع نحنحة على باب الخيمة ثم ندا رجل باسمه، فصاح: - نعم! - الشيخ يطلبك. صلاة المغرب قريبة. وخرج فتيمم على صخرة ملساء، ثم لبس حذاءه وتبع دليله إلى حيث أقبل على جميع غفير من رجال القافلة في دائرة كبيرة حول شيخهم وهو يتحدثون. وصافح الشيخ الدكتور الذي سلم مبتسماً على الجماعة، وجلس إلى جانب الشيخ. كانت الشمس تكاد تلمس الكثبان الممتدة غرباً وهي تنزل في بطء وجلال إلى مغربها. والتفت إليه الشيخ متفقداً: - لعلك ارتحت الآن قليلاً. - ذلك بفضلكم وحسن ضيافتكم يا مولانا. السيدة وأنا في أحسن حال، ولا يقلقنا إلا انزعاج أهالينا وربما يأسهم علينا. وحرك الشيخ رأسه وأشار بيديه معاً مصبراً له بحركة رشيقة. - لابد من الصبر الآن. أنتما في أمان، وحين تعودان إلى بلدكما سيفرح أهلكما. ولكننا هنا محدودون بقوانين الصحراء. لا يمكن أن نتحرك حتى نأخذ الإذن منها. وأنت ما تزال تذكر العاصفة الرملية التي أحرقت طائرتكم. إنها تنقل الجبال، وتغير وجه الأرض فتضلنا عن الطريق. - لاشك عندي أن خبرتكم يا مولانا بالصحراء وخباياها وتغير وجوهها لا يمكن أن تخدعها زوبعة أو إعصار. رجل الصحراء يشم الاتجاه ويحسه... ورفع الشيخ رأسه فجأة لينظر إلى ناحية الخيام، والتفت جميع من كان في الحلقة من رجال معممين ملثمين بعمائم زرق، ونظر الدكتور نادر فلم يجد شيئاً غير عادي، ولم تمض بضع ثوان حتى ظهر رجل يجري نحو خيمة الشيخ. - مولانا! مولانا! - ماذا؟ - ولدكم فارس! - ماذا أصابه؟ - لقد هرب! فكَّ القيد وهرب! وبدا التذمر على وجه الشيخ، فصاح بالرجل: - وماذا تنتظر؟ اتبعوه واقبضوا عليه. لن يذهب بعيداً. - لقد خرج حارسان للبحث عنه! وظهر على وجه الرجل القلق والألم. فقال الدكتور مستفسراً: - مولانا! أرجو أن يكون بخير. هل يمكن أن أساعد بشيء؟ وحرك الشيخ رأسه في حسرة، وقال: - فارس ولدي كان فتى نجيباً منذ صغره. بهرني ذكاؤه وسرعة حفظه للقرآن. حين كان سنه إحدى عشرة سنة كان يكتب القرآن بدون أخطاء، ويحفظ عدداً من المصنفات كالألفية والأجرومية وبعضا من الشيخ خليل. ونصحني بعض أصدقائي من سوس أن أبعث به إلى القرويين بفاس، فانتظرت حتى بلغ السادسة عشرة، وأرسلته إلى صديق لي هناك. وكنت أذهب كل صيف لزيارته أنا وأمه. وبعد أربع سنوات بدأ الولد يتغير. وشعرت بخطر ذلك التغير، فطلبت منه أن يعود معنا تلك السنة حتى لا ينسى عادات قومه وأصدقاءه الذين عاش بينهم. ولم تمض فترة على وجوده هنا حتى بات الآباء يشتكون من تسرب أفكاره إلى عقول أبنائهم وإفسادها. وانفردت به لأسأله هل ذلك حقيقة، فوجدت أنه ملحد ينكر تقاليد قومه، ويدعو علماءنا بالمشعوذين، وينعتُ شيخ طريقتنا بمضل المسلمين، ويقول إن الطرق بدع وضلالات مصيرها النار. وخفق قلب الدكتور نادر لرومانسية قصة الشاب الهارب.... وهمس لنفسه: "هذا ولي آخر يبعث في قلب الصحراء..." ثم التفت إلى الشيخ سائلاً: - ومنذ متى هو أسير عندكم؟ - منذ ستة أشهر وهذه ثالث مرة يحاول فيها الهروب. لقد أقسمت بأغلظ الأيمان أنني لن أفك قيده حتى يعود عن ضلاله وإلحاده، ويتراجع عن افتراءاته أمام الجماعة، فرفض الملعون وفضل القيد! لولا أمه.... لولا أمه لقتلته! - مولانا، أرجو أن يكون ما تسميه إلحاداً هو فقط تطرف في أفكار الشاب الذي يدخل المدارس والجامعات العصرية. والإلحاد تهمة كبيرة لا ينبغي أن تلقى جزافاً. لذلك أرجو أن تستعمل الرحمة في حقه. وبَدَا الأسى على الوجه الأسمر القوي الملامح، وخَبَا البريق الحاد في عينيه وهو يقول: - كدت أيأس، وكم دعوت الله أن يهديه، ولكن "إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء". ووضع الدكتور يدا ناعمة على كتف الرجل، وقال: - مولانا، إذا أعاده الرجال من مهربه هل تعدني أن تتركني معه ساعة لأرى دخيلة نفسه؟ أنا غريب، وأفهم عقلية الشباب القرويين. وربما فتح لي قلبه فأضع يدي على مرض نفسه. |