| قريبا نيو حب بشكل جديد |
| ||
| افلام عربية | افلام مصرية | افلام عربى | فيديو مضحك | فيديو رياضي | فيديو كليب | كارتون | حوادث | مسلسلات | مسرحيات | صور | اغانى | العاب بنات | |||
![]() |
| |||||||
| الحوار المفتوح اى موضوع او حوار |
الدورى الفرنسى -
الدوري الالماني -
الدوري الايطالي -
الدوري الانجليزي -
الدوري الاسباني -
الدورى المصرى
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع |
|
#6
| ||||
| ||||
| سادسا: سيد الطائفة الصوفية الإمام الجنيد رضي الله عنه على طريق النور تمضي مواكب العارفين الى غايات الغايات , حيث تنعم الأرواح التي شربت من ينابيع المحبة والصفاء حتى لم تبق فيها لغير الله بقية , فهي دائما وأبدا مع الله وبالله , إنها أروح الصفوة الأولياء , الذين اصطفاهم الله تعالى لهداية خليقته , فهم الضياء المنبعث في أرجاء هذه الحياة ليغمر سناه آفاق هذه الإنسانية فيجذب الأرواح التائقة إلى النور . ومع قمة شامخة من قمم التصوف نلتقي على طريق النور مع الإمام الجنيد , فهو أحد أركان الطريق الصوفي الذي يشار إليه بالبنان , وهو إمام السلوك الذين ارتفعت على أيديهم منارات المعرفة وشربت من منابعهم العذبة أرواح المريدين والسالكين . ولو ذهبنا نلتمس كلمة أو عبارة نستوحي من خلالها التعرف على مكانة الإمام الجنيد لما وجدنا خيرا من عبارة الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي إذ قال فيه : ( هو سيد هذه الطائفة) , ولقد صارت هذه الكلمة اصطلاحا لدى الصوفية على شخصية العارف الجنيد , بجانب ما قيل فيه من أنه شيخ التصوف على الإطلاق وإمام أهل الخرقة ومقدم الجماعة وغير ذلك . وهو أبو القاسم الجنيد بن محمد الزجاج , أصله من نهاوند , ومولده ومنشؤه بالعراق وقد تفقه على مذهب أبن ثور من أصحاب الإمام الشافعي و راوي مذهبه القديم , وكان الجنيد يفتي بحضرته وهو في العشرين من عمره فذاعت شهرته في مختلف الأوساط العلمية ببغداد . أما عن تربيته الصوفية , فقد أخذ الطريق من خاله السري السقطي وهو من أئمة رجال التصوف في عصره , وقد قال عنه الإمام القشيري : ( كان أوحد زمانه في الورع وأحوال السنة وعلوم الوحي ) فتلقى عنه أصول الطريق كما صحب كلا من الحارث المحاسبي ومحمدا بن علي القصاب البغدادي وغيرهما . ويقول الإمام المناوي في طبقاته , انه صحب من هذه الطائفة أربع طبقات كل طبقة ثلاثون رجلا وانتهت إليه الرئاسة , هذا ويؤرخ لوفاته بسنة سبع أو ثمان وتسعين ومائتين هـ . والمتصفح لتاريخ الجنيد , يقف في كل اتجاه على سر من الأسرار التي توحي بجملتها ان هذا الطراز من الرجال قد أعدته العناية الإلهية ليحمل مشعل الهدية لبني أمته , وليقدم لها ميزان العبودية الصادق الذي تزن به نفسها في إطار علاقتها مع خالقه جل شأنه , وهو يعد منذ صغره لتحمل هذه الأمانة , انظر إليه وهو يقول : ( كنت بين يدي السري العب وانا ابن سبع سنين والجماعة يتكلمون في الشكر). فقال يا غلام ما الشكر ؟ قلت ألا يعصى الله بنعمه. فقال : أخشى أن يكون حظك من الله لسانك . فلا أزال أبكي على هذه الكلمة ) . أجل , فقد أحدثت هذه الكلمة من خاله السري في نفسخ دويا هز أركان نفسه . إذ خشي على نفسه أن يكون حظه من التصوف مجرد الكلام فيه وترديد عباراته وان يحرم من التحقق بمضمون هذا الكلام فعمل من ساعته على أن يكون صوفيا بالحقيقة والحال لا باللسان والمقال . وحين تصدق من العبد الإرادة وصاحبها من الله العون والتوفيق فقل من الخير ما شئت . فهذا هو الإمام الجنيد يقبل على مولاه إقبالا يعنيه عن نفسه وعن وجوده . وهو يصور معنى هذه الإقبال ودرجته قائلا : ( لو أقبل صادق على الله ألف ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله ) !! . إنه يرى إن لحظة تفوت العبد مع ربه فيها فوات مغنم تودي خسارته بكل مكاسب العمر . أرأيت همة أرقى من هذه الهمة؟ وتعبيرا يصور ما صورته من معان ؟ ولكن التساؤل الآن هو : بم تكون معية الخلق مع خالقه ؟؟ وما هي الصفات التي تؤهل العبد للإقبال على ربه وترفعه إلى مصاف المقربين ؟ وفصل الخطاب في ذلك إنما هو إتباع منهاج الشريعة المحمدية إتباعا كليا ليس الأشباح فقط وإنما بتطويع النفس لطاعة الله وبمكابدة النفس لأنواع المجاهدات درجة فدرجة حتى يساير هوى النفس مقصود الشارع الحكيم وحتى تصير الطاعات عادات تألفها النفس وتتوق أليها , وأساس ذلك كله صدق النية في إتباع الشريعة المحمدية إتباعا مبنيا على علم فلا وصول إلا من هذا الباب , ولذا يقول الإمام الجنيد ( الطرق كلها مسودة عن الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته ) وبعد ان بين معالم السبيل بصراحة لا لبس فيها , تجده يربط بأحكام بين منبع الطريق الصوفي ومصبه . فالمنبع هو الشريعة المحمدية ممثلة في هدى الكتاب والسنة , والمصب : هو الحقيقة التي يصلها العبد بإتباعه لمنهاج الشريعة المستقيم . فهنا هو يقول ( مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة ) وهذا التقييد إنما هو من قبيل تقييد النتيجة بالمقدمة . وهو بلا جدال قاطع لأي منافاة بينهما , ثم تعال معي لننظر الى مدى بعد الرؤية عند الإمام الجنيد : لقد أدرك هذا الرجل الذي كان يعيش في القرن الثالث الهجري ورأى بصيرته التي نوها الله ان ثمة دعاوي سيلفقها أعداء التصوف ويلصقونها به بعد حين من الزمن . وهي القول بخروج التصوف على الشريعة ودعوى ان الصوفية يسقطون الأعمال والتكاليف فقطع عليهم الطريق وقطع ألسنتهم , إذ ذكر أمامه ان شخصا قال : ( إن أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات – أي الأعمال – من باب البر والتقرب إلى الله . فقال الإمام الجنيد : ( إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وهو عندي عظيم والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا , فإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله تعالى واليه رجعوا فيها, ولو بقيت ألف عام لم أنتقص من أعمال البر ذرة إلا ان يحال بي دونها ). هذا هو قول سيد الطائفة الصوفية الرجل الذي أقام عشرين سنة وورده من النوافل في كل يوم ثلاثمائة ركعة , وثلاثون الف تسبيحة . إلى جانب مجالسه العلمية التي كانت ببغداد حيث الرائح والغادي والتي كن يؤمها الأدباء لينهلوا من بلاغته وروعة أسلوبه . والفقهاء ليأخذوا من فتاواه واستنباطاته , والفلاسفة لدقة نظره وسمو أفكاره , والمتكلمون لبراعته وتحقيقه والصوفية لإشارته وحقائقه . ثم هو القطب الصوفي الذي كان آية عصره علما وتحققا , فأوضح منهاج التصوف وابرز معالمه وآدابه للسالكين حيث قال : ( التصوف جامع لعشر خصال التقلل من كل شيء في الدنيا مع القدرة عليه , واعتماد القلب على الله سبحانه وتعالى مع عدم السكون إلى الأسباب , والرغبة في الطاعة بما استطاع منها و والصبر عند فقد الدنيا عن المسالة والشكوى , والتميز في الشبهات والحلال والشغل بالله تعالى مع عدم السكون إلى الأسباب , والرغبة في الطاعة بما استطاع منها والصبر عند فقد الدنيا عن المسالة والشكوى , والتميز في الشبهات والحلال , والشغل بالله تعالى عمن سواه ودوام الذكر بالقلب واللسان , وتحقيق الإخلاص مع الصدق واستواء السريرة والعلانية ودوام العافية لله مع السكون إليه في جميع الأحوال , فإذا اجتمعت هذه الخصال : كان الصوفي في أول مراحل المحبة و ثم يرقى إلى حال المشاهدة , فيؤخذ منه إليه ويبقى معه في ميدان المحبة والدهشة ) . هذه هي آداب التصوف التي بها يدنو العبد من باب الحضرة الإلهية حيث الأنس والمشاهدة . ثم نمضي مع سيد الطائفة لنقتبس قبسات من أشاراته الصوفية ولمحته العلوية , انه يقول : ( إن الله يخلص إلى القلوب من بره بحسب ما تخلص إليها القلوب من ذكره فأنظر ماذا خالط قلبك ؟) . وها هو ذا يندد بالغفلة عن الله قائلا : ( الغفلة عن الله أشد من دخول النار ) . وفي تصوره لمعنى الشوق والمحبة يقول : ( بلغني أن يونس بكى حتى أبيضت عيناه وقام حتى انحنى وصلى حتى أقعد ثم قال : ( وعزتك لو كان بيني وبينك بحر من نار لخضته شوقا إليك ) . ثم يوضح ماهية التصوف قائلا : ( التصوف هو صفاء المعاملة مع الله تعالى واصله الصرف عن الدنيا كما قال حارثة : صرفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري ) . ثم في شرحه لمفهوم العبودية لله تعالى يقول : ( إنك لن تكون له على الحقيقة عبد وشيء مما دونه لم مسترق , وإنك لن تصل الى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبودية بقية . فإذا كنت له وحده عبدا كنت مما دوه حرا ) . هذه هي حكمة الجنيد في إشراقها وعمق مغزاها . وأما عن جانب الكرامات والخوارق , فأننا نجتزئ من كثرها بهذه الكرامة كمثال , فيسوق لنا الإمام الجنيد هذه الواقعة فيقول ( كان السري يقول لي تكلم على الناس ,وكان في قلبي حشمة – أي حياء- من الكلام على الناس وكنت اتهم نفسي في استحقاقا ذلك حياء فرأيت النبي في المنام ليلة جمعة قال لي تكم على الناس , فانتبهت واتيت باب السري قبل ان أصبح ودققت عليه الباب فقال – قبل ان يسمع منه شيئا- لم تصدقنا حتى قيل لك ذلك : فقعد الجنيد للناس في الجامع بالغداة , فانتشر في الناس ان الجنيد قد يتكلم على الناس , فوقف عليه غلام نصراني , وقال ايها الشيخ , ما معنى قول الرسول : اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله فأطرق الجنيد رأسه ثم رفعه فقال : أسلم فقد حان وقت إسلامك فأسلم الغلام وقطع الزنار ) . هذا هو نور البصيرة الذي يمنحه الله لمن أجتباه وجعله من خواص عبداه وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وبعد ,فهذا هو الإمام الجنيد سيد الطائفة الصوفية , الإمام الرباني والعالم اللدني الذي قال : ( ما أخرج الله الى الارض علما وجعل للخلق اليه سبيلا الا وقد جعل لي فيه حظا ) وقد شهد له ابوالعباس بن عطاء قائلا : ( امامنا في هذا العلم ومرجعنا والمقتدى بها الجنيد . انه مقدم الجماعة وامام اهل الخرقة وشيخ التصوف الذي كان لا يغفل عن الله طرفة عين) يقول : ( الغفلة عن الله تعالى أشد من دخول النار ) . هذا هو إمام أهل الحقيقة وعلم الاولياء في زمانه الذي كان يناجي مولاه قائلا ( يا من هو كل يوم في شأن : اجعلني من بعض شأنك ) . وهو الذي تكلم في المحبة – وهو شاب – بمكة في موسم الحج , على كبار المشايخ إذ قالوا له : هات ما عندك يا عراقي , فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال واصفا من تحقق بالمحبة ( عبد ذاهل عن نفسه ,متصل بربه ,قائم بأداء حقوقه , ناظر اليه بقلبه ,وفد أحرق قلبه الأنوار الإلهية ,وصفا شربه من كاس ورده , وانكشف له الحق من أستار عينه , فان تكلم فبالله ,وان نطق فمن الله ,وان تحرك فبأمر الله ,وان سكن فمع الله , فهو بالله ومع الله) . فبكى المشايخ ,وقالوا : ما على هذا من مزيد ,جبرك الله يا تاج العارفين !! انه الرجل الذي اكتملت فيه ولاية الله تعالى وفاضت من ينبوع معرفته لطائف الحكم لترتوي بها ارواح العارفين .وهو الإمام الذي ضرب بعلمه وحاله وسلوكه اروع المثل وقدم من جوهر صوفيته وتحققه انصع البراهين وأقوى الحجج على ان التصوف يمثل أعلى قمة في الاسلام يظل لواؤها صفوة عباد الله , فسلام عليه في الخالدين . وسلام عليه مع النبيين والصديقين بمدده وبركاته دنيا وآخرة , اللهم آمين . من مواعظ الجنيد البغدادي رضي الله عنه: يقول رضي الله عنه: "إنما اليوم إن عقلتَ ضيفٌ نزل بك وهو مرتحل عنك، فان أحسنت نزله وقِراه شهد لك وأثنى عليك بذلك وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه شهد عليك فلا تبع اليوم ولا تعد له بغير ثمنه. واحذر الحسرة عند نزول السكرة فإن الموت ءاتٍ وقد مات قبلك من مات". "اتق الله وليكن سعيك في دنياك لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شىء، فلا تدخرن مالك ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك ولكن تزود لبعد الشقة، واعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد، صاحِب الدنيا بجسدك، وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما سلف بين يديك من العمر وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه، فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزِدك اعجابُ أهلها زهدًا فيها وحذرًا منها فان الصالحين كانوا كذلك". "اعلم يا ابن ءادم أنّ طلب الآخرة أمر عظيم لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فل تركب الغرور وأنت ترى سبيله، وأخلِص عملك، واذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك، ولا حول ولا قوة الا بالله، وإنّ أنجى الناسِ من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء". "يا ابن ءادم دينك دينك، نعوذ بالله من النار فإنها نار لا تنطفىء, وعذاب لا ينفد أبدًا، ونفس لا تموت، يا ابنَ ءادم إنك موقوف بين يدي الله ربك ومرتهن لعملك فخذ مم في يديكَ لما بين يديك، عند الموت يأتيك الخبر، إنك مسئول ولا تجد جوابا، إنك م تزال بخير ما دمت واعظا لنفسك محاسبا لها وإلا فلا تلومن إلا نفسك". |
|
#7
| ||||
| ||||
| سابعا: الإمام أبو الحسن الشاذلى بطاقة تعارف القطب الأعظم والإمام الفارس : هو سيدى أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه وأرضاه إمام وحجة الصوفيه المنفرد فى زمنه بالمعارف،،هو أبو الحسن على بن عبدالله بن عبد الجبار. ينتهى نسبه الى الإمام سيد شباب الجنه وسبط خير البريه،ابن محمد الحسن ابن أمير المؤمنين على ابن أبى طالب كرم الله وجهه وابن فاطمه الزهراء بنت رسول الله.. ولد سنة 593 هـ ببلاد المغرب بقرية غماره وتوفى سنة 656 هـ عن عمر يناهز 63 عام . كان رضى الله عنه أدم اللون ... نحيف الجسم ... طويل القامه ... فصيح اللسان ... عذب الكلام ... جميل المظهر ..يلبس أحسن الثياب ويتعطر ... يحب الخيل ويقتنيه ويركبه فقد كان فارسا ... كان يأكل أحسن الطعام و كان ينصح مريديه بالإعتدال . نشأته ودراسته: ولد ونشأ فى قريه صغيره تسمى غماره وهناك تلقى علوم القرآن والحديث على يد شيوخها اتجه بعد ذلك الى مدينة فاس وسلك طريق التصوف على يد الصوفى الكبيرعبد الله بن ابى الحسن بن حرازم وهو تلميذ سيدى ابى مدين مؤسس الطرق الصوفيه. بعد ذلك توجه لمدينة تونس وتلقى علوم الشريعه وتفقه على مذهب مالك ودرس علوم الفقه والادب وقد نبغ سيدى ابو الحسن فى علوم الدين (وسائل وغايات) وبرع فيها براعه كبيره إذ قال عنه ابن عطاء الله السكندرى "انه لم يدخل طريق قوم حتى كان يعد للمناظره فى العلوم الظاهره " . وكان مع بلوغه هذه المنزله يقول: " من لم يزده علمه إفتقارا الى ربه وتواضعا لخالقه فهو هالك" .كان العلم عنصرا من عناصر شخصية الشاذلى وكان يعتبرالجهل و الرضا به من الكبائر بل من أكبر الكبائر فكان يقول " لا كبيره عندنا أكبر من إثنين حب الدنيا بالإيثار والمقام على الجهل بالرضا فحب الدنيا أساس كل خطيئه والمقام على الجهل أصل كل معصيه" . هجرة إلى الله.. وبحث عن الشيخ: شعر السيد أبو الحسن أنه ما يملك من علوم ظاهره لا تروى طلبه الملح فى القرب من الله..وإضاءة قلبه بالمعرفه وكشف الحجب ... كيف يسير فى الطريق ؟ و من أين يبدأ ؟؟؟ . سافر الى بغداد فهى منذ العهد العباسى محط أنظار طلاب الدنيا والدين. التقى يالآولياء وكان قمتهم..فى نظره أبو الفتوح الواسطى ولكنه كان يبحث عن القطب ذاته فدله الشيخ الواسطى على شيخه واستاذه القطب الجليل محمد ابن عبد السلام ابن مشيش وقال له تطلب القطب فى العراق وهو ببلادك ارجع للمغرب . أدب الدخول على المعلم يغتسل العالم الجليل فى عين أسفل الجبل الذى يقيم استاذه على قمته ويخرج من علمه وعمله ويصعد الى شيخه فقيرا . نتعلم منه أن طالب العلم عليه العوده الى صفر الأفكار مجددا ليمهد نفسه لاستقبال فيوضات من يعلمه.جاء السيد أبو الحسن مخلصا فى طلب القرب من الله فيلقاه الشيخ الذى هبط هو الآخر ليستقبله وقد علم بقلبه بقدوم تلميذه وبدأ بذكر اسم سيدنا أبو الحسن بالكامل وصولا الى جده رسول الله . من هو معلمه القطب؟ كلمة "القطب" في الأدب الصوفي تدل على الشيخ المعلم العظيم الذي يعتبر مركزا مضيئا للكثيرين من البشر الطالبين والسائلين القرب والمعرفة بالله.وجاءت هذا التعبير مستلهما من معنى "القطب" في الطبيعة وهو كوكب عال جدا منير تدور حوله مجموعه قطبيه. وكما تدور الرحى حول قطبها لتطحن القمح رمزا للخبز -وهو رمز من رموز الحياه- تدور الكواكب حول كوكب القطب الذى من فرط علاه يبدو ثابتا فى عليائه. وهكذا كان العارفون بالله يعتبرون الشيخ "عبد السلام ابن مشيش" ، فيقول عنه صاحب الدرر البهيه: "هو القطب الأكبر والعلم الأشهر والطود الأظهر العالى السنام هو البدر الطالع الواضح البرهان الغنى عن التعريف والبيان المشتهر فى الدنيا قدره . من تعاليم القطب الكبير لتلميذه : "حدد بصر الآيمان تجد الله فى كل شىء ". وكان من دعاء ابن مشيش الى الله انه يريد أن يكون معروفا لدى الملأ الأعلى وليس معروفا بين الناس فكان دعاؤه "اللهم إن قوما سألوك إقبال الخلق عليهم و تسخيرهم لهم اللهم إنى أسألك إعراضهم عنى وإعوجاجهم على حتى لا يكون لى ملجأ إلا لك " . وعندما سأله أبو الحسن لماذا يدعو بهذا الدعاء قال له :" يا على أيهما خير لك تقول كن لى أم سخر لى قلوب عبادك ؟؟، فإذا كان لك كان لك كل شىء " .وقد حقق الله له ذلك و عرف من خلال تلميذه أبو الحسن إذ قال لآبى الحسن وهو يودعه بعد أن إنتهت فترة إقامته عنده : يا على ارتحل الى افريقبا واسكن بها بلدا تسمى ( شاذلة ) فإن الله يسميك( الشاذلى) الذال يعنى ( المفرد لخدمتى)، ويؤتى عليك من قبل السلطنه وبعد ذلك تنتقل الى أرض المشرق وبها ترث القطابه . " يا على طلعت الينا فقيرا من علمك وعملك فأخذت متاعى الدنيا والآخره ".ثم سأله النصيحه فقال الشيخ: " يا على الله الله والناس الناس نزه لسانك عن ذكرهم وقلبك من التمايل من قبلهم و عليك بحفظ الجوارح وأداء الفرائض وقد تمت ولاية الله عندك ولاتذكرهم الا بواجب حق الله عليك وقد تم ورعك " ثم قال له: علي هو ابن مشيش وابن مشيش هو علي. * ومن هنا نجد أن المعلم المستنير ... و القطب الجليل يرى وجوده فى وجود مريديه فهو فيهم و هم فيه. وإرتحل أبو الحسن الى شاذله فى تونس . العمل والجهاد : إنتهت المده التى قدر الله أن يقضيها الشيخ بشاذله وسمع وهو على الجبل نداء من السماء-كما بشره شيخه-يقول له أنت "شاذّلى"( مفرد لخدمتى)ثم كان أن جاءه الأمر: أن يا على اهبط الى الناس لينتفعوا بعلمك. وكانت فترة جهاد وكان يعلم مسبقا من شيخه أنها فتره عصيبه يؤتى عليه بها من قبل السلطان ... كثر مريدونه وأخذوا يتزايدون يوما بعد يوم الى أن إجتمع عليه الخلق وكان من بين جلسائه فى تونس الشيخ الصالح أبو العزائم ماضى تلميذ الشيخ وخادمهَ وهو من الأئمه الأجلاءَ. يروى ابن عطاء الله السكندرى :كان يجلس فىخيمة الشيخ الأمام ...الشيخ مفتى الأنام عز الدين بن عبد السلام والشيخ مجد الدين بن تقى الدين الأخميمى وحين استمعوا لكلام أبو الحسن قال الشيخ عز الدين : استمعوا لهذا الكلام القريب العهد من الله . وقد عانى فى تونس من ابن البراء الزعيم الدينى الاكبر وقاضى القضاه آن ذاك فقد شعر بالغيره من أبو الحسن وبدأ يكيد له عند السلطان ولكن حماية الله أيدته . سافر للحج وعاد ثانية لتونس ليجد تلميذه الأكبر سيدى أبو المرسى العباس فى إنتظاره فقال فيه :ما وردنى الى تونس غير هذا الشاب وقد تزوج أبو المرسى العباس من أبنة الشيخ بعد ذلك فاصبح ملازما لشيخه . وذات ليله رأى الشيخ رؤيه أن رسول الله يقول له : يا على إنتقل للديار المصريه تربى فيها أربعين صديقا ...يا على ذهبت أيام المحن وأقبلت أيام المنن عشر بعشر إقتداء بجدك رسول الله صلى الله عليه وسلم . الأتجاه الى مصر : كانت فترة إقامته بمصر فترة إستقرار مادى ومعنوى وكانت فتره خصبه من حيث الدعوه ومن حيث تربية الآجيال.وكان للشاذلى أثر واضح فى حركة الطرق الصوفيه فى مصر و التى لا يزال أثرها حتى الآن و أوضح ما يكون فى إنضمام كثير من عامة الشعب وخاصته الى هذه الطريقه الكبيره من الطرق الصوفيه .و قد نزل بالأسكندريه واتخد له دارا بالقرب من كوم الدكه وكان يدعو الناس فى مسجد العطارين . ظل سيدنا أبو الحسن يعلم ويدعو بمصر أربعة عشر عام منذ عام 642 هـ الى أن توفاه الله عام 656 هـ . شخصية سيدنا أبو الحسن الشادلى : أوضح ما فى شخصيه الشاذلى معرفته الحقه لله و سعيه لقضاء حوائج الناس.ولقد كان الشاذلى مكافحا و يسعى لقضاء مصالحه ومصالح من يقصده وكان يعمل بالزراعه على نطاق واسع وكان يربى الثيران للحرث وكان دائما يحث على العمل وكان يكره المريد المتعطل ويحث على العمل وطرق باب الاسباب والرزق . بل كان يفضل الغنى الشاكر على الفقير الصابروعلل ذلك بأن الصبر فضيله فى الدنيا فقط أما الشكر فإنه فضيله فى الدنيا والآخره. ( لطائف المنن ابن عطاء الله ص 164 ) . سنتعرف على شخصية الأمام القطب الجليل من أعماله و أقواله وهذا بعض منها: •يقول عن الطريق : ليس هذا الطريق بالرهبانيه ولا بأكل الشعير والنخاله وإنما هو بالصبر على الأوامر واليقين فى الهدايه ( وجعلنا منهم أئمه يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) . • من أقواله لقاضى طلب منه أن يزيد أحدهم 10 دراهم وهو غنى كما ذكر له القاضى : " يا تاج الدين لا تستكثر على مؤمن10 دراهم تزيده إياها – فإن الله تعالى لم يقنع المؤمن بالجنه جزاء له حتى زاده النظر الى وجهه الكريم". ( لطا ئف المنن ص 165 ) • دخل عليه تلميذه أبو العباس المرسى يريد أن يلبس الخشن ويأكل الخشن فقال له : اعرف الله وكن ما شئت وذلك لان من عرف الله تعلق قلبه به وامتلأ بحبه فلا يتأتى منه إلا بفضيله . •كان ينصح بالإعتدال قائلا : لا تسرف بترك الدنيا فتغشاك أو تنحل أعضاؤك لها فترجع لمعانقتها بعد الخروج منها . • كان يقول لغلامه :يا بنى برد الماء فإنك اذا شربت الماء السخن فقلت الحمد لله قلتها بكزازه واذا شربت الماء البارد فقلت الحمد لله استجاب كل عضو منك بالحمد لله . • بنضاله المجيد الذى يذكره له التاريخ هدم فكرة عن الصوفيه بأنهم سلبيون فى الحياه وأن تصوفهم ضعف فهاهو فى أخريات حياته يذهب بنفسه لميدان الوغى فى معركة المنصوره يلهم جند الله ويبث فيهم من روحه وقلبه إيمانا بالنصر وكان قد كف بصره ووهن عظمه ولكن عزيمته لم تهن فذهب مع قافلة النور التى ضمت العز بن عبد السلام - مجد الدين القشيرى- وغيرهم . • إن أردت ألا يصدأ لك قلبا و لا يلحقك هم أو كرب فأكثر من الباقيات الصالحات . • من أحب أن لا يعصى الله فى مملكته فقد أحب أن لا تظهر مغفرته ورحمته (غير واضحة فهل قال بنفسه ما يوضحها؟) . • من تعاليمه لتلميذه أبو العباس " لا تسأل أحدا شيئا و إن أتاك شيئا من غير مسأله فلا تقبله " فقال له أبو العباس أن الرسول كان يقبل الهديه فقال له الشيخ : كان صلى الله عليه وسلم لا ياخذ شيئا إلا ليثيب من يعطيه ويعوضه عليه فإن تطهرت نفسك وتقدمت هكذا فإقبل و إلا فلا . • لا يشم رائحة الولايه من لم يزهد فى الدنيا و أهلها . • إذا إفتقرت فسلم وإذا ظلمت فاصبر و اسكن تحت جريان الآقدار فإنها سحابه سائره . • الأنبياء أعين الحق – منبع الحق والحق هو الله تعالى . • هو القائل :لو غاب عنى رسول الله طرفة عين أو مقدار نفس ما عددت نفسى من المسلمين . • إذا أردت أن يكون لك نصيب مما لأولياء الله تعالى فعليك برفض الناس جملة واحده (ما المقصود بالرفض هنا؟ )إلا من يدلك على الله بإشاره صادقه و اعمال ثابته لا ينقضها كتاب او سنه . • أما فى أدب الدخول الى مسجد رسول الله فلنا فيه أسوه إذ يقول سيدنا ماضى : حججت معه سنه من السنين فلما وصلنا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على باب المسجد يطلب الإذن بالدخول عليه وقال هذا موضع قال الله فيه " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا ...."ثم وقف قبالة المقام وكشف عن رأسه وهو يقول " صلوات الله وملائكته ورسله وأنبيائه وجميع خلقه من أهل سماواته و أرضه عليك يا رسول الله وعلى أصحابه أجمعين " وأخذ يكررها وهو فى حال عظيم الى أن سكن ولما سأله سيدنا ماضى عن تكراره للسلام على رسول الله أجابه أن رسول الله كان يرد عليه السلام كل مره ( من كتاب درة الأسرار وتحفة الأبرار ) •من أقواله عندما سئل من أولياء الله ؟ قال رضى الله عنه : " الذين إذا رؤوا ذكر الله " فأعدل عن رؤية الأجسام الى رؤية المعانى واهتد بنور الله المستودع فى القلوب الذى به نظروا ووقفوا وتحققوا . • يعلِّم الشاذلى عن التصوف أنه صفاء تام للنفس وتقوى خالصه لله وحب وتعلق به وارتفاع بالروح بالعمل: * للصوفى الصحيح 4 صفات : 1-التخلق بأخلاق الله 2- حسن المجاوره لاوامر الله 3- ترك الأنتصار للنفس حياء من الله 4-ملازمة البساط بصدق الفناء مع الله ويستطيع المتأمل في كلمات السيد أبى الحسن أن يدرك أن "الفناء" يقصد به فناء النفس الدنيا التي تحجب الإنسان عن الوعي بالحق فيه وفي آيات الله حوله. • إننا ننظر إلى الله ببصر الأيمان والآيقان فأغنانا عن الدليل والبرهان فبالحب تهبط المعرفه فى القلب بلا دليل ولا برهان _ وهنا لا نرى أحدا من الخلق – هل فى الوجود سوى الملك الحق وإن كان لابد فكالهباء فى الهواء إذا تحققنا لم نجده شيئا . • يقول: فرغ لسانك للذكر وقلبك للتفكر وبدنك لمتابعة الآمر – أنت إذن من الصالحين . الأذكار أربعه : 1- ذكر تطرد به الغفله . 2- ذكر تذكر به الخوف من العذاب وحب النعيم . 3-ذكر يذكرك إن الحسنات من الله و السيئات منك وإن كان الله هو الفاعل . 4-ذكر نذكر به ذلك " فاذكرونى أذكركم" فيجرى لسانه بالذكر وهو موضع الفناء. *مقام العبوديه الثقه بالله والتسليم له . *من أدب مجالسة الاكابر عدم التجسس على عقائدهم وعدم تحديثهم بغير المنقول. (ليست مفهومة وهل هو الذي قالها؟) *إن أردت أن توفق للخشوع فاترك فضول النظرو إن أردت أن توفق للحكمه فاترك فضول الكلام. * لحلاوة العباده فعليك بالصوم وقيام الليل والتهجد فيه . *لآصلاح نفسك فاترك التجسس على عيوب الناس . * التجسس من شعب النفاق و حسن الظن من شعب الإيمان لله. * إن أردت أن تكون خير الناس فكن نافعا للناس . * الطريق الشاذلى دعوه للعمل والأخذ بالأسباب وليس التواكل والعمل بالكتاب والسنه وتلاوة الأحزاب ومجالس الذكر . * تشهد أقوال الإمام الشاذلى الكثيره تمسكه وتأكيده المستمر على ضرورة الألتزام بمتابعة السنه وكان يقول " إن الله قد ضمن لك العصمه فى الكتاب والسنه " و أن أى إلهام أو كشف يجب عرضه على الكتاب والسنه . * كان رضى الله عنه مثالا نادرا للمتصوف العامل على ريط الشريعه بالحقيقه ، داعيا أنه لاحقيقه بلا شريعه وأن أساس الحقيقه الشريعه. * يجب على الذاكر مراقبة النفس يقظا مما يمر به من خواطر ومراقبة النفس بدوام ذكر لا اله الا الله . *كان رضى الله عنه يقول : رأس النفس إرادتها ويداها وعلمها و عقلها ...وجلاها تدبيرها وإختيارها فإن أردت جهاد النفس فاحكم عليها بالعلم ، واسجنها فى قبضة الله فيما كنت ، واشك عجزك الى الله كلما غفلت. *يقول الشاذلى : مراكز النفس أربع 1- مركز للشهوه فى المخالفات . 2- الطاعات . 3- الميل للراحات . 4- فى العجز عن أداء المفروضات لله . فقال الشيخ قال الله تعالى " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد " ( آيه 5 سورة التوبه) . " العلماء ورثة الأنبياء " : قال الشاذلى رحمه الله "اعلم إن العلوم التى وقع الثناء علي أربابها وإن جلت فهى ظلمه فى علوم ذوى التحقيق – وهم الذين غرقوا فى تيار بحر الذات وغموض الصفات فكانوا بلا هم و هم (ما المقصود؟ إما أن نشرحها بكلمات قالها أو نحزفها) الخاصه العليا الذين شاركوا الآنبياء والرسل فى مراتبهم وإن جلت مراتب الأنبياء و الرسل قال النبى ص " العلماء ورثة الأنبياء ". أول طريق يطؤه المحب للترقى : 1- النفس – فيشتغل بأسبابها ورياضتها الى أن ينتهى الى معرفتها فإذا عرفها تشرق عليه أنوار المنزل الثانى وهو القلب 2- القلب _ فيشتغل بمعرفته فإذا صح له رقى الى المنزل الثالث وهوالروح 3- الروح –فيشتغل بسياستها ومعرفتها فإذا نمت له المعرفه بها هبت عليه أنوار اليقين 4- اليقين- فيشهد موجودا لا حدود له ولا غايه وتضمحل جميع الكائنات فيه فيشهدها فيه وبشهده فيها – ثم يمده الله بنور ذاته ما يحيه به حياه باقيه لا غايه لها – فصار أهل الموجودات نورا شائعا فى كل شئ من الله بالله إذ محال أن يحجبه غيره فيقول العبد: رب منك إليك فأقل عثرتى فإنى أعوذ بك منك حتى لا أرى غيرك فهذا هو سبيل الترقى الى حضره العلى الأعلى وهو طريق المحبين .الطريق المخصوص بالمحبين أول قدم بلا قدم – ألقى عليهم من نور ذاته فغيبهم عن عباده وحبب إليهم الخلوات . أصول وتعاليم الطريقه الشاذليه : 1- نقوى الله فى السر والعلن 2- إتباع السنه فى الأقوال و الأفعال 3-الاعراض عن الخلق فى الاقبال والأدبار 4- الرضا عن الله فى القليل و الكثير 5- الرجوع الى الله فى السراء و الضراء أ وضح الأمام أبو الحسن الشاذلى طريقته حين قال : طريق القصد الى الله- الذكر وبساطة العقل الصالح – ثمرته النور والتفكر وبساطة الصبر – ثمرته العلم والفقر و بساطة الشكر – ثمرته المزيد من النعم و الحب وبساطة بغض الدنيا وأهلها – ثمرته الوصول للمحبوب ومن أقواله خصلتان تسهلان الطريق الى الله "المعرفه والحب" وللشاذلى أسلوب فى التصوف : حيث أن للتصوف مزاجين مختلفين الأول – العزيمه والتضييق والتشدد أمثال ( الشيخ القشيرى – والسرىالسقطى) . الثانيه- السهوله و الرخصه و الأنبساط أمثال ( الشيخ الجنيد – الجيلى – الشاذلى ) وكان لسيدى أبو الحسن الشاذلى محاولات فى تفسير القرآن إذ كان يرى أن هناك جانب ظاهرى للآيات وجانب باطنى يحتاج لإثراء روحى مشرق المضمون و نفحه الهيه جميله كتفسيره ما تلك بيمينك يا موسى – فسرها بقوله هى دنياى أنفق بها على نفسى و أهلى فيقال له إلقها فيجدها حبه تسعى لعلك قابضها فيأخد حذره منها ثم يقال له خذها ولا تخف فكما القاها أولا بإذن حال بدايته فكذلك بإذن حال نهايته (عن اللوائح للشعرانى ص355) كذلك تفسير " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى" قال : من يظن أن علم الروح لم يحط به الخاصه العليا فقد وقع فى عظيمين – 1- جهل أولياء الله ووصفهم بالقصور 2- ظن بربهم أنه منعهم وكيف يظن على مخصوص؟ (غير واضح) الشاذلى و الكرامات : كان للأمام الشاذلى رضى الله عنه رأى فى الكرامات يقول فيه : " ما ثم كرامه أعظم من كرامة الأيمان ،و متابعة السنه ، فمن أعطيهما وجعل يشتاق لغيرهما فهو عبد مغتر كذاب ، وهو كمن أكرم بشهود فاشتاق الى سياسة الدواب . كل كرامه لا يصحبها الرضا من الله ، وعن الله ، و المحبه لله ، ومن الله ، فصاحبها مستدرج مغرور أو ناقص هالك" ( نور التحقيق من صحة أعمال الطرق ص 133 ) . و من أقواله رضى الله عنه ايضا : الكرامه الحقيقيه انما هى حصول الأستقامه الوصول الى كمالها ظاهرا وباطنا أما الكرامه بمعنى خرق العاده فلا عبره لها عند المحققين إذ قد يرزق بها من لم تكمل إستقامته وقد يرزق بها المستدرجون (نور التحقيق ص134 ) . ومن هذا كله نلاحظ أن الأمام الشاذلى يقدر الكرامه المعنويه بل وبعتبرها الكرامه الصادقه . ولم يهتم الأمام بتدوين دروسه ولكنه ربى رجالا بدل أن يخرج كتبا وقد سئل رضى عنه: لما لا تضع كتبا فى الدلاله على الله تعالى وعلوم القوم فقال رضى الله عنه كتبى أصحابى أما علوم المعارف الألهيه فهو قطب رحاها وشمس ضحاها . كان رضى الله عنه يدعو الله أن يتوفاه قى أرض لم يعصه فيها أحد قط وكان يحج كل عام وفى طريقه للحج آخر مره وهو بملابس الأحرام قال لخادمه اصطحب فأسا و قفه وحنوطا فسأله الخادم لماذا قال له فى حميثرا سترى وهى بصعيد مصر فى صحراء عيذاب. وهناك توضأ للصلاه وصلى ركعتين الأحرام وأوصى أصحابه بحزب البحر لوجود اسم الله الأعظم به وبات يناجى ربه و يذكر الله الله .فلما كان السحر سكن فظنوا أنه نام فحركوه فوجدوه قد إنتقل الى جوار ربه .رضى الله عن سيدنا أبو الحسن الشاذلى و أرضاه وجزاه عنا بما انتفعنا به وتعلمنا منه وأخذنا عنه فهو رضى الله عنه و أرضاه كان حلو الحديث، يبشر ولا ينفر ، بش الوجه كان فارسا حقيقيا للمعنى ظاهرا وباطنا .وهذا قليل من كثير عن شخصية العدد سيدنا أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه وأرضاه. ترجمة سيدنا أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه (591 – 656 هـ.) قال الفقيه الشافعي المشهور سراج الدين عمر بن علي المصري المعروف بابن الملقن (804 هـ.) في كتابه طبقات الأولياء في ترجمة الإمام أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه إنه علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف أبو الحسن الهذلي الشاذلي الضرير الزاهد نزيل السكندرية وشيخ الطائفة الشاذلية ، انتسب في بعض مصنفاته إلى الحسن بن علي بن أبي طالب فقال بعد يوسف المذكور بن يوشع بن برد بن بطال بن أحمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، كان كبير المقدار عالي المقام، صحب الشيخ نجم الدين بن الأصفهاني نزيل الحرم ومن أصحابه الشيخ أبو العباس المرسي.اهـ. وقال السيوطي (911هـ.) في حسن المحاضرة عند ذكر من كان بمصر من الصلحاء والزهاد والصوفية ما نصه: الشيخ أبو الحسن الشاذلي شيخ الطائفة الشاذلية هو الشريف تقي الدين علي بن عبد الله عبد الجبار، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيدما رأيت أعرف بالله من الشاذلي.اهـ. وقال المؤرخ صلاح الدين الصفدي في كتابه نكت الهميان إن المترجَم هو علي بن عبد الله بن عبدالجبار بن يوسف أبو الحسن الشاذلي ببالشين والذال المعجمتين وبينهما ألف وفي الآخر لام، وشاذلة قرية بإفريقية، المغربي الزاهد نزيل الإسكندرية وشيخ الطائفة الشاذلية، وقد انتسب في بعض مصنفاته إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو رجل كبير القدر كثير الكلام عالي المقام له نظم ونثر، وكان الشاذلي ضريراً وحج مرّات وتوفي رحمه الله تعالى بصحراء عيذاب قاصدَ الحج فدفن هناك في أول ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة.اهـ. وذكر ابن الملقن وعبد الوهاب الشعراني وغيرهما أن من مريديه القطب أبي العباس المرسي رضي الله عنه المدفون في الإسكندرية.اهـ.و أبو العباس المرسي شيخ ياقوت العرشي رضي الله عنهما. أقول ولو لم يكن لأبي الحسن الشاذلي من المريدين إلا سيدنا أبي العباس المرسي رضي الله عنه وكذا لو لم يكن لأبي العباس المرسي من المريدين إلا ياقوت العرشي لكفاهما دليلاً على علو كعبهما ومقامهما رضي الله عن الجميع. وكان من كلام سيدنا أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه مما: إن من أعظم القربات عند الله تعالى مفارقة النفس بقطع إرادتها وطلب الخلاص منها بترك ما تهوى لما يرجى من حياتها.اهـ. وليعلم أنه لا يجوز الطعن في من ثبتت عدالته وإمامته بنقل متشابه لا يثبت بل لا يصح عن المترجَم ولا عن أمثاله وهو من سوء الظن بعباد الله ما نهينا عنه، فمن اشتغل بما نقل من العبارات الموهمة عن هؤلاء الأعلام فقد عرض نفسه للانزلاق في متاهات الزندقة إذ ليس كل ما نقل عنهم بصحيح، وما ثبت منه بإسناد العدول فإن له مخرجاً صحيحاً موافقاً للشرع، وما لم يكن كذلك فإننا نبرّئ أبا الحسن الشاذلي وأمثاله رضي الله عنهم منه تحسيناً للظن بهم وهو ما أمِرنا به في من هو دونهم من عوامّ المسلمين فكيف بمن هو مثلهم من أئمة الورع والدين. ثم إننا لو تتبعنا كل ما قيل في أهل العلم لوجدنا انه لم ينجُ من الجرح أمثال أبي حنيفة النعمان بن ثابت والإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنهما إذ أنهما قد رميا حسداً وبغياً بما يلزم منه خروجهما من الملة وما ذاك إلا باطل من القول، بل رضي الله عنهما وأرضاهما وأمثالهما بما نفعوا الإسلام ونافحوا عنه. أخي الكريم، إن أردت الاستزادة في أمر الزهد والتصوف الإسلامي فارجع إلى رسالتي في الزهد هذا عنوانها: الزهد. وبارك الله بكم ونفعنا وإياكم بالصالحين من كانوا وحيث كانوا. |
|
#8
| ||||
| ||||
| ثامناً: الإمام أبو بكر الشبلى تاج الصوفية الامام الشبلي في رياض المحبة الالهية تتنزل النفحات القدسية والمعارف الربانية على قلوب العارفين الذين رفعت لهم الوية الاصطفاء في سجل الازل فشربت ذواتهم من معين الحب احلى كاسات الوصال وهامت ارواحهم في محيط النور اللانهائي حتى صارت نورا محضا يسبح في النور واحتجبت عن عيون الاغيار بحجاب البشرية واستترت بغلاف هذه الترابية , فالمظهر مع الخلق والجوهر مع الحق والمعنى في قول الشاعر : وما هو منهمر بالعيش هم ولكن معدن الذهب الرغام وفي ذرى المحبة الشامخة نلتقي بعارف من صفوة اولياء الله تعالى هو تاج الصوفية الامام الرباني سيدي ابو بكر الشبلي . قطب حلقت روحه بالافق الاعلى وارتفعت الى منازل الصديقين, وولي اسكرته انوار التجريد فنطق عن حقائق التوحيد بما يقطع اوهام الحائرين وينير دروب السالكين . فنلتمس زادا من النور المشع من قبس عرفانه لعل جذبة من اشراق فيضه تستل من اعماقنا استار الحجب , وتصل بنا الى ساحل الحقيقة والى افق النور . ولنأخذ اولا فيما لا بد منه من ترجمته الشخصية بالقدر الموصل لمدخل شخصيته : في تحقيق تسميته ذكر كثير من مؤرخي الصوفية ان اسمه دلف بن جحدر الشبلي بينما ذهب آخرون الى ان اسمه جعفر بن يونس , وقد روى السلمي هذه التسمية الاخيرة في طبقاته عن احد معاصريه , ورأى ذلك مكتوبا على قبر الامام الشبلي ببغداد . وأيا كان فالكل متفق على الكنية واللقب اللذين اشتهر بهما سيدي ابو بكر الشبلي . وقد ولد ببغداد سنة 247 ولحق بربه سنة 324 عن سبع وثمانين سنة , وهو خراساني الاصل , وقد نشأ في بغداد وكان والده حاجب الحجاب للخليفة الموفق , فتربى الشبلي في ظلال النعمة والمكرمة أخذا بنصيبه من الدين والدنيا , حيث تفقه على مذهب الامام مالك واشتغل بعلم الحديث وروى منه الكثير , ومن مروياته هذا الحديث الذي ذكره السلمي باسناده عن ابي سعيد قال : قال رسول الله لبلال : إلق الله فقيرا ولا تلقه غنيا . قال : يا رسول الله كيف لي بذلك ؟ قال ما سئلت فلا تمنع , وما رزقت فلا تخبأ . قال : يا رسول الله كيف لي بذلك ؟ قال : هو ذاك والا فالنار . ومع روايته للحديث واشتغاله بالعلم فقد ترقى في مناصب الدولة حتى صار واليا بنهاوند والبصرة واصبح مقربا من الخليفة واتسع مجده وشهرته ولكن المقادير كانت تدخر له من العناية ما لم يدر بخلده . فكان بدء عهده بطريق القوم حينما هيأت له الاقدار ان يحضر الى مجلس الصوفي بالعارف سيدي خير النساج . فاستمع الى حديثه في علوم القوم ورأى ما ابداه الشيخ من عجائب احواله وخوارقه , واحس الشبلي بوقع كلمات الشيخ في اعماق نفسه ووجدانه تكشف له عن مدى تفريطه في حق مولاه واعراضه عن طاعة سيده , فانهمرت دموع ندمه وتوبته وقام من مجلس الشيخ وقد تفجرت في اعماقه ذرات الخشية والانابة , وعزم على المضي في طريق مولاه فترك مركزه ورمى بجاهه وشهرته حتى لقد ذهب الى مقاطعة ( ودماوند ) التي اقطعها اياه الخليفة , وقال لاهلها : كنت والي بلدكم فاجعلوني في حل , وبدأ التحول الخطير في حياة العارف الشبلي , لقد صار يحس بتيار جارف من التعلق بالله يهز في اركان نفسه , وماذا يساوي ملك الدنيا باسرها بجانب نعيم لحظة يتصل فيها العبد بخالقه , اليس منه البدء واليه المنتهى ( فإلام الفرار من الله ومتى الفرار اليه ؟ )واسرع الشبلي للقاء الامام الجنيد سيد الطائفة الصوفية ليتلقى عنه اصول الطريق الصوفي ولينخرط في سلك اكرم طائفة , انها طائفة الربانيين من عباد الله . وعلى اهمية الاستمداد من محيط امدادات القوم جرى بينه وبين الامام الجنيد هذا الحوار الحافل بدرر المعاني , وهو كما يذكره صاحب التبر المسبوك : ان الشبلي قال للجنيد : ( لقد حدثوني عنك ان عندك جوهرة العلم الرباني الذي لا يضل صاحبه ولا يشقى , فاما ان تمنح واما ان تبيع. فقال الجنيد : لا استطيع ان ابيعها لك فما عندك ثمنها , وان منحتها لك اخذتها رخيصة فلا تعرف قدرها , ولكن وقد رزقت هذا العزم فهو علامة الاذن , وبشير التوفيق , فالق بنفسك غير هياب في عباب هذا المحيط مثلما فعلت انا , ولعلك ان صبرت وصاحبك التوفيق ان تظفر بها , واعلم ان طريقنا طريق المجاهدين الاخذين بقوله تعالى وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا فاجعل هذه الاية نصب عينك فهي معراجك الى ما تريد ) . ووضع الامام الشبلي قدمه على اول الطريق حيث تلقى نسبته الصوفية عن الامام الجنيد عن سيدي السري السقطي عن سيدي معروف الكرخي الذي نهل من نبع آل البيت . حيث اخذ عن سيدي علي الرضا من جهة كما اخذ عن سيدي داود الطائي عن التابعين من جهة اخرى , وكان الارتباط بين سيدي ابي بكر الشبلي وسيدي ابي القاسم الجنيد يفوق في مدلوله حد التصور , وانها صحبة لولاية في طريق الحق وانها خلة الروح على صراط المحبة , ولقد كان كل منهما كبيرا في عين الاخر شامخا في منزلته سامقا في رفعته , ولقد بلغ من تقدير الامام الجنيد لمكانة العارف الشبلي بين اقطاب الصوفية انه قال ( لكل قوم تاج وتاج قومنا الشبلي ) انها كلمة حق من سيد الطائفة , الامام الشبلي خليق بها واهل لها لاننا حينما نقلب صفحات الجهاد الروحي , ونستطلع الجانب العلمي عن العارف الشبلي سنجد – ولا شك – سطور من النور تشير الى سمو هذه الشخصية وعظم منزلها , فمن الناحية العلمية – وقد اشرنا اليها بصدد الحديث عن نشأته – يروي صاحب كتاب تاريخ بغداد بسنده عن الشبلي انه قال ( كتبت الحديث عشرين سنة وجالست الفقهاء عشرين سنة ) ومرة اخرى يقول الشبلي مشيرا الى نفسه ( اعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتى أنفق جميع ملكه وغرق في هذه الدجلة التي يرون سبعين قمطرا مكتوبا بخطه وحفظ الموطأ وقرأ بكذا وكذا قراءة ) . يروي صاحب الرسالة القشيرية ان فقيها من اكابر الفقهاء كانت حلقته بجانب حلقة الشبلي في جامع المنصور : وكان يقال لذلك الفقيه ( ابو عمران ) وكانت تتعطل عليهم حلقاتهم لكلام الشبلي فسال اصحاب ابي عمران يوما الشبلي عن مسالة في الحيض – وقصدوا اخجاله – فذكر مقالات الناس في تلك المسالة والخلاف فيها , فقام ابو عمران وقبل راس الشبلي وقال : يا ابا بكر : استفدت في هذه المسالة عشر مقالات لم اسمعها , وكان عندي من جملة ما قلت ثلاثة اقاويل . أهـ . وكان للشبلي لسان عال في الطريق ومحجة قوية في الشريعة يشهد بها كل من تصدى لجداله من الفقهاء , فقد كان ابن بشار ينهى الناس عن الاجتماع للشبلي والاستماع لكلامه فجاءه ابن بشار يوما ممتحنا فقال له : كم في خمس من الابل. فسكت الشبلي فاكثر عليه ابن بشار فقال له الشبلي : ( في واجب الشرع شاة وفيما يلزم امثالنا كلها). فقال له ابن بشار : هل لك في ذلك امام ؟. قال : نعم . قال من ؟ قال : ابو بكر الصديق حيث اخرج ماله فقال له النبي ما خلفت لعيالك ؟ قال : الله ورسوله . فرجع ابن بشار ولم ينه بعد ذلك احدا عن الاجتماع بالشبلي . لقد كان وراء علم الشبلي بالشرع علم اخر اخذه عن الله الهاما بلا واسطة , وكان يقول عن علم القوم ( ما ظنك بعلم علم العلماء فيه تهمة ) !! فالعلم المكتسب لا يقاس بعلم اهل الله وشتان بين علم اخذ عن الخالق وعلم اخذ عن المخلوق . وهذه صفحة اخرى من جهاد الشيخ في عبادته وعلمه , لقد دخل عليه ابو بكر بن مجاهد فحادثه فسأله عن حاله فقال : ( ترجو الخير تختم في كل يوم ختمتين او ثلاثا ) قال له الشبلي : ( ايها الشيخ قد ختمت في تلك الزاوية ثلاث عشرة الف ختمة , ان كان فيها شيء فقد وهبته لك واني لفي درسه منذ ثلاث واربعين سنة ما انتهيت الى ربع القران ) ولقد قصد الشبلي بتلاوة القران الكريم وجه الله , اما الثواب فقد وهبه لمن يبتغيه , ولقد كان حسبه ان يناجي مولاه بكلامه ثلاث عشرة الف ختمة , ولم يرد ثمنا لهذه المناجاة لانها خالصة لله , فاي نوع هذا من الاخلاص ؟ انه اخلاص الحب لذات الله بعيدا عن منطق الثواب والعقاب . ثم لنطل على جانب اخر من جوانب الجهاد الروحي عن الامام الشبلي حيث نرى جهاد النفس في طاعة الله وحيث نشرف على مقام المحبة عن هذا الولي . ان الشبلي منذ عرف طريق القوم قد قطع على نفسه عهدا بالتجرد لمولاه فالحب الذي غمر قلبه لله يأبى ادنى مشاركة فاختط لنفسه طريق الجهاد الاكبر مع نفسه وهواه , وبلغ به الحد في مجاهدته نفسه انه كان يكتحل بالملح حتى لا ينام ويعتاد السهر , وحينما لامه اصحابه في قلة النوم قال لهم ( سمعت الحق يقول لي : من نام غفل ومن غفل حجب , وكان هذا سبب اكتحالي بالملح حتى لا انام ) لقد كان يبيت الليل ساهرا يقطع انفاس السحر في قيام لربه وليسكب في دياجي الليل أنات الخشية والانابة انه الحب الالهي الذي لا يقاس به حب في الوجود , واذا كان عشق المخلوق قد افضى بقيس بن عامر الى الجنون بليلاه فكيف بعشق الخالق ؟ والمحبة الالهية لها وصف لا يعرفه الا من ارتوى من سلافها , وقد وصف الشبلي المحب قائلا : ( المحبة كأس لها وهج ان استقرت في الحواس قتلت , وان سكنت في النفوس اسكرت , فهي سكر في الظاهر ومحبة في الباطن ) . ومرة اخرى يقول ( المحبة بحار بلا شاطئ وليل بلا آخر وهم بلا فرح وعلة بلا طبيب وبلاء بلا صبر ويأس بلا رجاء ) انها قمة المحبة التي تفنى المحب وتأخذه عن نفسه لمحبوبه , وان الولي لا يصل الا باشراق شمسها في قلبه , فهي دليله ومنهاجه لذا يقول الشبلي ( صراط الاولياء المحبة ) ولكثرة ما بدا على الشبلي من لوائح هذه المحبة مع انه كان على بسطة في الجسم فقد قال له احد اصحابه يا ابا بكر : نراك جسيما بدينا والمحبة تضني ؟ فانشد قائلا : احب قلبي وما درى بدني ولو درى ما اقام في السمن وللامام الشبلي معراج في الحقيقة يسمو الى مراقي يضيق عنها حد العبارة , ولقد عبر عن تلك المراقي السامية في مقام يسميه الصوفية مقام الاستطالة , حيث يؤذن للولي ان يتحدث بما انعم الله به عليه , فلقد سئل مرة من انت ؟ فقال : ( النقطة التي تحت الباء ) . وهذه العبارة رمز لفنائه في حقيقة الحقائق التي قامت بها العوالم كلها , ولقد حدث ان العارف الحلاج – وهو من اقرب اصحاب الشبلي واحبهم اليه – قد صرح في هذا المقام بما لا تطيقه عقول العامة واشباههم . فكان من امره ما كان , واذ قال العارف الشبلي ( كنت انا والحسين بن منصور شيئا واحدا الا انه ظهر وكتمت ) . ولقد تحدث الشبلي عن مفهوم التصوف والصوفية فاعطى لهذا المفهوم روحا جيدة من نفس مشرعة في الحب والتحقق فهو يعرف التصوف قائلا : ( هو العصمة عن رؤية الاكوان ) اي عن الرؤية القلبية التي يحتجب فيها الانسان بالكون عن الكون . ثم يقول عن الصوفي : ( الصوفي منقطع عن الخلق متصل بالحق ) كقوله تعالى : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي قطعه عن كل غير ثم قال له لَن تَرَانِي . وقيل له : لم سميت الصوفية بهذا الاسم ؟ فقال : لبقية بقيت عليهم , ولولا ذلك ما تعلقت بهم تسمية , ومرمى عبارته : ان الصوفي حين ينقطع عن نفسه لمولاه لا يتم له هذا الانقطاع تماما اذ يتبقى له جزء من انيته وحقيقته , وهذا هو الجزء هو متعلق التسمية ولولاه لكان عدما محضا والعدم لا تلحقه التسمية . اما عن المنهج الذي سار عليه الامام الشبلي في تربية المريدين فهو ينحصر في التعلق التام والدائم بالله تعالى . فان صفاء القلب يتعكر بادنى شاغل عن الله . ومن صور تطبيق هذا المنهج ما ذكره الامام الشعراني من ان العارف الشبلي كان يقول لتلميذه الحصري وهو في بداية امره بالطريق ( ان خطر ببالك من الجمعة الى الجمعة الثانبة غير الله فحرام عليك ان تحضرني ) انها تربية الرجال لولاية الله , فتفريغ القلب من الدنيا هو اول خطوة على طريق الوصول . يقول الشبلي : ( انا الملك اين الملوك ؟ ان الله لم يحتجب عن خلقه انما الخلق احتجبوا عنه بحب الدنيا ) وهو يسأل من ركن بقلبه الى الدنيا قائلا : (كيف يصح لك شيء من التوحيد وكلما ملكت شيئا من الدنيا ملكك وكلما ابصرت شيئا صرت اسيره ) واذا ففلسفة الزهد عند الشبلي انما هي تحويل القلب من الاشياء الى رب الاشياء , وعندئذ لا يضير الصوفي ان يملك الدنيا باسرها لان قلبه ملك لله وحده , ومن اطرف ما يروى عن الشبلي ما يصور نظرته للدنيا انه كانت عنده جماعة من الفقراء فاصابهم فاقة وشدة فكتب الى وزير الخليفة . بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد وجه لنا شيئا من دنياك . , فكتب اليه الوزير على ظهر الرقعة : يا شبلي سل دنياك من مولاك . فكتب اليه الشبلي ( انما الدنيا شيء دني ولا يسأل الدني الا من الدني , الدنيا هذه ولك منها عبرة فمن يريد العبرة فهو اقل من العبرة ) . فوجه اليه الوزير عشرة الاف درهم . ان الشبلي لم يكن مقصده في هذه الواقعة طلب الدنيا لنفسه , وانما هو طلب حق الفقراء في مال الامة . اما هو فما له والدنيا , انه عاكف في حضرة مولاه يناجيه ويتقرب اليه ويقول : ( الهي ان هربت منك طلبتني وان قصدتك اتعبتني فليس لي معك راحة ولا مع غيرك انس . فالمستغاث منك اليك ) وقال له الامام الجنيد يوما : ( لو رددت امرك الى الله لاسترحت ) فقال له الشبلي ( يا ابا القاسم لو رد الله اليك امرك لاسترحت ) فقال الجنيد ( سيوف الشبلي تقطر دما ) انه العارف المستغرق مع ربه , وهو القائل : ( سهو طرفة عين لاهل المعرفة شرك بالله ) عارف يتحدث عن نفسه وعن حاله مع الله , وسئل متى يكون العارف بمشهد من الحق ؟ فقال : ( اذا بدا الشاهد وفنى الشواهد وذهب الحواس واضمحل الاحساس ) . وقال في حقيقة الذكر : ليس من استانس بالذكر كمن استانس بالمذكور وانشد قائلا : ذكرتك لا اني نسيتك لمحة وايسر ما في الذكر ذكر لساني وكدت بلا وجد اموت من الهوى وهام على القلب بالخفقان فلما اراني الوجد انك حاضري شهدتك موجودا بكل مكان فخاطبت موجودا بغير تكلم ولاحظت معلوما بغير عيان وبعد : فلماذا نقول عن امام في المعرفة ارتفعت فوق المحبة الالهية اعلامه , وسرت عبر آماد الدهر اقباس انواره لتوقد مصابيح القلوب , وتحدو ركب السائرين الى نهاية المطاف , فمهما يخط القلم فلن يجف النبع ولن تتطاول الاعين لكي تحدق في عين الشمس لتحيط بجوهرها , وانما هو شعاع من الضوء اقتبسناه لنتطلع الى افق مليء بالنور, فرضي الله عن الامام الشبلي في الخالدين , وجمعنا به في مقعد صدق عند مليك مقتدر . حضرة السيد الشيخ أبو بكر الشبلي (قدس الله سره) الشيخ الكبير ، العارف الخطير ، ذو الفضل الجلي . اسمه أبوبكر دلف بن حجدر، وقيل (جعفر) الشبلي، ولد سنة 247 هـ تقريبا، وهو خرساني في الاصل، بغدادي المولد والمنشأ. ويقال إن مولده في سامراء. كان واليا في دنباوند وهي ناحية من رسناق الري في الجبال، تاب في مجلس خير النساج ومضى الى أهلها وقال: كنت والي بلدكم فاجعلوني في حل. صحب ابا القاسم الجنيد شيخ الطريقة الصوفية ومن في عصره من الصلحاء. وهو أول من سمى التصوف بعلم الخرق، في مقابل علم الورق (اي الفقه والعلم الظاهر)، وقد ورد ذلك في ابيات شعر منسوبة الى الشبلي، ذكرها علي بن مهدي، حيث وقف في بغداد على حلقة الشبلي فنظر اليه فوجد معه محبرة فأنشأ الشبلي يقول: تسربلتُ للحرب ثوب الغرق وهمتُ البلاد لوجد القلق ففيك هتكت قناع الغـوى وعنك نطقتُ لدى من نطق اذا خاطبوني بعلم الـورق برزت عليهم بعلم الخـرق معاصريه : صحب الجنيد وأقرانه ، ومن اصحابه الحسين بن محمد وابو الحسن الحصري ومحمد بن احمد بن حمدون الفراء وبندار بن الحسين وابو سهل الصعلوكي . مسكنه : بغداد . حياته : كان في علم التصوف والتحقبق كالبحر العميق وفي علم الحديث والفقه بالغ مبالغ التحقيق ورتبة الاجتهاد . كان في ملاحظة نظر الجنيد متدرعاً بالرياضات له اقوال معتبرة . وكلام الجنيد في حقه : لاتنظروا إلى ابي بكر الشبلي بالعين التي ينظر بعضكم إلى بعض فأنه عين من عيون الله . وقال : لكل قوم تاج ، وتاج هذا القوم الشبلي ، وذاك الشارب رحيق المعرفة . أشتهر بمجاهداته في أول امره وكان يكتحل بالملح ليعتاد السهر وكان يبالغ في تعظيم الشرع المكرم . من اقواله : قال عن التصوف: (هو ترويح القلوب، وتجليل الخواطر بأردية الوفاء، والتخلق بالسخاء والبشر في اللقاء، وهو الجلوس مع الله بلا هم) . وعن حالات الخطف الصوفي تحدث الشبلي قائلاً : (ان التصوف برقة محدقة)، وهي البرقة التي تقوده الى وحدة الشهود، فالصوفي من لا يرى في الدارين مع الله غير الله، فالله هو الواحد الأحد القادر المهيمن. وكانت مناجاته للهتستولي على فكره وجوارحه وتبعده عن الانتباه الى حاجات نفسه. وقال الشبلي : ( وتحسبني حياً وإني لَميتٌ وبعضي من الهجران يبكي على بعض ) ويرى الشبلي انه (ليس للمريد فترة ولا لعارف معرفة ولا للمعرفة علاقة ولا للمحب سكون ولا للصادق دعوى ولا للخائف قرار ولا للخلق من الله فرار) . ومن كراماته : قال : أعتقدت وقتاً ان لا اكل إلا من الحلال فكنت ادور في البراري فرأيت شجرة فمددت يدي اليها لآكل فنادتني الشجرة أحفظ عليك عقدك لاتاكل مني فاني ليهودي . وكان يأخذه الوله فيغيب ويرد في اوقات الصلوات إلى حسه حتى لايفوته شيء مما يتوجب عليه منه التكاليف فإذا فرغ من صلاته أخذه الوله وصار لايعقل . وفاتـه : انتقل في ذي الحجة سنة 334 هـ عن عمر بلغ 87 عام ، وقبره في قصبة الإمام الاعظم ظاهراً يزار . المصادر : - ابن الملقن - طبقات الأولياء - ص 126 . - تذكرة الأولياء - مرتضى بن محمد آل نظمي البغدادي - ص173 – 176 . - عبد الرؤوف المناوي- الكواكب الدرية ج1 - ص 213 – 217 . - ابن الملقن - طبقات الأولياء - ص204 . - ابي عبد الرحمن السلمي - طبقات الصوفية - ص337. - يوسف النبهان - جامع كرامات الأولياء ج2 - ص8. - تذكرة الأولياء - مرتضى بن محمد آل نظمي البغدادي - ص 183 – 186 . |
|
#9
| ||||
| ||||
| تاسعا: الامام النووى الإخلاص هو صاحب أشهر ثلاثة كتب يكاد لا يخلو منها بيت مسلم وهي " الأربعين النووية " و"الأذكار" و "رياض الصالحين"، وبالرغم من قلة صفحات هذه الكتب وقلة ما بذل فيها من جهد في الجمع والتأليف إلا أنها لاقت هذا الانتشار والقبول الكبيرين بين الناس، وقد عزى كثير من العلماء ذلك، إلى إخلاص النووي رحمه الله، فرب عمل صغير تكبره النية. فمع سيرة الإمام النووي ومواقف من حياته. نسَبُه ومَوْلده هو الإِمام الحافظ شيخ الإسلام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مُرِّي بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حِزَام، النووي نسبة إلى نوى، وهي قرية من قرى حَوْران في سورية، ثم الدمشقي الشافعي، شيخ المذاهب وكبير الفقهاء في زمانه. ولد النووي رحمه اللّه تعالى في المحرم 631 هـ في قرية نوى من أبوين صالحين، ولما بلغ العاشرة من عمره بدأ في حفظ القرآن وقراءة الفقه على بعض أهل العلم هناك، وصادف أن مرَّ بتلك القرية الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي، فرأى الصبيانَ يُكرِهونه على اللعب وهو يهربُ منهم ويبكي لإِكراههم ويقرأ القرآن، فذهب إلى والده ونصحَه أن يفرّغه لطلب العلم، فاستجاب له. وفي سنة 649 هـ قَدِمَ مع أبيه إلى دمشق لاستكمال تحصيله العلمي في مدرسة دار الحديث، وسكنَ المدرسة الرواحية، وهي ملاصقة للمسجد الأموي من جهة الشرق. وفي عام 651 هـ حجَّ مع أبيه ثم رجع إلى دمشق. أخلاقُهُ وَصفَاتُه أجمعَ أصحابُ كتب التراجم أن النووي كان رأساً في الزهد، وقدوة في الورع، وعديم النظير في مناصحة الحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويطيب لنا في هذه العجالة عن حياة النووي أن نتوقف قليلاً مع هذه الصفات المهمة في حياته: الزهد تفرَّغَ الإِمام النووي من شهوة الطعام واللباس والزواج، ووجد في لذّة العلم التعويض الكافي عن كل ذلك. والذي يلفت النظر أنه انتقل من بيئة بسيطة إلى دمشق حيث الخيرات والنعيم، وكان في سن الشباب حيث قوة الغرائز، ومع ذلك فقد أعرض عن جميع المتع والشهوات وبالغ في التقشف وشظف العيش. الورع وفي حياته أمثلة كثيرة تدلُّ على ورع شديد، منها أنه كان لا يأكل من فواكه دمشق، ولما سُئل عن سبب ذلك قال: إنها كثيرة الأوقاف، والأملاك لمن تحت الحجر شرعاً، ولا يجوز التصرّف في ذلك إلا على وجه الغبطة والمصلحة، والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها اختلاف بين العلماء.ومن جوَّزَها قال: بشرط المصلحة والغبطة لليتيم والمحجور عليه، والناس لا يفعلونها إلا على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، فكيف تطيب نفسي؟. واختار النزول في المدرسة الرواحيّة على غيرها من المدارس لأنها كانت من بناء بعض التجّار. وكان لدار الحديث راتب كبير فما أخذ منه فلساً، بل كان يجمعُها عند ناظر المدرسة، وكلما صار له حق سنة اشترى به ملكاً ووقفه على دار الحديث، أو اشترى كتباً فوقفها على خزانة المدرسة، ولم يأخذ من غيرها شيئاً. وكان لا يقبل من أحد هديةً ولا عطيّةً إلا إذا كانت به حاجة إلى شيء وجاءه ممّن تحقق دينه. وكان لا يقبل إلا من والديه وأقاربه، فكانت أُمُّه ترسل إليه القميص ونحوه ليلبسه، وكان أبوه يُرسل إليه ما يأكله، وكان ينام في غرفته التي سكن فيها يوم نزل دمشق في المدرسة الرواحية، ولم يكن يبتغي وراء ذلك شيئاً. مُناصحَتُه الحُكّام لقد توفرت في النووي صفات العالم الناصح الذي يُجاهد في سبيل اللّه بلسانه، ويقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو مخلصٌ في مناصحته وليس له أيّ غرض خاص أو مصلحة شخصية، وشجاعٌ لا يخشى في اللَّه لومة لائم، وكان يملك البيان والحجة لتأييد دعواه. وكان الناسُ يرجعون إليه في الملمّات والخطوب ويستفتونه، فكان يُقبل عليهم ويسعى لحلّ مشكلاتهم، كما في قضية الحوطة على بساتين الشام: لما ورد دمشقَ من مصرَ السلطانُ الملكُ الظاهرُ بيبرسُ بعد قتال التتار وإجلائهم عن البلاد، زعم له وكيل بيت المال أن كثيراً من بساتين الشام من أملاك الدولة، فأمر الملك بالحوطة عليها، أي بحجزها وتكليف واضعي اليد على شيءٍ منها إثبات ملكيته وإبراز وثائقه، فلجأ الناس إلى الشيخ في دار الحديث، فكتب إلى الملك كتاباً جاء فيه "وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم أنواعٌ من الضرر لا يمكن التعبير عنها، وطُلب منهم إثباتٌ لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحلّ عند أحد من علماء المسلمين، بل مَن في يده شيء فهو ملكه لا يحلّ الاعتراض عليه ولايُكلَّفُ إثباته" فغضب السلطان من هذه الجرأة عليه وأمر بقطع رواتبه وعزله عن مناصبه، فقالوا له: إنه ليس للشيخ راتب وليس له منصب. لما رأى الشيخ أن الكتاب لم يفِدْ، مشى بنفسه إليه وقابله وكلَّمه كلاماً شديداً، وأراد السلطان أن يبطشَ به فصرف اللَّه قلبَه عن ذلك وحمى الشيخَ منه، وأبطلَ السلطانُ أمرَ الحوطة وخلَّصَ اللَّه الناس من شرّها. حَيَاته العلميّة تميزت حياةُ النووي العلمية بعد وصوله إلى دمشق بثلاثة أمور: الأول: الجدّ في طلب العلم والتحصيل في أول نشأته وفي شبابه، وقد أخذ العلم منه كلَّ مأخذ، وأصبح يجد فيه لذة لا تعدِلُها لذة، وقد كان جادّاً في القراءة والحفظ، وقد حفظ التنبيه في أربعة أشهر ونصف، وحفظ ربع العبادات من المهذب في باقي السنة، واستطاع في فترة وجيزة أن ينال إعجاب وحبَّ أستاذه أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد المغربي، فجعلَه مُعيد الدرس في حلقته. ثم درَّسَ بدار الحديث الأشرفية، وغيرها. الثاني: سعَة علمه وثقافته، وقد جمع إلى جانب الجدّ في الطلب غزارة العلم والثقافة المتعددة، وقد حدَّثَ تلميذُه علاء الدين بن العطار عن فترة التحصيل والطلب، أنه كان يقرأ كلََّ يوم اثني عشر درساً على المشايخ شرحاً وتصحيحاً، درسين في الوسيط، وثالثاً في المهذب، ودرساً في الجمع بين الصحيحين، وخامساً في صحيح مسلم، ودرساً في اللمع لابن جنّي في النحو، ودرساً في إصلاح المنطق لابن السكّيت في اللغة، ودرساً في الصرف، ودرساً في أصول الفقه، وتارة في اللمع لأبي إسحاق، وتارة في المنتخب للفخر الرازي، ودرساً في أسماء الرجال، ودرساً في أصول الدين، وكان يكتبُ جميعَ ما يتعلق بهذه الدروس من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة. الثالث: غزارة إنتاجه، اعتنى بالتأليف وبدأه عام 660 هـ، وكان قد بلغ الثلاثين من عمره، وقد بارك اللّه له في وقته وأعانه، فأذاب عُصارة فكره في كتب ومؤلفات عظيمة ومدهشة، تلمسُ فيها سهولةُ العبارة، وسطوعَ الدليل، ووضوحَ الأفكار، والإِنصافَ في عرض آراء الفقهاء، وما زالت مؤلفاته حتى الآن تحظى باهتمام كل مسلم، والانتفاع بها في سائر البلاد. ويذكر الإِسنوي تعليلاً لطيفاً ومعقولاً لغزارة إنتاجه فيقول: اعلم أن الشيخ محيي الدين رحمه اللّه لمّا تأهل للنظر والتحصيل، رأى أن من المسارعة إلى الخير؛ أن جعل ما يحصله ويقف عليه تصنيفاً ينتفع به الناظر فيه، فجعل تصنيفه تحصيلاً، وتحصيله تصنيفاً، وهو غرض صحيح وقصد جميل، ولولا ذلك لما تيسر له من التصانيف ما تيسر له". ومن أهم كتبه "شرح صحيح مسلم" و"المجموع" شرح المهذب، و"رياض الصالحين" و"تهذيب الأسماء واللغات"، والروضة روضة الطالبين وعمدة المفتين"، و"المنهاج في الفقه" و"الأربعين النووية" و"التبيان في آداب حَمَلة القرآن" و"الأذكار "حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار المستحبّة في الليل والنهار"، و"الإِيضاح" في المناسك. شيوخه من شيوخه في الفقه: 1.عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري، تاج الدين، عُرف بالفِرْكاح، توفي سنة 690 هـ. 2. إسحاق بن أحمد المغربي، الكمال أبو إبراهيم، محدّث المدرسة الرواحيّة، توفي سنة 650 هـ. 3. عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسي ثم الدمشقي، أبو محمد، مفتي دمشق، توفي سنة 654 هـ. 4. سلاَّر بن الحسن الإِربلي، ثم الحلبي، ثم الدمشقي، إمام المذهب الشافعي في عصره، توفي سنة 670 هـ. ومن شيوخه في الحديث: 1.إبراهيم بن عيسى المرادي، الأندلسي، ثم المصري، ثم الدمشقي، الإِمام الحافظ، توفي سنة 668 هـ. 2. خالد بن يوسف بن سعد النابلسي، أبو البقاء، زين الدين، الإِمام المفيد المحدّث الحافظ، توفي سنة 663 هـ. 3. عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري، الحموي، الشافعي، شيخ الشيوخ، توفي سنة 662 هـ. 4. عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقدسي، أبو الفرج، من أئمة الحديث في عصره، توفي سنة 682 هـ. 5. عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد الحرستاني، أبو الفضائل، عماد الدين، قاضي القضاة، وخطيب دمشق. توفي سنة 662 هـ. 6. إسماعيل بن أبي إسحاق إبراهيم بن أبي اليُسْر التنوخي، أبو محمد تقي الدين، كبير المحدّثين ومسندهم، توفي سنة 672 هـ. 7. عبد الرحمن بن سالم بن يحيى الأنباري، ثم الدمشقي الحنبلي، المفتي، جمال الدين. توفي سنة 661 هـ. 8. ومنهم: الرضي بن البرهان، وزين الدين أبو العباس بن عبد الدائم المقدسي، وجمال الدين أبو زكريا يحيى بن أبي الفتح الصيرفي الحرّاني، وأبو الفضل محمد بن محمد بن محمد البكري الحافظ، والضياء بن تمام الحنفي، وشمس الدين بن أبي عمرو، وغيرهم من هذه الطبقة. ومن شيوخه في علم الأصول أما علم الأصول، فقرأه على جماعة، أشهرهم: عمر بن بندار بن عمر بن علي بن محمد التفليسي الشافعي، أبو الفتح. توفي سنة 672 هـ. شيوخه في النحو واللغة وأما في النحو واللغة، فقرأه على: الشيخ أحمد بن سالم المصري النحوي اللغوي، أبي العباس، توفي سنة 664 هـ.والفخر المالكي.والشيخ أحمد بن سالم المصري. مسموعاته سمع النسائي، وموطأ مالك، ومسند الشافعي، ومسند أحمد بن حنبل، والدارمي، وأبي عوانة الإِسفراييني، وأبي يعلى الموصلي، وسنن ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، وشرح السنّة للبغوي، ومعالم التنزيل له في التفسير، وكتاب الأنساب للزبير بن بكار، والخطب النباتية، ورسالة القشيري، وعمل اليوم والليلة لابن السني، وكتاب آداب السامع والراوي للخطيب البغدادي، وأجزاء كثيرة غير ذلك. تلاميذه وكان ممّن أخذ عنه العلم: علاء الدين بن العطار، وشمس الدين بن النقيب، وشمس الدين بن جَعْوان، وشمس الدين بن القمَّاح، والحافظ جمال الدين المزي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ورشيد الدين الحنفي، وأبو العباس أحمد بن فَرْح الإِشبيلي، وخلائق. وَفَاته وفي سنة 676 هـ رجع إلى نوى بعد أن ردّ الكتب المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم وبكى، وزار أصحابه الأحياء وودّعهم، وبعد أن زار والده زار بيت المقدس والخليل، وعاد إلى نوى فمرض بها وتوفي في 24 رجب. ولما بلغ نعيه إلى دمشق ارتجّت هي وما حولها بالبكاء، وتأسف عليه المسلمون أسفاً شديداً، وتوجّه قاضي القضاة عزّ الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة عليه في قبره، ورثاه جماعة، منهم محمد بن أحمد بن عمر الحنفي الإِربلي، وقد اخترت هذه الأبيات من قصيدة بلغت ثلاثة وثلاثين بيتاً: عزَّ العزاءُ وعمَّ الحــادث الجلــل *** وخاب بالموت في تعميرك الأمل واستوحشت بعدما كنت الأنيـس لهـا *** وساءَها فقدك الأسحارُ والأصـلُ وكنت للدين نوراً يُستضاء به مسـدَّد *** منـك فيــه القولُ والعمــلُ زهدتَ في هــذه الدنيا وزخرفـها *** عزماً وحزماً ومضروب بك المثل أعرضت عنها احتقاراً غير محتفل *** وأنت بالسعـي في أخـراك محتفل وهكذا انطوت صفحة من صفحات عَلَمٍ من أعلاَم المسلمين، بعد جهاد في طلب العلم، ترك للمسلمين كنوزاً من العلم، لا زال العالم الإسلامي يذكره بخير، ويرجو له من اللَّه تعالى أن تناله رحماته ورضوانه. رحم اللّه الإِمام النووي رحمة واسعة، وحشره مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وجمعنا به تحت لواء سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم. ـــــــــــــــ (1) مستقاة بتصرف من مقدمة كتاب الأذكار والمصادر التالية: (2) طبقات السبكي 8/395ـ 400، وتذكرة الحفاظ 4/1470 ـ 1474، والبداية والنهاية 13/278، ومعجم المؤلفين 13/202، و"الاهتمام بترجمة الإِمام النووي شيخ الإِسلام للسخاوي، والنووي؛ للشيخ علي الطنطاوي والإِمام النووي للشيخ عبد الغني الدقر. والمنهاج السوي في ترجمة محيي الدين النووي للسيوطي. طبعة دار التراث الأولى 1409 هـ تحقيق: د. محمد العيد الخطراوي. |
|
#10
| ||||
| ||||
| عاشرا:الإمام الحسين بن منصور الحلاج الحلاج رمز من رموز الأدب العالمي : الحـــلاج رمـز الشهيد الحــر والزعيم المؤثر والنموذج الرفيع للرجل الباذل لوجوده من أجل مبادئه والإنسانية في الأدب العربي نفسه , لقد اكتسب الحلاج في العصر الحديث صفة العالمية . ففي مطلع القرن العشرين أحيا ماسينيون ذكر الحلاج حين زار بغداد سنة 1908م ضمن بعثة آثارية فصور قبر الحلاج وغيره ثم كتب عبارته (أنا الحق) بحثا ألقاه في مؤتمر المستشرقين الذي انعقد في أثينا سنة 1912 ونشر ديوانه وكتابه الطواسين وأخباره والنصوص التي دارت حوله , وتوّج ذلك كله برسالة مطولة للدكتوراه كان عنوانها (عذاب الحلاج) فنبه بذلك الأدباء والشعراء والباحثين في الشرق والغرب إلى أهميته الأدبية والتاريخية والفكرية كما نبههم فيتزجرالد قبل ذلك إلى الخيام وجمال رباعياته . وابتداءً من الخمسينيات صار الحلاج رمز من رموز الأدب العالمي , فكتب في رثاءه وتمجيده كثير من الشعراء والأدباء ومن أبرزهم شاعرنا عبدالوهاب البياتي , والشاعران السوريان علي أحمد سعيد وعدنان مردم والقاص اللبناني ميشال فريد غريب , والشاعر المصري صلاح عبدالصبور والمسرحي التونسي عزالدين المدني , وغيرهم ممن يصلح إنتاجهم موضوعا لكتاب برأسه يدرس الظاهرة الحلاجية في الأدب المعاصر . وإتماما للصفة العالمية للحلاج في العصر الحديث لا بدَّ من ذكر الأستاذة المستشرقة أنة ماري شيمل التي كتبت عنه كتابها بالألمانية الحلاج شهيد الحب الإلهي وكذلك الأستاذ الدكتور هربت ميسن الذي ألف مسرحيته الشعرية بالأنجليزية (موت الحلاج) . سيرة الحلاج : هو أبو المغيث الحسين بن منصور بن محي البيضاوي ولد في قرية الطور في الشمال الشرقي من مدينة البيضاء من مدن مقاطعة فارس بإيران والى الشمال من مدينة شيراز في عام 244هـ /858م . نزلت اسرة الحلاج واسط بعد مقتل أبيه في فترة كانت تغلي بالحروب الداخلية ثم قصد هو تُستر (شوشتر) على نهر كارون ليصحب سهل بن عبدالله التستري أحد كبار الصوفية في القرن الثالث الهجري وتنقل الحلاج بين شيوخ التصوف المعاصرين حتى وصل الى بغداد ليأخذ عن الجنيد البغدادي شيخ الطائفة الصوفية ولكن الجنيد لم يقبله قبولا حسنا لثقة الحلاج المفرطة بنفسه ومبالغته في ممارسة الرضة النفسية والجسدية . قصد الحلاج مكة حاجا ليعود الى الاهواز بالقرب من موطنه القديم واعضا ولكنه لم ينجح النجاح المطلوب جعل يتنقل في خراسان وفارس والعراق ثم ألقى عصى الترحال في بغداد . حاول الحلاج أن يدعو الى مذهب سياسي وروحي يقوم على فقه معين ورياضة صوفية تتميز كلها بالتطرف والشدة والإصرار على الوصول الى هدف مستهينا بالعقبات ولو بلغت الموت نفسه. القي القبض على الحلاج سنة 301هـ بتهمة القرمطة وشهر في بغداد معلقا بحبل مدة ثلاثة أيام ولما أثبت التحقيق بأنه كان يعمل لحسابه خيف من قتله وثورة أنصاره سجن في دار السلطان في بناية شيدت خصيصا له ثم شكلت محاكمة من قاضي القضاة المالكي أبي عمر الحمادي رئيسا وأبي جعفر البهلول وأبي الحسين الأشناني , والقاضيين الحنفيين بالرصافة والكرخ من بغداد عضوين ولم يحضر الجلسة أحد من الشافعية ولا من الحنابلة الذين كانوا خصوم الدولة وأنصار الحلاج وأنتهى الأمر بالحكم على الحلاج بالإعدام على الصورة التالية - الضرب ألف جلدة - قطع الأطراف الأربعة - ضرب العنق - إحراق الجثة ثم نثر الرماد في دجلة - حمل الرأس إلى خراسان . وهكذه انتهت حياة الحلاج ليتحول الى زعيم طائفة صوفية دانت بفكره وطريقته . نماذج من شعره : ما حيلة العبد والأقدارُ جارية **** عليهِ في كل حال أيها الرائي ألقاهُ في اليم مكتوفا وقال لهُ ***** إياك إياك أن تبتل بالماءِ ************ لبيك لبيك يا سري ونجوائي **** لبيك لبيك يا قصدي ومعنائي أدعودك ,بل أنت تدعوني إليك فهل ***** ناديت إياك أم ناديت إيائي يا عين عين وجودي يا مدى هممي ***** يا منطقي وعباراتي وإيمائي يا كل كلي ويا سمعي ويا بصري ***** يا جملتي وتباعيضي وأحزائي يا كل كلي وكلُّ الكل مُلتبسٌ ***** وكلُّ كلك ملبوسٌ بمعنائي يا من به علقت روحي فقد تلفت ***** وجدا فصرت رهينا تحت أهوائي أبكي على شجني من فرقتي وطني ***** طوعا ويُسعدني بالنوح أعدائي أدنو فيبعدني خوفي فيقلقني ***** شوقٌ تمكن في مكنون أحشائي فكيف أصنع في حبٍّ كلفتُ بهِ ***** مولاي قد ملَّ من سقمي أطبائي قالوا تداو به منه فقلت لهم ***** يا قوم هل يتداوى الداء بالداءِ حبي لمولاي أضناني وأسقمني ***** فكيف أشكو الى مولاي مولآئي إني لأرمقهُ والقلب يعرفه ***** فما يترجم عنه غير إيمائي يا ويح روحي من روحي فوا أسفي ***** على منى فاني أصل بلوائي كأنني غرقٌ تبدو أنامله ***** تغوّثا وهو في بحر من الماءِ وليس يعلم ما لاقيتُ من أحد ***** إلا الذي حلَّ مني في سويدائي ذاك العليم بما لاقيت من دنف ***** وفي مشيئةِ موتي وإحيائي أغاية السؤل والمأمول يا سكني ***** يا عيش روحي ويا ديني ودنيائي قل لي فديتك يا سمعي ويا بصري ***** لم ذي اللجاجة في بعدي وإقصائي إن كنت بالغيب عن عيني محتجبا ***** فالقلب يرعاك في الإبعاد والنائي نماذج من الأدب الرفيع للحلاج : سندباد الهوى مازلتُ أجري في بحار الهوى ***** يرفعني الموجُ وأنحطُّ فتارةً يرفعني موجها ***** وتارة أهوى وأنغطُّ حتى إذا صيرني في الهوى ***** إلى مكانٍ ما له شطُّ ناديتُ : يا من لم أبح باسمهِ ***** ولم أخنهُ في الهوى قطُّ تقيك نفسي السوء من حاكمٍ ***** ما كان هذا بيننا الشرطُ ********** عجبتُ لكُلي كيف يحملهُ بعضي ***** ومن ثقل بعضي ليس تحملني أرضي؟ لئن كانم في بسط من الأرض مضجعٌ ***** فقلبي على بسطٍ من الخلق في قبضِ ************ نسمات الريح قُولي للرشا: ***** لم يزدني الورد إلا عطشا لي حبيبٌ حبه وسط الحشا ***** إن يشأ يمشي على خدي مشى روحهُ روحي وروحي روحهٌ ***** إن يشأ شئتُ وإن شئتُ يشا ***************** شفاء العليل بالحب : أنا سقيمٌ عليل ***** فداوني بدواكْ أجري حشاشة نفسي ***** في سُفن بحر رضاكْ أنا حبيسٌ فقل لي : ***** متى يكون الفكاكْ ؟ طوبى لعين محبٍ ***** حبوتها من رؤاكْ وليس في القلب والل ***** ـب موضعٌ لسواكْ ********* امتزاج الأرواح : مُزجتْ روحك في روحي كما ***** تُمزجُ الخمرةُ بالماء الزلالْ فإذا مسك شيءٌ مسني ***** فإذا أنت أنا في كل حالْ ********** روحان في بـــــدن: أنا من أهوى ومن أهوى أنا ***** نحن روحان حللنا بدنا نحن مذ كنا على عهد الهوى ***** وإذا أبصرته أبصرتنا أيها السائل عن قصتنا ***** لو ترانا لم تفرق بيننا روحه روحي روحي وروحي روحه ***** من رأى روحين حلتْ بدنا ************* أين مثلك : طُوبى لطرف فاز من ******* ـك بنظرة أو نظرتينْ ورأى جمالك كل يو ****** م مرة أو مرتينْ يا زين كل ملاحةٍ***** حُوشيت من عيب وشينْ أنت المقدم في الجما ***** ل فأين مثلك أين ؟أينْ بمثل هذه النماذج يتطور ذوقنا الأدبي وجبة أخرى : قلوب العاشقين لها عيونٌ ***** ترى ما لا يراه الناضرونا وألسنة بأسرار تناجي ***** تغيبُ عن الكرام الكاتبينا وأجنحة تطير بغير ريشٍ ***** إلى ملكوت رب العالمينا وترتع من رياض القدس طورا ***** وتشرب من بحار العارفينا فأورثنا الشراب علوم غيبٍ ***** تشف على علوم الأقدمينا شواهدها عليها ناطقاتٌ ***** تبطلُ كل دعوى المدعينا عبادٌ أخلصوا في السر حتى ***** دنوا منه وصاروا واصلينا ************** كيف السبيل إليك : لا كنتُ إن كنتُ أدري ***** كيف السبيل إليكا أفنيتني عن جميعي ***** فصرتُ أبكي عليكا ********** لذّة الصدِّ : رماني بالصدودِ كما تراني ***** وألبسني الغرام وقد براني ووقتي كلهُ حُلو لذيذٌ ***** إذا ما كان مولائي يراني رضيتُ بصنعهِ في كل حال ***** ولستُ بكاره ما قد رماني فيا من ليس يشهد ما أراهُ ***** لقد غيّبت عن عينٍ تراني ************** سُكر المحبة : سكرتُ من المعنى الذي هو طيبُ ***** ولكن سُكري بالمحبة أعجبُ وما كلُّ سكرانٍ يُحدُ بواجبٍ ***** ففي الحبِّ سكرانٌ ولا يتأدبُ تقوم السُكارى عن ثمانين جلدة ***** صحاة وسكران المحبة يُصلبُ ************* الوجد والفقد مطلوبان : لقد أعجبني الوجدُ ***** بمنْ أهواه والفقدُ فلا بعدٌ ولا قربٌ ***** ولا وصلٌ ولا صدٌ ولا فوقٌ ولا تحتٌ ***** ولا قبلُ ولا بعدُ ولا عرفٌ ولا نكرٌ ***** ولا يأسٌ ولا وعدُ فهذا مُنتهى سؤلي ***** وأنت الواحد الفردُ ******** الموت حباً : أما والذي لدمي حلّلا ***** ومن خصَّ أهل الولا بالبلا لئن ذقتُ فيك كؤوس الحمـا ***** ـم لما قال قلبي لساقيهِ :لا وما كنتُ ممن تشاكى الهوى ***** ولو قدّني مفصلاً مفصلا رضيتُ وحقك كل الرضا ***** إذا كان يُرضيك أن أقتلا فلا عيب إن متُّ موت الكرام ***** كما مات في الحب من قد خلا ركعتان في العشق لايصح وضوؤهما إلا بالدم " الحلاج " إكليل الدم : " مات الحلاج فداء لإيمانه المطلق وأستجابة لغضب الفقهاء " جلال الدين الرومي للكتابة عن الحلاج والمتصوفة ، لامجال هنا لأتساع أفقها ، ولكن لابأس لهذا المرور النبيل هنا يأخي يامن تطرق باب التصوف . بعض من غيث " الحسين بن منصور الحلاج " " إذا استولى الحق على قلب أخلاه من غيره " " من لم يقف على إشاراتنا ، لم ترشده عباراتنا " " إن قلت هو ، فالهاء والواو خلقه ، وإن قلت أين ‘ فلقد تقدم المكان وجوده فالحرف آياته ، ووجوده إثباته ، ومعرفته توحيده . " " إلهي ، إنك تتودد إلى من يؤذيك ، فكيف لاتتودَد الى من يؤذي فيك " " الخلق يشهدون بكفري ، ويسعون الى قتلي ، وهم بذلك معذورون ، وبكل مايفعلون بي مأجورون " وقيل أن آخر ماقاله الحلاج وهو على الصليب قبل أن يحز رأسه هي : " حسب الواجد إفراد الواحد له " ثم حز رأسه ، وأحرقت جثته وألقي رمادها في نهر دجلة ، وعلق رأسه يومين متتاليين على جسر بغداد . وهناك الكثير من كتب عن الحلاج ، وللأفادة لابأس من المرور على كتابي : متصوفة بغداد ، ل عزيز السيد جاسم عن دار مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر باريس الحسين بن منصور الحلاج حياته ، شعره ، نثره ، سمير السعيدي ، منشورات دار علاء الدين دمشق كتبه: - ديوان الحلاج - كتاب الطواسين - تفسير القرآن لاشكّ أن البحث في سيرة هذا الفيلسوف الشّاعر يطول ويطول، والآراء حوله تختلف وتختلف، فهو زاهدٌ ناسكٌ عابدٌ متصوّفٌ برأي البعض، وكافرٌ ملحدٌ متفلسفٌ زنديق برأي البعض الآخر. تعالوا بنا نهتك السّتار ونخوض الغمار ونتعرّف أكثر على ذلك الرجل الذي أثار من حوله الجدل بين النقّاد والمتتبّعين، من خلال هذا البحث المطوّل في سيرة " الحلاج" وفلسفته التي انتهجها، مع إطلاعكم على نماذج من شِعره تاركاً لعقولكم النيّرة وأذهانكم الصافية الكلمة الفصل. * ملاحظة: هذا البحث تمّ بالاستعانة بعدّة مواقع أبرزها: (موقع أدب ديوان العرب) و( موقع سنابس) "الحلاج" 244 - 309 هـ / 858 - 922 م سيرته: هو أبو المغيث الحسين بن منصور بن محي البيضاوي ولد في قرية الطور في الشمال الشرقي من مدينة البيضاء من مدن مقاطعة فارس بإيران والى الشمال من مدينة شيراز في عام 244هـ /858م . نزلت اسرة الحلاج واسط بعد مقتل أبيه في فترة كانت تغلي بالحروب الداخلية ثم قصد هو تُستر (شوشتر) على نهر كارون ليصحب سهل بن عبدالله التستري أحد كبار الصوفية في القرن الثالث الهجري وتنقل الحلاج بين شيوخ التصوف المعاصرين حتى وصل الى بغداد ليأخذ عن الجنيد البغدادي شيخ الطائفة الصوفية ولكن الجنيد لم يقبله قبولا حسنا لثقة الحلاج المفرطة بنفسه ومبالغته في ممارسة الرضة النفسية والجسدية . قصد الحلاج مكة حاجا ليعود الى الاهواز بالقرب من موطنه القديم واعظاً ولكنه لم ينجح النجاح المطلوب جعل يتنقل في خراسان وفارس والعراق ثم ألقى عصى الترحال في بغداد . فلسفته: حاول الحلاج أن يدعو الى مذهب سياسي وروحي يقوم على فقه معين ورياضة صوفية تتميز كلها بالتطرف والشدة والإصرار على الوصول الى هدف مستهينا بالعقبات ولو بلغت الموت نفسه. وقيل عنه بأنه كان يظهر مذهب الشيعة للملوك (العباسيين) ومذهب الصوفية للعامة. نهايته: كثرت الوشايات بالحلاج إلى المقتدر العباسي فأمر بالقبض عليه سنة 301هـ بتهمة القرمطة وشهر في بغداد معلقا بحبل مدة ثلاثة أيام ولما أثبت التحقيق بأنه كان يعمل لحسابه خيف من قتله وثورة أنصاره سجن في دار السلطان في بناية شيدت خصيصا له ثم شكلت محاكمة من قاضي القضاة المالكي أبي عمر الحمادي رئيسا وأبي جعفر البهلول وأبي الحسين الأشناني , والقاضيين الحنفيين بالرصافة والكرخ من بغداد عضوين ولم يحضر الجلسة أحد من الشافعية ولا من الحنابلة الذين كانوا خصوم الدولة وأنصار الحلاج. وأنتهى الأمر بالحكم على الحلاج بالإعدام بعد أن سجن وعذب وضرب وقطعت أطرافه الأربعة ثم قتل وحزّ رأسه وأحرقت جثته وألقي رمادها في نهر دجلة ونصب رأسه على جسر بغداد. وهكذه انتهت حياة الحلاج ليتحول الى زعيم طائفة صوفية دانت بفكره وطريقته. إرثه: أورد ابن النديم له أسماء ستة وأربعين كتاباً غريبة الأسماء والأوضاع منها: (الكبريت الأحمر)، (قرآن القرآن والفرقان)، (هو هو)، (اليقين). أقوال ومؤلّفات في "الحلاج": في مطلع القرن العشرين أحيا ماسينيون ذكر الحلاج حين زار بغداد سنة 1908م ضمن بعثة آثارية فصور قبر الحلاج وغيره ثم كتب عبارته (أنا الحق) بحثا ألقاه في مؤتمر المستشرقين الذي انعقد في أثينا سنة 1912 ونشر ديوانه وكتابه الطواسين وأخباره والنصوص التي دارت حوله , وتوّج ذلك كله برسالة مطولة للدكتوراه كان عنوانها (عذاب الحلاج) فنبه بذلك الأدباء والشعراء والباحثين في الشرق والغرب إلى أهميته الأدبية والتاريخية والفكرية كما نبههم فيتزجرالد قبل ذلك إلى الخيام وجمال رباعياته. وابتداءً من الخمسينيات صار الحلاج رمز من رموز الأدب العالمي , فكتب في رثاءه وتمجيده كثير من الشعراء والأدباء ومن أبرزهم الشاعر عبدالوهاب البياتي , والشاعران السوريان علي أحمد سعيد وعدنان مردم والقاص اللبناني ميشال فريد غريب , والشاعر المصري صلاح عبدالصبور والمسرحي التونسي عزالدين المدني , وغيرهم ممن يصلح إنتاجهم موضوعا لكتاب برأسه يدرس الظاهرة الحلاجية في الأدب المعاصر . وإتماما للصفة العالمية للحلاج في العصر الحديث لا بدَّ من ذكر الأستاذة المستشرقة أنة ماري شيمل التي كتبت عنه كتابها بالألمانية الحلاج شهيد الحب الإلهي وكذلك الأستاذ الدكتور هربت ميسن الذي ألف مسرحيته الشعرية بالأنجليزية (موت الحلاج) . مختارات من شِعره: و أيّ أرض تخلو منك حتّى ******* تعالوا يطلبونك في السمـاء ********************************** ما لامني فيك أحبابي وأعدائي *******إلّـا لغفلتهم عن عظـم بلوائــــي تركتُ للناس دنياهم ودينهـم *******شغلاً بحبـّك يا ديني ودنيائــــي أشعلتَ في كبدي نارين واحدة *******بين الضلوع و أخرى بين أحشائــي ********************************** إذا دهمَتـْك خيول البعـــاد *******ونادى الاياس بقطع الرجـا فخُذْ في شمالك ترس الخضوع *******و شـُدّ اليمين بسيف البكـا و نَـفْسَـك نَفْسَك كُنْ خائفـاً *******على حذر من كمين الجفـا فإن جاء الهجر فيظلمـــة *******فسِرْ في مشاعل نور لصفا فقـُلْ للحبيب ترى ذلـّــتي *******فجُدْ لي بعفوك قبل اللقــا فـَوَ الحُبِّ لا تنثنِي راجعــاً *******عن الحِبِّ إلّا بِعَوْض ِالمنـا ********************************** كتبتُ ولم أكـُتبْ إليك و إنـّما ******* كتبتُ على روحي بغير كتابِ و ذلك أنّ الروح لا فرق بينها *******و بين مُحِبـيِّها بِفَصْلِ خطابِ أُريدُك لا أريدك للثواب******* و لكنـّي أريـدك للعقـاب فكلّ مآربي قد نِلْتُ منها *******سوى ملذوذِ وجدي بالعَذَاب ********************************** كَفَى حَزَناً أنّي أُناديـك دائمـــا ******* كأنـّي بعيدٌ أو كأنـّك غائب و أَطْلُبُ منك الفضل من غير رغبةٍ ******* فلم أر قبلي زاهدا فيك راغب ********************************** لبيك لبيك يا سري ونجوائي ******* لبيك لبيك يا قصدي ومعنائي أدعودك ,بل أنت تدعوني إليك فهل******* ناديت إياك أم ناديت إيائي يا عين عين وجودي يا مدى هممي******* يا منطقي وعباراتي وإيمائي يا كل كلي ويا سمعي ويا بصري******* يا جملتي وتباعيضي وأحزائي يا كل كلي وكلُّ الكل مُلتبسٌ******* وكلُّ كلك ملبوسٌ بمعنائي يا من به علقت روحي فقد تلفت******* وجدا فصرت رهينا تحت أهوائي أبكي على شجني من فرقتي وطني******* طوعا ويُسعدني بالنوح أعدائي أدنو فيبعدني خوفي فيقلقني******* شوقٌ تمكن في مكنون أحشائي فكيف أصنع في حبٍّ كلفتُ بهِ******* مولاي قد ملَّ من سقمي أطبائي قالوا تداو به منه فقلت لهم******* يا قوم هل يتداوى الداء بالداءِ حبي لمولاي أضناني وأسقمني******* فكيف أشكو الى مولاي مولآئي إني لأرمقهُ والقلب يعرفه******* فما يترجم عنه غير إيمائي يا ويح روحي من روحي فوا أسفي******* على منى فاني أصل بلوائي كأنني غرقٌ تبدو أنامله******* تغوّثا وهو في بحر من الماءِ وليس يعلم ما لاقيتُ من أحد******* إلا الذي حلَّ مني في سويدائي ذاك العليم بما لاقيت من دنف******* وفي مشيئةِ موتي وإحيائي أغاية السؤل والمأمول يا سكني******* يا عيش روحي ويا ديني ودنيائي قل لي فديتك يا سمعي ويا بصري******* لم ذي اللجاجة في بعدي وإقصائي إن كنت بالغيب عن عيني محتجبا******* فالقلب يرعاك في الإبعاد والنائي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ شهيد التصوّف كاشف الحب الإلهي "الحقيقة دقيقة، طرقها مضيقة، فيها نيران شهيقة، ودونها مفاوز عميقة"."افهام الخلائق لا تتعلق بالحقيقة، والحقيقة لا تتعلق بالخليقة، الخواطر علائق، وعلائق الخلائق لا تصل الى الحقائق، والادراك الى علم الحقيقة صعب، فكيف الى حقيقة الحقيقة؟" (الحلاج) اشهر المتصوفة في العالم الاسلامي، هو ابو المغيث الحسين بن منصور الملقب بالحلاج. فارسي الاصل كتب بالعربية، ولد عام 244 هجرية (858م) في بلدة البيضاء الفارسية وتوفي مقتولا عام 309 هجرية (922م). بعد حياة حافلة بالمعرفة والتجليات ومغامرات الكتابة والمنازعات من اهل الزمان، تتلمذ على يد مشايخ الصوفية مثل الجنيد بن محمد وعمر بن عثمان المكي وابي الحسين القوري. ثم انفصل عنهم وراح يبشر بالتصوف في خرسان والاهواز والهند وتركستان. ثم حج ورجع الى بغداد فالتف حوله التلامذة. كان بعض مشايخ الصوفية امثال ابو العباس بن عطاء البغدادي ومحمد بن حفيف الشيرازي وابراهيم بن محمد النصر اباذي يصححون له ويدونون كلامه حتى قال ابن حفيف: "الحسين بن منصور عالم روحاني". قال ابو عبد الرحمن السلمي سمعت ابراهيم ابن محمد النصر اباذي وعوتب في شيء وحكى عن الحلاج في الروح، فقال للذي عاتبه: "ان كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج". قال ابو عبد الرحمن: "وسمعت منصور بن عبدالله يقول: سمعت الشبلي يقول: كنت انا والحسين بن منصور شيئا واحدا، الا انه اظهر وكتمت". وقد روي عن الشبلي من وجه آخر انه قال وقد رأى الحلاج مصلوبا: "الم أنهك عن العالمين؟". ومما يدل على انه كان ذا حلول في بدء امره اشياء كثيرة، منها شعره في ذلك، فمن ذلك قوله: جبلت روحك في روحي كما يجبل العنبر بالمسك الفنق فاذا مسك شيء مسني واذا انت انا لا نفترق. وقوله: مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال فاذا مسّك شيء مسني فاذا انت انا في كل حال. وقال ابو عبد الرحمن السلمي عن عمرو بن عثمان المكي انه قال: "كنت اماشي الحلاج في بعض ازقة مكة وكنت اقرأ القرآن، فسمع قراءتي فقال: يمكنني ان اقول مثل هذا. ففارقته". ولهذا فقد كان القدماء من الصوفية يذكرون اقواله في كتبهم دون ذكر اسمه، بأن يقولوا مثلا: قال احد الكبراء، (وهذا صنيع ابي بكر محمد الكلاباذي الف الموسوعة الصوفية الثانية بعد اللمع، وهو كتابه (التعرف على مذهب اهل التصوف). وكذلك صنيع السراج الطوسي صاحب الموسوعة الصوفية الاولى (اللمع) وقد استشهد بكلام الحلاج في اكثر من خمسين موضعا من كتابه مصدرا القول بقوله: قال بعضهم، او قال القائل. وفي القرن الخامس وما يليه ابتدأ بعض المتصوفة يصرحون باسمه، ويذكرون مقالاته، ويشهدون بفضله وسعته، فقد اشاد به ابو حامد الغزالي، وابن عربي، وعبد الغني النابلسي، وكل المتصوفة منذ القرن الخامس. واما في العصر الحديث فقد كتب فيه طه عبد الباقي سرور كتابا بعنوان: (الحلاج شهيد التصوف الاسلامي). فسلك الحلاج في التصوف مسلكا وعرا اذ القى بكليته في غمار الحضرة الالهية، غير هياب مما سيؤول اليه حاله. بل مشتاقا في قرارة نفسه الى خاتمة درامية. فقد نقل عنه معاصروه انه قال صبيحة احد اعياد الاضحى: تهدى الاضاحي، واهدي مهجتي ودمي". ولما قطعوا يديه يوم بدأوا بقتله (وهو القتل الذي استمر ثلاثة ايام) غسل وجهه بدمائه وقال: ركعتان في العشق لا يجوز وضوؤها الا بالدم. لذلك السلطة العباسية اوقفته بعدما اتهمته المعتزلة بالشعوذة وحرمه الامامية والظاهرية فعذب وسجن ثماني سنوات وصلب في ساحة بغداد واحرق جسده. صرح فيه الجنيد ذات يوم قائلا: "اية خشبة ستفسدها (اشارة الى انه يموت مصلوبا) وذات يوم صاح هو نفسه بسوق بغداد بعدما تملكه وجع عظيم: ايها الناس اعلموا ان الله قد اباح دمي فاقتلوني، اقتلوني تؤجروا واسترح، اقتلوني تكتبوا عند الله مجاهدين، واكتب انا شهيد". وقال ضمن مناجاته: هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصبا لدينك وتقربا اليك، فاغفر لهم. فانك لو كشفت لهم ما كشفت لي، لما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم، لما لقيت ما لقيت. فآراء الحسين بن منصور في التصوف كمسألة حلول الذات الالهية في الذات الانسانية (فيحق للولي ان يقول: "انا الحق") هي التي أدت الى نهاية الحلاج الحزينة. حينما كان للحلاج 38 عاما، ترك عائلته ورحل عن بغداد الى شمال شرق الامبراطورية الاسلامية لسنوات عدة، ثم الى الجنوب، الى الهند، ثم عاد الى فارس والاهواز واخيرا البصرة، ومنها حج البيت الكريم ثانية بصحبة اربعمائة من اتباعه، ثم عاد بعد ذلك الى بغداد، لكنه اتهم هذه المرة بممارسة السحر الهندي، فغادرها متوجهاً الى وادي الهند. ويبدو ان رحلته هذه ما زالت موضع تحقيق، حيث يعتقد انه بعدما مر بكشمير عابرا الى تركستان، وهذا الاعتقاد يستند الى الانتشار الواسع جدا لاسمه في اغاني واشعار هذه البقاع في اللغات السندية والبنجابية والكشميرية اكثر مما في اية بقعة اخرى من الارض العربية والاسلامية، وكان له التأثير الكبير في الثقافة التركية والايرانية والهندية، مما جعل الكاتب الهندي المسلم (غالب) ان يكتب عن الحلاج (القرن 19) مؤكدا بأن الحلاج نال الجزاء الذي يستحقه لأنه باح بالحب، ومن يبوح بسر الحب ويكشف ستر المحبوب ينال العقاب حتى وان كان فيض الحب الذي دفعه للصراخ وكشف المستور، اكبر منه. الا ان السلطة المركزية في بغداد آنذاك نظرت اليه بريبة، وتخوفت من رحلته الى وادي الهند كثيرا، وخمّنت انه يقيم علاقات سرية مع الحركات الدينية المعارضة للسلطة المركزية، والتي كانت منتشرة في ارجاء الامبراطورية الاسلامية آنذاك، وانه يغطي اهدافه السياسية بتعاليم دينية غامضة. وحينما عاد الى بغداد بعد رحلته هذه، بدأت الرسائل تصله من كل البلدان التي زارها، ومن الطبيعي ان هذه الحفاوة والتقدير، وهذه المكانة الروحية للحلاج قد تركت ردود فعل سلبية لدى بقية رجالات الصوفية، كما بدأ (الصاصون) يتبعون كل شاردة او واردة تخصه. وخلال هذه الفترة رحل الحلاج متوجها الى بيت الله الحرام للمرة الثالثة وبقي هناك سنتين، بعدها عاد لبغداد مستقرا فيها، متخذا من اسواقها مكانا للموعظة. وتتوارد الاخبار عن تصرفاته الشخصية الغريبة، عن نسكه وبكائه الطويل توحداً وتعبداً، ثم ضحكه المفاجىء احيانا، وحديثه الغامض عن (الحب الالهي) الذي صدم الكثيرين من رجال الدين آنذاك. لكن المشكلة كانت آنذاك مع السلطة، حيث كانت بغداد تعيش حالة من التوتر والاضطراب مما دفعها للتخوف من رجل كالحلاج، فزجت به في السجن، ويقال انه هرب من سجنه لكنه اعتقل ثانية، وعند المحاكمة الاولى عومل برفق، لتدخل أم الخليفة، فنقل من سجن الى سجن، لكن بعد سبع سنوات، وفي العام 919 ميلادية، واذ تدهورت الاوضاع في بغداد، وتناهى الى أسماع السلطة ان الحلاج امسى، رغم سجنه، أشد قوة حيث أخذ الناس يتحدثون عن كراماته الجليلة، ويتناقلون حكايات عجيبة عن علاقاته بالارواح وما شابه، اقتحمت السلطة بيته، رغم انه كان سجيناً، فوجدت هناك الكثير من الرسائل والمخطوطات التي كتبت على ورق صيني فاخر، بعضها كتب بماء الذهب، وبعضها وشي بالحرير، ورسائل منه تتضمن تعليماته للوصول الى التفاني والحلول، ورسوم غريبة وخطوط تدينه وتؤكد علاقته ببعض الفرق والمذاهب المغالية والتي كانت تهدد كيان السلطة المتهرئة في بغداد، فأمر قاضي القضاة باعادة محاكمته وأصدر حكماً باقامة الحد عليه، وقد وقع (84) شاهداً على قرار الحكم!!! فصلب في 23 ذي الحجة من العام 309هـ (26 آذار من العام 922م). ومن هنا انتقد العديد من المتصوفة الحلاج ايضاً، وبدأوا يشككون في ادعائه الوصول الى الهدف. ففي رأيهم أنه لو تحقق له ذلك لكان قد صمت، (لأن أجراس القافلة تصمت حينما يصل المسافرون الى قبلتهم)، ومن هنا ايضاً، فان صرخة الحلاج: "أنا الحق"، ليست دليلاً على لحظة الالتحام وانما على العكس، فهي دليل على البعد والفراق. غير ان المتصوفين المتأخرين رأوا في الحلاج (متوحداً بالوجود)، وان صرخته المدوية عبر القرون دليل على ذلك. وعلى هذه النظرة اعتمد العلماء والمستشرقون الاجانب عند حديثهم عن الحلاج الذي ورد ذكره في الغرب للمرة الاولى في القرن السابع عشر. والواقع ان أول فهم غربي للحلاج ك (موحد للوجود)، كما أوضحت آني ماري شيمل المستشرقة (الشخصية الموحدة للوجود). وبينما كانت دراسات المستشرقين الاوائل، لاسيما المستشرق (يوهان ياكون رايسكه) الذي توفي العام 1774، ينظر للحلاج كمجدف وهرطقي، كان المستشرق الفرنسي (بارتلوم دي هيربلوت) في كتابه (المكتبة الشرقية) ينظر الى الحلاج كمسيحي متخف، وقد تبنى هذه النظرة كل من المستشرق (أوغست موللر) و(أدلبرت ميركي)، وحتى في الفترة الاخيرة ظهرت دراسات في اللاهوت الشرقي تؤكد هذه النظرة، ومن أهمها أطروحة (ن. م. داهدال) الذي رأى ان الحلاج تم صلبه بسبب افكاره النصرانية. لكن هناك من ذهب أبعد من ذلك حينما أراد أن يربط بين الحلاج والديانات الهندية القديمة، لاسيما المستشرقان (فون كريمر) و(ماركس هورتون) اللذان يريان ان صرخة الحلاج (أنا الحق) هي ذاتها التي وردت في (الاوبانيشاد): أنا براهما. وهذه هي النظرة السائدة في الثقافة الاسلامية في الهند. كان الحلاج يؤمن بأن الاصلاح الاجتماعي يجب أن يبدأ أولاً من الاصلاح النفسي، ولا يمكن أن يتم ذلك الا بعد إعداد الفرد وتهيئته جسدياً وروحياً معاً، وبأن التصوف الحق هو استهلاك ناسوتية الانسان في لاهوتية الله، وبأن جميع الناس وإن لم يستطيعوا استهلاك ناسوتيتهم كلها، بامكانهم استهلاك بعض هذه الانانية التي تثير البغضاء عند الناس. فانسان لا يمكنه فصل ذاته عن المجتمع. والحق المطلق لا يدرك الا بحجاب ناسوت هذا الحق وناسوت الحق لا يدرك الا باحقاق الحق، ذلك لأنه سر نوره اللاهوتي. وهكذا كانت رسالة الحلاج إحقاق الحق في الانسان فرداً ومجتمعاً. لذا نجح الحلاج في الوصول الى التحقق بالوحدة الإلهية التي لا تأتي لانسان بأن يحقق ذاته بها الا بواسطة الشوق الإلهي، وهذا الوجد وهذا الحب، فيتخلى عن انانيته مصدر الظلمة والعدم والجهل والعذاب. أخذ الحلاج يحث الناس على الصلاح وعصيان النفس الامارّة بالسوء ونبذ الرذائل، ويدعوهم الى هذا الحب الإلهي الذي يصل بالمرء الى التوحيد الحق، وأخذ يدعو ايضاً الى التنكر للأنا ونبذ كل شيء ما عدا عشق الله الواحد الأحد والفناء فيه. فالتوحيد الحق انما هو توحيد الذات بالله. وكل ما هو دون ذلك ان هو الا تعلق بالوهم الخادع. كتبت في أخبار الحلاج كتب كثيرة، أهمها كتاب علي بـن أنجب الساعي المتـوفى سنـة (674هــ) الذي نشره ماسنيون مضيفاً اليه كثيراً من أخبار الحلاج التي عثر عليها، وأهمها: كتاب (ذكر مقتل الحلاج) لابن الزنجي ونشر عمله هذا سنة 1936م. وللحلاج سيرة شعبية طبعت قديماً في مطبعة الترقي بدمشق عام 1939 وقام ماسنيون بنشرها في مجلة الدراسات الشرقية 1945 (م3 عدد 422) وأعادت نشرها (دار صادر بيروت). وايضاً هناك كتاب بعنوان: "الحلاج - الاعمال الكاملة" للكاتب قاسم محمد عباس، الطبعة الاولى 2002، وايضاً كتاب بعنوان: "الحلاج في ما وراء المعنى والخط واللون، للكاتب سامي مكارم. طبعة جديدة منقحة ومزيدة 2004 صادران عن دار رياض الريس للكتب والنشر. |
![]() |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| أعلام, الصوفية, كبار |
| أدوات الموضوع | |
| |
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| نبذة عن كلية الاثار | khalifa | كلية الآثار | 9 | 12-10-2008 11:10 AM |
| ملحق قيم عن جلال الدين الرومى و المولوية و السماع خانة | ahmed1981 | الحوار المفتوح | 4 | 09-10-2008 05:11 AM |
| حقيقة الصوفية(القناصM) | Mالقناص | ارشيف المواضيع المتكررة والمخالفة | 0 | 07-12-2007 09:39 PM |
| الصوفية | ارشيف المواضيع المتكررة والمخالفة | 1 | 05-06-2007 07:36 PM | |
| سخافة عقول الصوفية ،اسأل الله العافية | ارشيف المواضيع المتكررة والمخالفة | 0 | 02-06-2007 04:50 AM | |