قريبا نيو حب بشكل جديد
fashion
جديداجعل التصفح سريع


منتديات محدثة : - اغانى زمان - مصارعة محترفين - طريق الاسلام
منتديات حب جديد

افلام عربية | افلام مصرية | افلام عربى | فيديو مضحك | فيديو رياضي | فيديو كليب | كارتون | حوادث | مسلسلات | مسرحيات | صور | اغانى | العاب بنات

 
 

مواقع ننصح بيها :  اسلاميات موقع الكوثر - افلام - اغانى - dirlive
العودة   منتديات حب جديد > المنتديات العامة > الحوار المفتوح

الحوار المفتوح اى موضوع او حوار

الدورى الفرنسى - الدوري الالماني - الدوري الايطالي - الدوري الانجليزي - الدوري الاسباني - الدورى المصرى


كبار أعلام الصوفية

الحوار المفتوح




إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #21  
قديم 21-03-2008, 02:07 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

حادى و عشرون: الفضيل بن عياض

من سيرة الفضيل بن عياض - رحمه الله -


الحمد لله وبعد ،
إن سير العلماء مما يبعث الهمم على الاقتداء بهم ، ومن العلماء الذين سارت الركبان بسيرته الفضيل بن عياض - رحمه الله - .

ومن الوقفات العجيبة في سيرة هذا الإمام قصة توبته .

قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (8/423) :

قال أبو عمار الحسين بن حُريث ، عن الفضل بن موسى قال : كان الفضيل بن عياض شاطرا يقطع الطريق بين أبِيوَرْد وسَرخس ، وكان سبب توبته أنه عشق جارية ، فبينما هو يرتقي الجدران إليها ، إذ سمع تاليا يتلو " أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ..." [ الحديد : 16] فلما سمعها ، قال : بلى يارب ، قد آن ، فرجع ، فآواه الليل إلى خَرِبة ، فإذا فيها سابلة ، فقال بعضهم : نرحل ، وقال بعضهم : حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا .

قال ففكرت ، وقلت : أنا أسعى بالليل في المعاصي ، وقوم من المسلمين هاهنا ، يخافوني ، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع ، اللهم إني قد تبت إليك ، وجعلت توبتي مُجاورة البيت الحرام .

قال الإمام الذهبي تعليقا على القصة :

وبكل حال : فالشرك أعظم من قطع الطريق ، وقد تاب من الشرك خلق صاروا أفضل الأمة . فنواصي العباد بيد الله ، وهو يضل من يشاء ، ويهدي إليه من أناب .

- موقف للفضيل مع هارون الرشيد :

عباس الدوري : حدثنا محمد بن عبدالله الأنباري ، قال : سمعت فضيلا يقول : لما قدم هارون الرشيد الى مكة قعد في الحِجْر هو وولده ، وقوم من الهاشمين ، وأحضروا المشايخ ، فبعثوا إليّ فأردت أن لا أذهب ، فاستشرت جاري ، فقال : اذهب لعله يريد أن تعظه ، فدخلت المسجد ، فلما صرت إلى الحجر ، قلت لأدناهم : أيكم أمير المؤمنين ؟ فأشار اليه ، فقلت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، فرد علي ، وقال : اقعد ، ثم قال : إنما دعوناك لتحدثنا بشيء ، وتعظنا ، فأقبلت عليه ، فقلت : يا حسن الوجه ، حساب الخلق كلهم عليك . فجعل يبكي ويشهق ، فرددت عليه ، وهو يبكي ، حتى جاء الخادم فحملوني وأخرجوني ، وقال : اذهب بسلام .

قال الذهبي (8/440) :
وعنه : يا مسكين ، أنت مسيءٌ وترى أنك محسن ، وأنت جاهل وترى أنك عالم ، وتبخل وترى أنك كريم ، وأحمق وترى أنك عاقل ، أجلك قصير ، وأملك طويل .

قلت ( الذهبي ) : إي والله ، صدق ، وأنت ظالم وترى أنك مظلوم ، وآكل للحرام وترى أنك متورع ، وفاسق وتعتقد أنك عدل ، وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبه لله .

- رسالة ابن المبارك إلى الفضيل بن عياض :

روى الحافظ ابن عساكر عن محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملي عليَّ عبد اللّه بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس وأنشدها إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا * لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه * فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل * فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا * رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا * قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبَّار خيل اللّه في * أنف امرىء ودخان نار تلهب
هذا كتاب اللّه ينطق بيننا * ليس الشهيد بميت لا يكذب

قال: فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام ، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني ، ثم قال : أنت ممن يكتب الحديث ؟ قال : قلت : نعم ، قال : فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا ، وأملى عليّ الفضيل بن عياض :

حدثنا منصور بن المعتمر ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أن رجلاً قال : يا رسول اللّه علِّمني عملاً أنال به ثواب المجاهدين في سبيل اللّه ، فقال : "هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر ، وتصوم فلا تفطر ؟ " فقال : يا رسول اللّه أنا أضعف من أن أستطيع ذلك ، ثم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : " فوالذي نفسي بيده لو طُوِّقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله ، أوما علمت أن الفرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك الحسنات ؟!
الحديث رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير ، باب الجهاد والسير .

والله اعلم



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




الفضيل بن عياض التميمي



تعريفه
أبو علي التميمي اليربوعي الخراساني ، المجاور بحرم الله . ولد بسمرقند ، ونشأ بأبِيْوَرْد ، وارتحل في طلب العلم, الفضيل بن عياض قبل أن يصبح أحد الصالحين الكبار كان قبل ذلك يسرق ويعطل القوافل في الليل،كان قوى البنية شجاعا يخشاه الناس ويخافون منه كان يأخذ فأساً وسكيناً ويتعرض للقافلة فيعطلها، وكان الناس يقولون لبعضهم في الطريق إياكم والفضيل إياكم والفضيل ! والمرأة تأتي بطفلها في الليل تسكته وتقول له: اسكت وإلا أعطيتك للفضيل

توبته

أتى الفضيل بن عياض فطلع سلماً على جدار يريد أن يسرق صاحب البيت، فأطل ونظر إلى صاحب البيت جلس الفضيل ووضع يده على السقف وظل ينظر إلى ذلك الرجل العجوز الذي يقرأ القرآن ويبكي، وعنده بنت تصلح له العشاء، وأراد أن يسرقه وهو بإمكانه؛ لأن ذلك الرجل قوي، وهذا الشيخ لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، فمر الشيخ بقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُون

فلما سمعها ، قال : بلى يارب ، قد آن ، فرجع ، فآواه الليل إلى خَرِبة ، فإذا فيها سابلة ، فقال بعضهم : نرحل ، وقال بعضهم : حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا َ

قال ففكرت ، وقلت : أنا أسعى بالليل في المعاصي ، وقوم من المسلمين هاهنا ، يخافوني ، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع ، اللهم إني قد تبت إليك ، وجعلت توبتي مُجاورة البيت الحرام فتاب الله عليه، فجعله إمام الحرمين في العبادة، هذا السارق أولاً أصبح إمام الحرمين الحرم المكي، والحرم المدني


ثم فدم الى الكوفة وهو كبير فسمع بها الحديث ثم تعبد وانتقل إلى مكة فمات بها.

عن إبراهيم بن احمد الخزاعي قال سمعت الفضيل بن عياض يقول لو أن الدنيا كلها بحذافيرها جعلت لي حلالا لكنت أتقذرها.

وعن أبي الفضل الخزاز قال سمعت الفضيل بن عياض يقول أصلح ما أكون أفقر ما أكون وإني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي.

وعن إسحاق بن إبراهيم قال كانت قراءة الفضيل حزينة شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنسانا وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة يرددها.

وكان يلقى له حصير بالليل في مسجده فيصلي من أول الليل ساعة حتى تغلبه عينه فيلقي نفسه على الحصير فينام قليلا ثم يقوم فإذا غلبه النوم نام ثم يقوم هكذا حتى يصبح.

قال وسمعت الفضيل يقول إذا لم تقدر على القيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل كبلتك خطيئتك.
وعن منصور بن عمار قال تكلمت يوما في المسجد الحرام فذكرت شيئا من صفة النار فرأيت الفضيل بن عياض صاح حتى غشى عليه فطرح نفسه.

وعن أبي إسحاق قال قال الفضيل بن عياض لو خيرت بين أن أعيش كلبا أو أموت كلبا ولا أرى يوم القيامة لاخترت أن أعيش كلبا أو أموت كلبا ولا أرى يوم القيامة.

وعن مهران بن عمرو الأسدي قال سمعت الفضيل بن عياض عشية عرفة بالموقف وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء، يقول واسوأتاه، وافضيحتاه وإن عفوت وعن احمد بن سهل قال قدم علينا سعد بن زنبور فأتيناه فحدثنا قال كنا على باب الفضيل بن عياض فاستأذنا عليه فلم يؤذن لنا فقيل لنا انه لا يخرج إليكم أو يسمع القرآن. قال: وكان معنا رجل مؤذن وكان صيتا فقلنا له اقرأ ألهاكم التكاثر سورة التكاثر آية 1 ورفع بها صوته. فأشرف علينا الفضيل وقد بكى حتى بل لحيته بالدموع ومعه خرقة ينشف بها الدموع من عينيه وأنشأ يقول:

بلغت الثمانين أو حزتها فماذا أؤمل أو أنتظر؟
أتى لي ثمانون من مولدي وبعد الثمانين ما ينتظر
علتني السنون فأبلينني.

قال ثم خنقته العبرة. وكان معنا علي بن خشرم فأتمه لنا فقال:

علتني السنون فأبلـينـنـي فرقت عظامي وكل البصر

وعن أبي جعفر الحذاء قال: سمعت فضيل بن عياض يقول أخذت بيد سفيان ابن عيينة في هذا الوادي فقلت له: إن كنت تظن انه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن.

وعن علي بن الحسن قال بلغ فضيلا أن جريرا يريد أن يأتيه قال: فأقفل الباب من خارج قال: فجاء جرير فرأى الباب مقفلا فرجع قال علي فبلغني ذلك فأتيته فقلت له جرير فقال ما يصنع بي يظهر لي محاسن كلامه وأظهر له محاسن كلامي فلا يتزين لي ولا أتزين له خير له.

وعن الفيض بن إسحاق قال سمعت فضيلا يقول لو قيل لك يا مرائي لغضبت ولشق عليك وتشكو فتقول قال لي يا مرائي عساه قال حقا من حبك للدنيا تزينت للدنيا وتصنعت للدنيا ثم قال اتق ألا تكون مرائيا وأنت لا تشعر تصنعت وتهيأت حتى عرفك الناس فقالوا هو ر
جل صالح فأكرموك وقضوا لك الحوائج ووسعوا لك في المجالس وإنما عرفوك بالله ولولا ذلك لهنت عليهم.

قال وسمعت الفضيل يقول تزينت لهم بالصوم فلم ترهم يرفعون بك رأسا.

تزينت لهم بالقرآن فلم ترهم يرفعون بك رأسا تزينت لهم بشيء بعد شيء إنما هو لحب الدنيا.

وعن الحسين بن زياد قال دخلت على فضيل يوما فقال عساك إن رأيت في ذلك المسجد يعني المسجد الحرام رجلا شرا منك إن كنت ترى أن فيه شرا منك فقد ابتليت بعظيم.

وعن يونس بن محمد المكي قال: قال فضيل بن عياض لرجل لأعلمنك كلمة هي خير من الدنيا وما فيها والله لئن علم الله منك إخراج الآدمين من قلبك حتى لا يكون في قلبك مكان لغيره لم تسأله شيئا إلا أعطاك.

وعن إبراهيم بن الأشعث قال سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما يؤمنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه فاغلق دونك أبواب المغفرة وأنت تضحك كيف ترى تكون حالك.

وعن عبد الصمد بن يزيد قال سمعت الفضيل يقول أدركت أقواما يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال ليس لك هذا قومي خذي حظك من الآخرة.

وعن محمد بن حسان السمني قال: شهدت الفضيل بن عياض وجلس إليه سفيان بن عيينة فتكلم الفضيل فقال كنتم معشر العلماء سرج البلاد يستضاء بكم فصرتم ظلمة وكنتم نجوما يهتدى بكم فصرتم حيرة، ثم لا يستحي أحدكم أن يأخذ مال هؤلاء الظلمة، ثم يسند ظهره يقول: حدثنا فلان عن فلان. فقال سفيان: لئن كنا لسنا بصالحين فإنا نحبهم

وعن بشر بن الحارث قال: قال فضيل بن عياض: لأن أطلب الدنيا بطبل ومزمار أحب إلي من أن أطلبها بالعبادة.
وعن الفضل بن الربيع قال: حج أمير المؤمنين الرشيد فأتاني فخرجت مسرعا فقلت يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك فقال: ويحك قد حك في نفسي شيء فانظر لي رجلا أسأله فقلت ها هنا سفيان بن عيينة فقال امض بنا إليه.

فأتيناه فقرعت الباب فقال من ذا؟ فقلت أجب أمير المؤمنين فخرج مسرعا فقال يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله.

فحدثه ساعة ثم قال له عليك دين قال نعم فقال أبا عباس اقض دينه فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئا انظر لي رجلا اسأله فقلت له هاهنا عبد الرزاق بن همام قال امض بنا إليه فأتيناه فقرعت الباب فقال من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك قال خذ لما جئناك له.

فحادثه ساعة ثم قال له عليك دين قال نعم قال أبا عباس اقض دينه.

فلما خرجنا قال ما أغنى صاحبك شيئا انظر لي رجلا اسأله قلت ها هنا الفضيل ابن عياض قال امض بنا إليه فأتيناه فإذا وهو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها فقال اقرع الباب فقرعت الباب فقال من هذا فقلت أجب أمير المؤمنين فقال ما لي ولأمير المؤمنين فقلت سبحان الله أما عليك طاعة؟ أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: ليس للمؤمن أن يذل نفسه فنزل ففتح الباب ثم إرتقى إلى الغرفة فأطفا المصباح ثم إلتجأ إلى زواية من زوايا البيت فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف هارون قبلي إليه فقال يا لها من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله عز وجل فقلت في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي فقال له خذ لما جئناك له رحمك الله فقال إن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة دعا سألم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء ابن حيوة فقال لهم إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي. فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة فقال له سالم بن عبد الله إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن إفطارك من الموت وقال له محمد بن كعب القرظي إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم عندك أخا وأصغرهم عندك ولدا فوقر أباك واكرم أخاك وتحنن على ولدك.

وقال له رجاء ين حيوة إن اردت النجاة غدا من عذاب الله عز وجل فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك ثم مت إذا شئت وإني أقول لك أني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام فهل معك رحمك الله من يشير عليك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه فقلت له أرفق بأمير المؤمنين فقال يا ابن أم الربيع تقتله أنت وأصحابك وارفق به أنا ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه فكتب إليه عمر يا أخي أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء قال فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال له ما أقدمك قال خلعت قلبي بكتابك لا أعود إلى ولاية أبدا حتى ألقى الله عز وجل.

قال فبكى هارون بكاء شديدا ثم قال له زدني رحمك الله فقال يا أمير المؤمنين إن العباس عم المصطفى صلى الله عليه وسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أمرني على إمارة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل .

فبكى هارون بكاء شديدا وقال له زدني رحمك الله فقال يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من اصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة

فبكى هارون وقال له عليك دين قال نعم دين لربي يحاسبني عليه فالويل لي إن سألني والويل لي إن ناقشني والويل لي إن ألهم حجتي قال إنما اعني دين العباد قال إن ربي لم يأمرني بهذا أمر ربي أن أوحده وأطيع أمره فقال عز وجل: وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين سورة الذاريات آية 56-58.

فقال له هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادك فقال: سبحان الله أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا؟ سلمك الله ووفقك.

ثم صمت فلم يكلمنا فخرجنا من عنده فلما صرنا على الباب قال هارون: أبا عباس إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين.

فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال فلو قبلت هذا المال فتفرجنا به فقال لها مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قال ندخل فعسى أن يقبل المال فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلمه فلا يجيبه فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت يا هذا قد آذيت الشيخ منذ الليلة فانصرف رحمك الله فانصرفنا.

وقد أسند الفضيل عن جماعة من كبار التابعين منهم الأعمش ومنصور بن المعتمر وعطاء بن السائب وحصين بن عبد الرحمن ومسلم الأعور وأبان بن أبي عياش وروى عنه خلق كثير من العلماء وقد ذكرنا جملة من رواياته في ذلك الكتاب.


وفاته

العالم العابد الفضيل بن عياض الشهير بعابد الحرمين لما حضرته الوفاة، غشي عليه، ثم أفاق وقال : وا بعد سفراه، وا قلة زاداه !

وتوفي رضي الله عنه في سنة سبع وثمانين ومائة
من مواضيع : ahmed1981 0 فيلم كوكب القرود الأصلى ج1 ، ج2 .. استمتعوا
0 الفنان جمال سليمان
0 قصة أبو رجل مسلوخة

رد مع اقتباس


  #22  
قديم 21-03-2008, 02:08 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

ثانى و عشرون: الإمام بهاء الدين نقشبند

حياة الشيخ بهاء الدين النقشبند

هو الشيخ بهاء الدين محمد بن محمد بن محمد المشهور بالنقشبند والملقب(بمحمد البخاري) ولد قدس سره في شهر محرم الحرام سنة سبع عشرة وسبعمائة هجري في قرية قصر هندوان التي سميت فيما بعد (بقصر عارفان) من قرى بخارى على فرسخ منها، وفي بعض المصادر ذكر انه سيد حسيني وجده الأكبر محمد جلال الدين، وهو مريد خواجه محمد بابا السماسي وهو شيخ طريقة خواجكان، وقد اشرنا إلى أن هذه الطريقة كانت تسمى طريقة خواجكان، توفي الخواجه محمد بابا السماسي في (755) هـ.

وقد حل السماسي مع عدد من مريديه ضيفا" في قرية قصر هندوان وهي قرية محمد بهاء الدين ولم يمض ثلاثة أيام في عمر محمد بهاء الدين الطفل فاحتضنه جده وقدمه للسماسي الشيخ، ففرح به وقال إني قبلت هذا الطفل ولدا لي، وبشر مريديه بان هذا المولود سيكون إماما لزمانه ، كان جده يريد تربيته تربية صوفية فزوجه وعمره 18 سنة وأخذه في نفس السنة إلى سماس لخدمة العارف الكبير الشيخ محمد السماسي.

وتلقى الطريقة منه وبعد وفاة الشيخ السماسي في 755 هـ أخذه وذهبا إلى سمرقند للبحث عن رجل صالح قادر على تربيته ثم ذهبا إلى السيد أمير كلال خليفة الشيخ السماسي فاخذ الطريقة منه وبدأ بالسلوك وقال أمير كولال له: إن حضرة الشيخ محمد السماسي أوصاه به وقال له لا تأل جهدا بتربية ولدي محمد بهاء الدين ولا بالشفقة عليه. فبدأ بهاء الدين بالذكر والفكر والسلوك الصوفي، وتربية القلب وتزكية النفس.

و كان استعداده فوق العادة فكان يقطع مسافة شهر بيوم واحد و مسافة عام بأيام، ففي يوم من الأيام جمع السيد أمير كولال مريديه وقال لمحمد بهاء الدين أمامهم: إني نفذت وصية مرشدي الخواجه السماسي بتربيتك و لم آل جهدا في تربيتك ثم مد يده إلى صدره وقال: إني أرضعتك جميع ما في صدري فيبس ثديي فتمكنت من إخراج قلبك من قشرة البشرية وتخليصك من النفس والشيطان وأصبحت رجلا عظيما وأنبتك محل نفسي ولكن همتك تتطلب العالي وهذا منتهى مقدرتي على تربيتك وأجيزك لتبحث عن رجل أصلح مني لعله يعرج بك إلى مقام أعلى.

وقد ذكرت سابقا إن بعضاً من المريدين يتقدمون على مشايخهم كالشيخ النقشبند مع مرشده و هو السيد أمير كولال. وبعد أن ترك السيد أمير كولال وقضى سبع سنوات مع مولانا عارف الديك كراني وهو احد خلفاء كولال وصاحبه وقفى 12 سنة مع شيخ تركي اسمه (خليل آتا) فكان عاشقا للعبودية والسلوك. وكان بهاء الدين بالإضافة إلى السلوك يتنقل بين علماء الشرع ولا سيما السنة النبوية لدراستها.

وقد حج مرتين وفي إحدى سفراته ذهب إلى (هرات) فاحترمه الملك معز الدين وكانت له أسفار عديدة فسافر إلى سمرقند وريورتون وسمنان ومرو، وطوس ومشهد وتايباد وقزل رباط وكيش.

توفي الشيخ محمد بهاء الدين النقشبند ليلة الاثنين ثالث شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وسبعمائة وعمره أربع وسبعون سنة ودفن في بستانه في الموضع الذي أمر به وبنا عليه أتباعه قبة عظيمة لا تزال تزار.

وقد ربى عشرات الألوف من المريدين وقد وصل بعضهم درجة الإجازة المطلقة وقد اجتازوا درجات البقاء بعد الفناء.
وبفيض بركاته تمكن خلفاؤه ونوابه إبلاغ مريديهم إلى غاياتهم وأحدهم هو واجه محمد بارسا الذي ولد في بخارى 749 وتوفي في بلخ 148هـ فقد ترك عشرين مؤلفا منها كتاب " القدسية " وهو كتاب يضم أقوال الشيخ النقشبند.

وخلفه ابنه أبو النصر بارسا و هو من كبار مشايخ النقشبندية. ومن عظماء الطريقة النقشبندية الذين تصل إليهم سلسلتنا الشيخ محمد بن محمد المشهور بعلاء الدين العطار فقد ربى مئات من المريدين وابلغهم إلى قمم الغايات.

وفي كتاب الحدائق الوردية عشرات من أسماء مريديه وأخبار عشرات من خلفائه، وجاء فيها: وله خلفاء كنجوم السماء. وفي كتاب "القدسية" المطبوع والمحقق من قبل السيد احمد طاهر العراقي إشارة إلى المراجع المخطوطة للنقشبندية وهو مزين بصورة ضريح النقشبند الذي يقول المستشرق الدانيماركي الوفسين وكان في بخارى في أعوام 1896 ـ 1899: إن ضريح بهاء الدين هو في ركن من بستان مليء بأشجار كثيرة من التوت والمشمش وجانباه جامع ويزار.

وقال ارمينوس وهو أيضا في القرن التاسع عشر، ومستشرق مجري: يتوافد على ضريحه على الدوام خلق كثير، حتى من الصين ومن عادة أهل بخارى أنهم يزورونه يوم الأربعاء ومنهم من يظل يصلى الليل كله في جامعه وان جانب المرقد مسجد وخانقاه.

جاء في كتاب الحدائق الوردية و(الأنوار القدسية) وهي نفس الحدائق: عندما توفي بهاء الدين دفن في بستان له وبنيت قبة و جامع في جانبه وقف الملوك والعظماء كثيرا من الأملاك عليها.

قال كاتب و محقق القدسية: لبهاء الدين النقشبند عدا الرسالة القدسية، رسائل أخرى توجد في مكتبات العالم كالأوراد البهية ، والورد الصغير، ولأوراد البهائية وهي مشروحة وكذلك رسالة الواردات وتوجد نسخة منها في ايا صوفيا وكذلك كتاب "دليل العاشقين" ورسالة الحياة و هي نصائح.

كلمة النقشبند: تساءل كثيرون عن معنى هذه الكلمة و هي نقشبند و ليست "نقشبندي" وهي كلمة فارسية معناها "الناقش" كالمصور ويستعمل للحفر في الحجر والشجر يقال "النقاش" لمن صور باليد، وكلمة النقش عربية ويقال "العلم في الصغر كالنقش في الحجر".

وقيل إن أجداده كانوا نقاشين وهو غير صحيح فلو كان ذلك صحيحا لكان اسم بهاء الدين نقشبنديا و ليس بنقشبند.
وانه شخصيا طول حياته لم يسلك عملا غير السلوك الصوفي. فالمعنى متوجه إلى المعنويات أي كان بهاء الدين نقاش القلوب و قد رسخ نقش "لله" في قلبه و قلوب مريديه ونهجه كما هو واضح، عمل للمذكور ليكون في قلبه.
يقول الشاعر النقشبندي: يا رفيقاً في طريق النقشبند إنقش ذكر الحق في قلبك بجد.

وقال بعضهم: النقشبند قرية في (بخارا) وبهاء الدين من سكانها وهو غير صحيح إذ لا توجد قرية بهذا الاسم وإن حياته معروفة وواضحة ولو كانت هنالك قرية بهذا الاسم لقيل النقشبندي لا النقشبند.

والحقيقة هي أنه روج الذكر الخفي من أجل دوام المذكور في القلب ونقشه في الباطن. ومن أسمائه: محمد بهاء الدين الأويسي البخارى وهو يوضح انه من"البخارى" ولكن ما معنى الأويسي؟ يقول مؤلف كتاب "تاريخ التصوف في كردستان" نقلا عن كتاب "تاريخ السليمانية" لامين زكي، سمي أويسياً لأن خُلُقِه في التصوف هو خُلُق الأويس القُرني لذلك سمي أويسياً.

والحقيقة أن المشايخ الذين توصلوا عن طريق المشايخ المتوفين أو المشايخ الذين لم يلتقوا بهم جسديا وتربوا على أيديهم معنويا وليس جسديا يسمون بـ "الأويسي" فكما أن سيدنا أويس القرني حرم من نعمة اللقاء بالرسول صلى الله عليه وسلم وحظا بروحانيته وبركاته.

وهكذا يمكن أن يستفيد المشايخ من مشايخ توفوا أو لم يلتقوا بهم وهم أحياء.

وحيث أن النقشبند قد تلقى التربية الروحية كما قال في وصف رحلته الروحية، من روحانية الخواجه عبد الخالق الغجدواني، وكان أمير كولال قد اعترف بأنه قد أوصله إلى مقام معين قدر طاقته، و قد رفعته روحانية الشيخ الغجدواني المتوفى قبل بهاء الدين بسنين طويلة إلى هذا المقام الكبير، فهو على هذا الأساس أويسي المشرب لذلك يقال له "بهاء الدين الأويسي".
ولذلك أيضا يقال أن سلسلة بهاء الدين النقشبند تصل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد عشرة من المشايخ ويقع أمير كولال، والسماسي، وعلى رامتيني ومحمود إنجير فغنوي وعارف ريوكري بين بهاء الدين "الغجدواني" فما دامت روحانية الغجدواني هي التي ربت بهاء الدين النقشبند فيعتبر مرشدا له. وهذا المقام الأويسي لم يكن خاصا به بل كذلك الشيخ حسن الخرقاني ومن المشهور أن روحانية البسطامي ربت الشيخ حسن المتوفى في 425 هـ وتوفي بايزيد في 261 هـ كما انه من المشهور أن البسطامي من تربية الإمام جعفر الصادق المتوفى في(148) هـ.

ويقول البعض: يوجد شخصان باسم بايزيد احد هما عاش في زمن الإمام جعفر وأقصد بذلك توضيح معنى "الأويس" وإلا فان هؤلاء المشايخ الكبار قصدوا الله سبحانه وهو حاضر في كل مكان وهادي عبده "واتقوا الله ويعلمكم الله".

ومن كان له مرشد كبير مثل أمير كولال وقال إني أعطيتك كل ما أملك وأخرجتك من القالب البشري، وهذه إشارة إلى مقام البقاء بعد الفناء، فإنه يستطيع بعد ذلك شق طريقه والله سبحانه قادر على أن يأمر روحانية رجل صالح لتربية الآخرين.
ومن كبار المشايخ الذين أوصلهم النقشبند، الخواجه يعقوب الجرخي المتوفى في سنة852 وهو واحد من فرسان طريق الهداية والإرشاد وأوصل مئات من السالكين إلى غاياتهم.

وان أقوال بهاء الدين النقشبند في الإشارات وأسرار الطريقة وفي الإرشاد تكفي لتوضيح هذه الميادين الصوفية ومن أراد الإطلاع على الطريقة النقشبندية وكبار مشايخها فعليه مطالعة هذه الكتب:

1 ـ القدسية، وهي كلمات بهاء الدين النقشبند، نشرها السيد احمد طاهر العراقي باللغة الفارسية وفيها إشارة إلى مراجع أخرى كثيرة.
2 ـ رسائل أخرى للشيخ بهاء الدين النقشبند.
3 ـ مكتوبات الإمام الرباني وهو كتاب عظيم.
4 ـ نفحات الأنس للملا جامي.
5 ـ رشحات عين الحياة فخر الدين على كاشفي.
6 ـ أنيس الطالبين وعدة السالكين.
7 ـ الحديقة الندية في آداب الطريقة النقشبندية محمد بن سليمان البغدادي / مطبوعة في مصر.
8 ـ حبيب السير.
9 ـ مناهج السير لأبي الحسن المجددي طبع 1957 في دلهي.
10 ـ المواهب السرمدية في مناقب النقشبندية.
11 ـ تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب. للشيخ محمد أمين الكردي.
12 ـ الحدائق الوردية في اجلاء النقشبندية. عبد المجيد الخاني.
13 ـ الأنوار القدسية من مناقب السادة النقشبندية محمد الرخوي وهو نفس كتاب الحدائق.
14 ـ أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد.
15 ـ رياض المشتاقين لملا حامد البيساراني خليفة الشيخ عثمان سراج الدين النقشبندي مخطوطة.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



ما هي الطريقة النقشبندية


مقدمة:

الطريقة مسلك خاص من مناهج التصوف يتخذه السالك للوصول إلى غاية هي الإيمان الكامل الذي يصل إلى عين اليقين أو حق اليقين. وهنا لا يكون الإيمان تقليديا أو استدلاليا يمكن تعرضه لهزة الشك إذ يرى بعين بصيرته فلا يؤثر فيه شيء وكما قال الإمام الرباني في مكتوباته إن الفرق بين إيمان العلماء وبين إيمان المشايخ الكاملين للتصوف هو أن معرفة العلماء بالاستدلال وأن معرفة المتصوفين بالكشف والذوق وسواء كان الأساس استدلالات أو كشفا فإن الغاية هي تطبيق الشريعة المحمدية.

وكما أننا نجد في ميادين علوم الشريعة مجتهدين كباراً برزوا وتركوا مذاهب ومناهج مستقيمة فسرت للأجيال الإسلامية معاني الشريعة وأهدافها مثل الإمام مالك بن أنس (715 ـ 795)م وأبي حنيفة (699-767)م ومحمد بن إدريس الشافعي (767 ـ820)م وأحمد بن حنبل (780 ـ855)م ومجتهدين آخرين درسوا هذه العلوم وتبحروا فيها وكونوا مدارس متميزة فإننا نجد في ميادين علم التصوف رجالا فضلاء شقوا طرقا ومسالك اتخذها عشاق الروح للوصول إلى الإيمان الكامل من أمثال:

*الشيخ معروف الكرخي، *وأبي يزيد البسطامي، *وذي النون المصري *وعبد القادر الكيلاني، *وأحمد البدوي *وأحمد الرفاعي *وبهاء الدين النقشبند، *والشيخ عمر السهروردي، *وأبي الحسن الشاذلي، *ونجم الدين الكبروي، *وجلال الدين الرومي *ومعين الدين الحسني الجشتي، *وأبي العباس التيجاني، وعشرات من هؤلاء الرجال الذين أسسوا طرقا خاصة لتربية السالك للوصول إلى نهاية المرام ولكنها تنبع جميعا من مصدر واحد، ومثل ذلك "في الأمور الدنيوية" إننا نصنع من الحنطة عشرات من أنواع الخبز وصوره ونصنع من اللحم والأرز عديد من الطعام ولكل مذاق يختلف عن الآخر بالرغم من وحدة الأساس والمادة ولكن الجميع يؤدي غرضا واحدا هو الشبع، والتمتع وبناء الجسم وتماسكه. وكما أن المذاهب الإسلامية تهدف إلى توضيح طرق العبادة وأحكام الشريعة والسنة النبوية لاتخاذها منهجا للحياة. فإن الطرق الصوفية تهدف أيضا إلى ترسيخ الإيمان الكامل، وإيصال السالك إلى الإيمان اليقين "عين اليقين" لكي يكون قلبه مطمئنا بالإضافة إلى دعوته لتطبيق تعاليم الشرعة. وللسلوك الصوفي النقشبندي منهج خاص لإيصال المريد إلى غايته فالطريقة القادرية مثلا تتخذ الذكر الجهري شعارا لها والطريقة المولوية تعرف بقراءة الأشعار والذكر وحفلات السماع وللنقشبندية أوراد خاصة بهم ومع اختلاف الطرق في الأوراد والذكر والشعارات فإنها تلتقي في هدف واحد هو معرفته سبحانه ورضوانه والقرب منه. وهي طرق حددها العارفون بالله من المشايخ المجتهدين في علم التصوف بهداية من ربهم سبحانه:

(وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ) البقرة282

(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) العنكبوت69

فقد علمهم الله وهداهم ويتولون هم إرشاد مريديهم إلى هذه الطرق ومثل ذلك مثل الطبيب الذي يكتشف دواء لمرض فيصفه لمرضاه وهؤلاء أطباء القلوب تسلقوا معالي الآمال في معرفة الله فيرشدون السالكين للوصول إلى قمم الآمال ولاشك إنها جميعا تعود إلى سنة النبي وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومصدرها جميعا هو القرآن الكريم وخاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وسلم).


المنهج النقشبندي

لا فرق بين الشريعة والطريقة ولكن الصوفي ينقطع للذكر والفكر فيصفو قلبه، يزيد إيمانه فيكون عين اليقين فيطبق الشريعة بقلب ممتلئ الإيمان. ومن انحرف عن الشريعة برأت منه الطريقة. وبعد هذه المقدمة آن لنا أن نعرف:

1 ـ ما هو المنهج النقشبندي للوصول إلى قمم الآمال الروحية؟
2 ـ كيف بدأت النقشبندية؟ وسلسلة رجالها رحمهم الله.
3 ـ متى سميت هذه الطريقة بالنقشبندية؟ ولماذا؟

نشير أولاً إلى أقوال لمشايخ التصوف قبل الشروع في الإجابة المفصلة:

* قال الشيخ عبد الله الدهلوي المتوفى في (1240)هـ: إن ثمرة هذه الطريقة "النقشبندية" هي الحضور الدائم في حضرة الحق تعالى وترسيخ العقيدة الإسلامية عقيدة أهل السنة والجماعة وإتباع سنة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم).

* وفي كتاب الحديقة الندية للشيخ محمد بن سلمان البغدادي يروى أن الشيخ محمد مراد الأزبكى قال: "إن الطريقة النقشبندية طريقة الصحابة الكرام باقية على أصلها، لم يزيدوا ولم ينقصوا وهي عبارة عن دوام العبودية ظاهرا وباطنا بكمال الالتزام بالسنة والعزيمة وتمام اجتناب البدعة والرخصة في جميع الحركات والسكنات من عادات ومعاملات مع دوام الحضور مع الله تعالى على طريق الذهول والاستهلاك"

* ونقل في نفس المصدر عن أبن حجر الهيتمي 909 ـ 974 هـ "الطريقة العلية السالمة من كدورات جهلة الصوفية هي الطريقة النقشبندية" قال مقدم كتاب القدسية: التصوف النقشبندي إتباع السنة وهو معتدل و وسط وأساسه تطبيق الشريعة وتجنب البدع.

* ويقول أيضاً: إن اعتدال السلوك النقشبندي وما فيه من إتباع الشريعة، ويسر الطريقة كان السبب في شيوع هذه الطريقة لاسيما بين علماء الدين فقلب الصوفي النقشبندي لله، وجسمه للناس. والحقيقة أن المشايخ الذين وصفوا هذه الطريقة مجمعون على أنها إتباع للشريعة أولا، والدوام على الذكر والفكر والعبودية والإخلاص والإيثار ونكران الذات ثانيا، وبالنسبة لجواب السؤال الأول نقول: جاء في كتاب إيضاح الطريق: إن النقشبنديين لهم ثلاث طرق للوصول إلى قمة المراد:

1ـ الدوام على الذكر.
2ـ المراقبة.
3ـ طاعة المرشد.

لا بد من القول أن الخطوة الأولى هي التوبة أي الإقلاع عن كل عمل سيء بشكل بات.
وتطبيق تعاليم القرآن والسنة النبوية.


1 ـ الدوام على الذكر


وللذكر صورتان:

ـ ذكر "الله" ويعني ذكر الذات أو ذكر الجلالة.
ـ ذكر "لا اله إلا الله" ويعني النفي والإثبات.

ومن المعلوم أن الذكر عند النقشبندية ذكر خفي بالقلب.


أ ـ ذكر الله:


من آدابه:

أن يكون الذاكر متوضئا وفي مكان طاهر هادئ مستقبلا للقبلة.

فيدعوه سبحانه لحفظه من وسوسة الشيطان والنفس ثم يستغفر الله. ويتذكر مرشده إن كان له مرشد. وبعد ذلك يبدأ بالذكر بقلبه. ولكن الذاكر يمكنه ذلك بكل صورة وفي أي وقت قال تعالى "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" آل عمران.

ومن آداب الذكر الصوفي النقشبندي:في البدء يلصق المريد لسانه بعرش فمه لمنعه من الحركة. ثم تذكر "الله" قلبيا. والقلب من لطائف الباطن وليس المراد به اللحم الصنوبري ولكنه تحت الثدي الأيسر قليلا ويتأمل عظمة "الله" لا شكل كتابة اسم "الله" "ليس كمثله شيء" فيؤمن أن الله موصوف بجميع صفات الكمال ومنزه عن كل نقص.

ولى الذاكر أن يكون دائم الذكر ليلا ونهارا ودون حركة من اللسان والبدن حتى يبدأ قلبه بالذكر، ويشعر هو به. ثم يتوجه إلى روحه التي في الجانب الآخر من الصدر تحت الثدي الأيمن بإصبعين. فيذكر الله به حتى يصبح الروح ذاكرا أيضاً، ثم يتوجه إلى لطيفة السر التي تقع فوق الثدي الأيسر بإصبعين مائلا إلى الصدر ثم إلى لطيفة الخفي الذي يقع وسط الصدر فيبدأ بالذكر.

وحين تبدأ لطائفة بالذكر تصبح كل لطيفة مصباحا مضيئا بنور خاص وتبدأ لطيفة النفس بالذكر وهي في الجبين وهي من عالم الخلق واللطائف الأخرى من عالم الأمر وهي لطائف معنوية يحس بها السالكون وحدهم وقد ذكرت سابقا. وبعد ذلك يبدأ دور"القالب" البدن المؤلف من العناصر إذ تبدأ كل ذرة في جسده بالذكر ويحس به السالك نفسه.

* وقال الملا حامد البيساراني وهو احد علماء التصوف من النقشبنديين: منهم من يذكر الله في يوم واحد خمسة وعشرين ألف مرة واقلهم يذكر خمسة الآف مرة. وأتضح مما سبق أنهم وضعوا خمس مراحل لذكر اللطائف التي في عالم الأمر ومرحلتين للطائف عالم الخلق.

إذا للذكر سبع خطوات: وهذا معنى ما قاله الإمام الرباني "إن طريقتنا سبع خطوات" وقال بعضهم كناية: "الطريقة خطوتان" خطوة في عالم الأمر، و خطوة في عالم الخلق. وأن الدوام على الذكر يجعل اللطائف السبع وكل ذرة في الجسم تذكر "الله". وفي هذه الحال يشعر المريد بالراحة واللطافة في قلبه ووجدانه.

وتقال لهذه الحالة "سلطان الأذكار" أو "سلطان الذكر" وقد يصل إلى حالة يحس فيها الذاكر بعد مواظبته على الذكر أن العالم كله يذكر "الله" بل يسمع ذكر "الله" من كل ذرة في الكون وهذا الذكر يسمى ذكر "ماسوى". ويعني أن كل مخلوق يذكر الله سبحانه. وهذه من لطائف الطريقة الجليلة. وقد أشار إليها الشيخ عمر ضياء الدين قدس سره حين قال في إحدى قصائده الصوفية "اللطائف جميعها غارقة في ذكر الله".

ولابد من توضيح أن هذه الحالة هي ألف باء التصوف ومقدمته وهي من حالات التزكية أي تطهير اللطائف، وليست من حالات فناء اللطائف. ولكل لطيفة حالة فناء خاصة. وبعد فناء الكل يأتي البقاء وفي هذه المدة يطلع السالك على أسرار عجيبة ويمنح من ربه مواهب معنوية.

اللطائف تتحول إلى مصابيح مشرقة بالنور حين تبدأ بالذكر ويقولون: إن نور كل لطيفة تحت قدم واحد من الرسل والأنبياء أولي العزم وكل سالك يفتح له بسبب احد هذه اللطائف. فيكون له شبه بالخلق المعنوي لذلك النبي.

وهي علاقة معروفة لدى العارفين، حتى أنهم يدركون هذه العلاقة بعد موت أصحابها في قبورهم. فهذا خلقه محمدي و ذلك عيسوي ومن أدرك هذه الأمور بعين البصيرة كيف يتسلل الشك إلى إيمانه؟

- لطيفة القلب تحت قدم آدم ولون نوره اصفر.
- لطيفة الروح تحت قدم نبيين هما نوح وإبراهيم واللون احمر.
- لطيفة السر تحت قدم موسى واللون ابيض.
- لطيفة الخفي تحت قدم عيسى واللون اسود.

ولا تناقض بين النور ولون السواد فقد يكون السواد أجمل شيء كلون العين والحاجبين مثلا.

- ولطيفة الأخفى ولونها اخضر تحت قدم حضرة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). فان كان للسالك مرشد فانه ينتقل بمريده من لطيفة إلى أخرى وان تم نور اللطيفة تلألأ هذا النور في وجه المريد فيحس به هو ومرشد.

واللطائف مثلها مثل الحواس وهي في عالم المادة واللطائف من عالم الباطن وبعد تزكية لطائف عالم الأمر تبدأ تزكية النفس، وهي من عالم الخلق وليس لها لون كالماء يتلون بما يدخل فيه وتزكيتها صعبة فهي من عالم الطبيعة وهي في الأساس أمّارة بالسوء ومنها تخرج كل الرغبات الخبيثة ولكن ذكر الله سبحانه يطهرها ويروضها.

ويري مشايخ التصوف أن هذا النوع من التزكية يحتاج إلى مرشد والمقصود بالمرشد العارف العابد الذي لاشك في ولايته واجتيازه هذه المقامات وهو إنسان بالاسم ولكنه قطعة من نور وملائكي الصنعة ورباني المسلك، ومن أصحاب المقامات العالية للبقاء بعد الفناء. ومثل هذا الإنسان لا يتصور منه الخيانة لأمة محمد ولا يعقل أن يكون هدفه من الإرشاد الدرجات الدنيوية أو المكتسبات المالية.

ومن السهل أن ينقاد المرء لشخص له هذه المواهب والصفات ويجعله أستاذه ومرشده.

ب ـ ذكر "لا اله إلا الله"


وهو معروف بالنفي والإثبات وأن معظم السالكين يبدأ بذكر الله ثم بالنفي والإثبات وقد يقدم المرشد ويؤخر في ذلك حسب تشخيصه لحال السالك و هو أدرى به.

فلنعلم طريقة هذا الذكر: يتحلى بنفس الأدب والصورة التي ذكرناها من ذكر "الله" ثم يذكر بلسان الخيال كلمة "لا" ويمدها من تحت الصرة إلى الجبين وبعبارة أخرى يمد كلمة "لا"، من أسفل لطيفة الأخفى فوق لطيفة الخفى إلى لطيفة النفس في الجبين ثم من الوجه يمد كلمة (اله) إلى الثدي الأيمن إلى جانب لطيفة الروح ولطيفة أخفى ومن هناك يعيد كلمة "إلا" إلى ظهر الثدي الأيسر وهو محل لطيفة السر وبعد ذلك يضرب بالتخيل بلفظ الجلالة (الله) بقوة النفس المحبوس على سويداء القلب حتى يظهر أثرها وحرارتها في سائر الجسد بحيث يحرق جميع الأجزاء الفاسدة في البدن بتلك الحرارة، فيتنور ما فيه من الأجزاء الصالحة بنور الجلالة.

وبعد إكمال "لا اله إلا الله" بلسان الخيال وبالشكل الذي صورناه مرة أو ثلاث مرات أو أكثر يقول في حال التنفس "محمد رسول الله". وهذه صورة توضيحية لذكر لا اله إلا الله سرا وعلى الذاكر أن يفكر في المعنى لا في شكل "لا اله إلا الله" فيكون قصده في قلبه انه لا موجود بحق يستحق العبادة إلا الله وان العبودية هي هدف الذاكر.

ويقصد من قوله "لا اله" إن كل موجود فان ومن قوله "إلا الله" أن الله باق وحده. و من آداب الذكر سواء كان ذكر الله أو ذكر لا اله إلا الله : انه بعد الذكر يرتاح قليلا ومن هذه الاستراحة يقول : الهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ولا اطلب من عبادتي سوى رضوانك، إني تخليت عن العالمين ولكن أرجو أن تهبني محبتك ومعرفتك. وعليه أن يتأمل بقلبه دون التفكير في الطلب المادي وهذه المراقبة تسمى بـ "الوقوف القلبي". وبمناسبة الحديث عن الوقوف القلبي نقول إن للنقشبنديين (11) مادة، أو كلمة أو أحدى عشرة درجة وعمودا وقلنا سابقا أن الذي لا يتجاوز المقامات العشرة لا يبلغ درجة الفناء والبقاء وهي عبارة عن: التوبة، الإنابة، الزهد، القناعة، الورع، الصبر، الشكر، التوكل، التسليم، الرضا. وهي ما تسمى أيضاً بمقامات اليقين.

وبعد اجتياز طريق السلوك، على السالك أن يتحلى بأحد عشر خلقا وإلا لم يحصل على شيء، ثمانية منها مأثورة عن حضرة الشيخ عبد الخالق الغجدواني (575) هـ وبعدها ثلاثة عن الشيخ الأكبر السيد محمد بهاء الدين النقشبند والمجموع 11كلمة وهي: النظر إلى القدم، السفر في الوطن، الخلوة في الجلوة، الذكر الدائم، العودة من الذكر، اليقظة عند النفس، الحضور الدائم، حفظ آثار الذكر في القلب، والوقوف القلبي و الوقوف العددي والوقوف الزماني لبهاء الدين النقشبند.

وسنذكر معانيها. ويطلب السالك الفيض والرحمة من الله سبحانه متوجها إلى السماء رعاية للأدب لان الله سبحانه فوق كل شيء ليس له مكان وليس له زمان وللوقوف القلبي شرطان أولهما: يحاول أن لا يخطر على قلبه شيء من الخيالات وثانيها، إن خطر على قلبه خيال توقف عن الذكر كاللجام وجاهد لطرد الخيالات ثم يبدأ بالذكر من جديد ويسمى "بالتوقيف" ومن الأفضل توقف التنفس وقت الذكر وحسب نصائح المرشدين.

ومن هذه الحال تنشأ حرارة القلب، وشوق في الداخل، وتتولد المحبة وتطرد الوسوسة وتزال الحجب أمام السالكين شيئا فشيئا. ويتبين من هنا أن التصوف سلوكا ينبغي معرفة بميدانه. ويعني الوقوف العددي أن يكون الذكر بالوتر، مرة أو ثلاثا أو خمسا أو سبعاً هي درجة للسلوك النقشبندي. وله اثر في كشف أسرار الطريقة.

وعلى السالك أن يحاول أن يذكر "لا اله إلا الله" (21) مرة بنفس واحد فان فعله مع المراقبة والتحلي بالآداب التي ذكرناها فانه يحصل على ثمرات معنوية ويتطهر قلبه وتكشف له أسرار يحس بها، وقد ذكرناها، وان لم تحصل هذه الثمرات فانه لم يطبق شروطه فعليه بالتفكير لاكتشاف الخطأ وإن كان له مرشد فانه يأخذ بيديه إلى لب عمله.

ولا بد من العلم بأن هذه الشروط مثل الوقوف القلبي العددي أو التوقف عن التنفس وإمرار الذكر على اللطائف تكون سهلة بعد الاعتياد عليها.

كما أن الرياضة في بدايتها صعبة ثم يتمرن المرء عليها فقد يكون من الصعب أن يرفع عشرة كيلوات أولا ثم يسهل عليه رفع 100 ك فان الرياضة الروحية كذلك ولكن ثمرة الرياضة البدنية مادية وثمرة العبودية هي رضا الخالق وان الرياضة البدنية تتعطل في عمر معين وبعد مدة ولكن الرياضة الروحية تقوى ويكون مصباحا للناس.

وان الثمرة الأساسية لهذا الخلق هي التزكية كما هي الحال في ذكر "الله" أي تزكية اللطائف إذ بذكر الله تتزكي اللطائف واحدة بعد الأخرى ويشع منها النور ومن حيث أن هذا الذكر"لا اله إلا الله " يمر باللطائف كلها فإنها جميعا تشرق بالنور معا و يبدأ بالقلب أولا ً ثم تبدأ اللطائف الأخرى بالذكر ويشع نور خاص منها ويشعر بذلك السالك نفسه.



بعد أن ذكرنا الخطوة الأولى للنقشبندية للوصول إلى قمة المراد، وهي الذكر، نأتي إلى الثانية:



2ـ المراقبة:


وكل شرط ذكرناه للذكر فهو مطلوب للمراقبة أيضاً كالتوبة والاستغفار وغيرها وهي الاستعداد والجلوس في مكان هادئ وطرد الخيالات عن القلب والتوجه إلى باب الحق ويتضرع إلى ربه بكل مسكنة وبكل عشق من الباطن دون واسطة مرشد أو الذكر ويسأل الله أن يستمطر الرحمة والفيض والبركة على قلبه وباطنه وان يشرق قلبه بنور وجهه.

وحين يصبح التوجه إلى الحق ملكة و خلقا راسخا بسبب المواظبة ليلا و نهارا على هذه الحال يصل إلى حالة تسمى في التصوف بـ "التوجه إلى المذكور لا الذكر" أي التوجه إلى صاحب الاسم وهو الله، لا الاسم وهو الذكر. وبهذا يتجلى نور ربه في قلبه وتتحقق المشاهدة.

وقال كبار المشايخ: الجذبة أي الانجذاب إلى الحق تتحقق عن طريق المراقبة بصورة أسرع من الذكر.

ويقال أيضاً: أن المواظبة على المراقبة ترفع السالك المراقب إلى درجة الوزارة المعنوية وهي أعلى الدرجات.

ومن ثمرات المراقبة إن هذا السالك المراقب يطاع في الملك والملكوت، ويكون عارفا بالباطن وآمرا على القلوب.

ومن كان خلقه المراقبة فعليه ألاّ يغفل عن الذكر والعبادة وقيام الليل وأداء الصلوات.

وقالوا أيضاً: إن الاقتراب من هؤلاء الصالحين هو سبب الفوز والنجاح قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}التوبة119 وقد تكشف أسرار لكبار السالكين في حال المراقبة فيعرفون أوضاع سلوكهم.

وهذه معنى المراقبة الخاصة في الطريقة النقشبندية وهو مراقبة النفس وكبح جماحها.



بينا اثنين من الطرق الثلاثة التي على السالك إتباعها للوصول إلى غايته وهي:

1. الذكر
2. المراقبة

والآن نبين السبيل الثالث وهو:

3. طاعة المرشد:


أي يكون السالك تلميذا لمرشد كامل، مطبقا لتوجيهاته بإخلاص وأدب كما هو الحال لتلميذ يتلقى العلم من أستاذه.
وقال كبار علماء التصوف: إن هذا السلوك أسهل وهو اقرب لنيل الغاية ويسمى ذكر"الرابطة" وهو عبارة عن مواصلة العلاقة القلبية مع الله سبحانه فمن كان له مرشد فان هذه العلاقة تتم عن طريق قلب المرشد.

وكيفية ذلك: إن قلب السالك هنا يتعلق بقلب المرشد الذي لاشك في انه نوراني ويشرق فيه نور الله سبحانه، ونوره سبحانه مصدر الأنوار. وان نور الحق يشرق دائما في قلب محمد (صلى الله عليه وسلم) كالكهرباء الذي يتوزع في الجهات كلها، وكالنهر الذي تتوزع جداوله في كل الأنحاء ولكل جدول عشرات من المزارع وآلاف من الأشجار تروى بها. وكذلك يتوزع الفيض والماء الزلال على العاشقين المحبين لكي تروى مزارع قلوبهم بهذا الفيض والبركة وتُثمر ثمراتها الطيبة.

والمرشد الكامل يحصل على نصيبه من هذه البركة وتوزعه على المريدين.

وذُكر أن الشاعر الصوفي مولوى بعث قصيدة إلى مرشده الشيخ عثمان النقشبندي قال فيها:


"أنت ساقي المزارع وكفيتهم جميعا بالكفاف
(ويقصد المزرعة الروحية)
أما مزرعتي فتشكو العطش وثماري تشكو الجفاف
هذا حيف: فافتح الجداول جدولاً بعد جدول وارو مزارعي"


ولابد من بيان أن هذه العلاقات هي روحية ومعنوية ولا تدرك إلا بعين البصيرة ذلك أنها ليست بقنوات فيها المياه تجرى ولاهي علاقات مادية.

فإذا ما استقرت الرابطة وتمكن المريد من ترسيخ هذه العلاقة فانه يستمد النور والبركة منها ويكون لهذا النور انعكاسات من اللطائف فتتزكى واحدة بعد الأخرى. وتعالج العلل والأمراض واحدة بعد الأخرى كعلة الحسد، ومرض الغرور، وطول الأمل، والتهالك على جمع المال، والأمراض المعنوية الخبيثة الأخرى، وعندما يتزكى باطن السالك من الغش واشتعل نور الحق في اللطائف وتبدأ اللطائف بالذكر فان المريد يصل حالة الحضور والمشاهدة وهي الأمل المنشود وبهذه الخطوة يطمئن قلبه وباطنه وتبدأ مرحلة "الأنفس" أي التوجه نحو مرحلة الفناء للوصول إلى منزلة البقاء.

وفي مبحث الذكر اشرنا إلى أن السالك يبدأ بالذكر القلبي حتى يصبح قلبه ذاكرا، ثم يبدأ يتنقل من ذكر لطيفة إلى ذكر لطيفة أخرى ولكنه في هذه الحال يعينه المرشد بالتوجه إليه.

وكيفيته: يتوجه بقلبه إلى إحدى لطائف السالك ويربطها بلطائفه ولا ريب في أن لطيفة المرشد ذاكرة ونورانية فتنعكس على لطيفة السالك فتصبح ذاكرة ونورانية وبعد أن يستقر وضع السالك بعد مهلة في اللطيفة الواحدة يتوجه المرشد إلى لطيفة أخرى لمريده لمهلة قصيرة وإذا كان للمريد شيء من الاستعداد لما يتحلى به من الذكاء فسرعان ما يصل الغاية وتتزكى لطائفه وكذلك فيما يتعلق باجتياز المقامات حتى يصل مرحلة الفناء والبقاء.

وفي هذه المرحلة يستغنى عن المرشد ويكون كاملا بالمعنى النسبي "والكمال المطلق لله وحده" ويرفع الله درجاته مادام الله سبحانه يريد علو منزلته كما انه ليس للعلم الظاهري المادي حدود وإن العالم يظل يطلب العلم ليزداد علمه وكذلك الغني يطلب مزيدا من الغنى وكذلك ليس للطف الله حد والإنسان الكامل الذي بلغ قمة الإنسانية هو سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) ويليه بعده الأنبياء ثم الأولياء.

وفي عرف التصوف يعتبر السالك الذي منح درجة البقاء بعد الفناء إنسانا كاملا، وهذه الدرجة كالدكتوراه في العلوم الدنيوية أو غيرها فيصبح أستاذا ومرشدا في سلكه.

ولابد من التنبيه هنا على اشد ما يخاف منه في الطريقة النقشبندية: هو إن يأذن المرشد لمريديه بالرابطة دون أن يكون قد وصل مرتبة البقاء بعد الفناء.

وهي خطيئة كبيرة لأنها قد توقعه في شبهة الشرك أولا ويكون المرشد مسؤولا عنها، وتوقع المريد ثانيا في أمراض الوسوسة ومصائب أخرى عديدة فالإرشاد شيء وإجازة الرابطة شيء آخر. والإرشاد بمعنى "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" واجب على كل مسلم والإرشاد للشريعة واجب علماء الدين، وبالنسبة للطريقة فعلى المرشد أن يصارح مريديه قائلا: إني أنصحكم وأرشدكم إلى التوبة ولكنى لست بمرشد كامل ولا يجوز لكم الرابطة معي.

أو يقول كما قال (الأمير كولال) مرشد الشيخ النقشبند، له: إن حدود معرفتي هنا وعليك البحث عن مرشد آخر يعلمك بعدي.

وليس المقصود بالتوجه أن يكون المرشد متصلا بالمريد في المكان، ذلك أن المرشد الكامل يستطيع التوجه إلى مريده من مكان بعيد أيضاً ويدخل في قلبه المسرة الروحية ولكن القرب المكاني أفضل كما قلنا: أن التقرب من الصادقين سبب السعادة والفوز. فالرجل الصالح الولي حبيب الله والاقتراب من حبيب الله هو سبب لسعادة الدارين. فعلى المريد أن يطلب المساعدة من مرشده.

قال الشيخ عبد الله الدهلوي: مع أن الذكر اللساني لا يحقق أهداف السالك ما لم يتحول إلى ذكر قلبي ويصبح مَلَكَةً وخُلُقاً راسخاً فان الذكر اللساني مفيد وتكون للذاكر حظوة روحية معنوية إن تم حسب الشروط المذكورة.

ثم قال: على المريد أن يظل ذاكراً لله متذللا أمام باب الحق حتى في أوقات انشغاله بالإعمال الدنيوية
وقال: "بركات من الله تنزل ولكن لقلوب المؤمنين تعجل". وهذه تسمى حال "الخلوة في الجلوة" ومعناها انه مع الحق ولو كان مع الخلق وهذا معنى ما قيل: الصوفي كائن.

(بالجسم كائن مع الناس وبالروح كائن عنهم).

والخلوة في الجلوة إحدى صفات ودرجات السالكين للطريقة النقشبندية. وقد بينا سابقا أن أمراض القلب هي الصفات الخبيثة كالحسد والحقد.... وغيرها من الأمراض والمسلم الحقيقي من طهر قلبه من هذه الأمراض، ولكنه أمر صعب وإلا عولجت مشكلات الإنسان. وفي الحال التي يكون للسالك مرشد فانه يتولى معالجة هذه الأمراض وتخليص قلب مريده منها.

وإن طَبّق السالك آداب الذكر المعروفة وتمسك بذكر "لا اله إلا الله" فتسهل عليه معالجة أمراضه القلبية. وحين يقول "لا اله" يتخيل معه طرد الحسد، وان لا حسد في قلبه ولاشيء في قلبه "إلا الله" فيشعر بنظافة قلبه من الحسد وهكذا الأمر بالنسبة لكل رذيلة. ومن الناس من ليست له بعض الرذائل كالكذب والكبر مثلا فيحقق في حال نفسه وما فيها من الرذائل. وبهذا النوع من الذكر يطهر قلبه منها.

ويقول في بعض الأحيان معترفا في قلبه: أنى مبتلى بهذه الرذيلة فجنبني منها فيتخلص منها واحدة بعد الأخرى ببركة هذا الذكر. وهذا التطهير القلبي والتزكية، وإشراق اللطائف، والتنقل من خطوة إلى أخرى وهي سبع خطوات تسمى
"السفر في الوطن" أي الارتحال قلبيا من مركز إلى مركز حتى تتطهر جميعا، وهو أيضاً التأمل في النفس لكشف الأمراض لمعالجتها قال تعالى"وفي أنفسكم أفلا تبصرون" والصوفي في هذه المرحلة يعيش مع الذكر ويعاف كل شيء عدا ذكر ربه وكما قالوا: كل شيء ماعدا ذكر الله سبحانه نزع للروح ولو كان طعام السكر.

وفي القرآن الكريم "واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" الجمعة 10 ومن حصل على بركة معنوية وأحس بها فعليه العمل للمحافظة عليها، فان ذهبت عاد إلى الذكر إلى أن يستعيد البركة وتصبح البركة حالا دائما وخلقا مستمرا.

وقد ذكر في تعريف اللوامع أن المريد المبتدئ يرى شعاع النور في قلبه ولكنه يذهب ولا يستقر، ويتكرر حتى يألف ويستقر في القلب. وبعد هذا نأتي إلى "جذبة القبول". وهي اسم للسالكين يطلق عليهم عندما تتوجه إليهم حالة خاصة فينجذبون فيها إلى ربهم فيكون محمودا عند ربه فان نضجت الجذبة وظهرت تسري بين حنايا قلبه فيوضات إلهية يحس بها السالك المجذوب فتلتذ روحه ويُسَر وقد يسعد بها السالك سعادة تفقده وعيه. فان استدامت هذه الحالة فانه يقرب من حالة الحضور والفناء وهذه الحالة تسمى "حقيقة الذكر" لأنه من المرحلة الأولى لهبوب البركة كانت الصورة ومن حالة الحضور تكون الحقيقة وتسمى هذه الحال: (درج النهاية في البداية) أو اندراج النهاية في البداية وهذه لا تحصل في يوم أو مرة، ولكل شيء وقته ومدته وحسابه.

أما الثمار الطيبة المتنوعة للطائف ولكل عبادة كالتهجد وقراءة القرآن الكريم فإنها لا تعد ولا تحصى وقد ذكر الإمام الرباني في مكتوباته البركات الخاصة لكل حالة وفي الطرق الصوفية العديدة، فانه كان مرشدا للطرق القادرية، والسهروردية، والجشتية والكبروية، بالإضافية إلى كونه من كبار مشايخ النقشبندية.

قال الشيخ عبد الله الدهلوي: بركة الصالحين قد تنزل كضياء من الشمس فتدخل القلب في زاوية وقد تكون كسحاب يعم جوانب القلب، أو كصبا لطيف أو كمطر، أو نهر، أو كخيمة من حرير تشمل البدن كله أو كالندى الذي ينزل على القلب.
وقال أيضاً: قد يحصل الشوق والدفء الروحي لسالكي الطريقة الجشتية، ويحصل الصفاء واللمعان لسالكي الطريقة القادرية، ويحصل لسالكي الطريقة النقشبندية الغياب وفقدان الوعي، أما السهروردية فآثارها هي آثار النقشبندية نفسها. هذه قطرة من بحر التصوف. وباقة ورد من حديقة غناء تشمل الأرض كلها، أردت بها بيان قدر منه لكم لا الإحاطة به فان عالم التصوف في حقيقته هو عالم معرفة الله سبحانه وهو عالم لا نهاية له ولا حد له لا في أوله ولا في أخره.

ولتوضيح مصطلح "درج النهاية في البداية" أو "اندراج النهاية في البداية" نقول كما أن الاندراج يعني استقرار حقيقة الذكر في القلب وهو ما اشرنا إليه سابقا فان له صورة أخرى هي: قد ينتقل المرشد بمريده في حال توجهه إلى مقامات كبيرة فيريه إياها، أو يبقيه هناك مدة يظن فيها انه قد حل هناك فيعيده إلى مقامه الأول وهدفه تشويق المريد وحثه على العمل للوصول إليها بقلب مشتاق ملهوف.

ومثله مثل الأمور الدنيوية حين يدعى إنسان إلى قصور فخمة ويقال له انك إن وصلت إلى ذلك المقام أصبحت صاحب هذه القصور، فإذا كان ممن يرغب في الدنيا فانه يعمل بشوق اكبر للحصول عليها حقيقة. ومن صور الاندراج انه قد يحصل الكشف للسالك وتبدو له بعض الأسرار كأن يكشف له حال الميت صالحا أم لا، وهو في الحقيقة لم يصل إلى هذا الحد الذي يدرك بقوته المعنوية هذه الأحوال. وحكمة ذلك دعوته للخوف والأمل "الخوف والرجاء" ويصل إلى "عين اليقين". ومن صوره انه يجتاز المريد المراحل كلها ويقترب من الوصول حتى يصبح خليفة دون أن يكون صاحب البركات، ولكن قوته الباطنية تقع في ظل القوة الباطنية للمرشد، ويسمى اصطلاحا "في ظل المرشد" أو في ظل القطب واصطلح عليه أيضاً بضمنية المرشد، وهذا الخليفة لا يعرف إن هذه القوة ليست له وهي لمرشده، وصادف مرارا أن كبار المشايخ يرسلون خلفاءهم في هذه الحالة للإرشاد.

تبين أن درج النهاية اكبر من غيرها. فقد يحتار الناس من هذه المواهب والكرامات والبركات التي تظهر على هذا الخليفة الذي لا يختلف توجهه عن توجه شيخه وهو يعالج أمراض القلب العديدة، ويوصل السالك، ولكنها في نفس الوقت اختبار للمرشد ليكتشف قابليته فقد يسقط الخلفاء في الامتحان ويسيطر الغرور عليهم ويظنون أنها من قدراتهم وان لم ينجحوا فإنهم لن يرجعوا إلى مقاماتهم الأصلية بل قد يطردون مدة وان نجحوا يعادون إلى مقاماتهم ولكن هذه الدورة مفيدة إن اعتبر بها وحافظ على الأدب إذ يرفع درجاته وقد اطلع على المقامات العليا وعندما يرجع إلى محله السابق فانه يتنبه إلى أن هذه القوى لم تكن له وإنما هي لمرشده.

أين هو من هذه المقامات؟ فعليه عمل شاق ورياضة دائمة للوصول إليها.

وهذه الصور المختلفة لدرج النهاية في البداية تابعة لرغبة المرشد ذلك انه أستاذ القلب، وخبيره وطبيبه وهو ادري بحاجة كل مريد ومداها.

إن منهج سلوك اللطائف بشكل مقسم هو منهج الإمام الرباني، أما خلفاؤه ومنهم نجله الشيخ محمد معصوم استصعبوا هذا العمل فاكتفوا بتربية لطيفة القلب في عالم الأمر، ولطيفة النفس في عالم الخلق وإيصالها، أما اللطائف الأخرى فتربيتها بالتزكية حتى وصول مرحلة الفناء والبقاء.

وقال الشيخ عبد الله الدهلوي: نحن نأخذ بالرأي الأخير، ولذا نقول: (إن المرشد النقشبندي هو الذي يختار ما يراه الأفضل والضروري لمريده لاسيما بالنسبة لمن يجري تربيتهم عن طريق الرابطة، وعندما تبدأ اللطائف بالذكر يحظى بحضور الحق ولهذا الحضور أنواع وقد وضع كبار السالكين لكل نوع من الحضور اسماً وذلك لمعرفة وإفهام المريدين. وإن كان حضور الحق مقابل حضور الحق بحيث لم يسكرك هذا الحضور فتنسى الناس، ولم يؤثر في حضورك الناس، فيسمى "ذكر القلب" وان كان حضور الحق غالباً فهذا "ذكر الروح" وإن أنساك هذا الحضور نفسك ولكن لم تنس الخلق فهو "ذكر السر" فان أنساك حضور الحق نفسك والخلق فهو "ذكر الخفي").

فما هو الحضور؟
كيف الإحساس به؟

قال: إن استطاع المريد النظر إلى قلبه وعرف انه قريب من الله سبحانه فهذا هو الحضور وحتى إذا لم يكن دائما فانه واضح للسالك. و قد يقل الحضور بسبب انشغال المريد بكسب الدنيا وان كان حضوره بشكل "كأنك تراه" وفي كل وقت وحال، حين الكلام وحين السكوت، وعند السرور والغضب، و أصبح الحضور ملكة فهذه الحال تسمى"الوعي الدائم" وهو التذكر الدائم. وهي إحدى أسس الطريقة النقشبندية.

وتبذل هذه المحاولات، ذلك انه قد سعد بعين بصيرته بالرؤية والمشاهدة و قد يشعر السالك في هذه الحال انه يشاهد بعين البصر لا بعين البصيرة إذ يغلب عليه الحضور فيتلفظ بكلمات يفهم منها الحلول والاتحاد، والحقيقة انه في حال حضور وما يقوله يعتبر شطحات تخرج من فمه وقد يقال له انك قلت كذا وكذا فلا يصدق كما هو حال السكران بعد إفاقته.

وهذه الرؤية تشبه الرؤية المنامية التي هي رؤية خاصة. و لا يمكن رؤية الله بعين البصر في هذه الدنيا فان سمعنا أمرا مخالفا من مجذوب فعلينا أن نعلم يقصد ما يحس به في نفسه لا في الواقع.

وقال الشيخ عبد الله الدهلوي: وبعد هذه الحالة "عين اليقين" تبدأ "المراقبة المعية" كما قال سبحانه وتعالى..(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) الحديد4.

وهنا أجيز للذكر باللسان وهذا النوع من القرابة يعتبر من الولاية الصغرى وهي أول درجة الأولياء وهي قطع المسافة في ظل "أسماء الله" وهذا المقام يسمى مقام الجذبة فيتحقق له الشعور بالبركة، والخفقان، والشوق والبكاء والذوق والتوحيد الفعلي وتجليات نور الحق ورؤية الوحدة والكثرة وحالات الإنس والهيمان والوحشة والحيرة كما لا يخفى على أرباب هذه الولاية، ويتحقق أيضاً الاستغراق في بحر المعرفة فينقطع عن علاقاته بالناس وينسى ما سوى الله ويسلم قلبه من الخطرات والوساوس.

وهذه تتحقق في مرحلة الولاية و يتحقق هنا أيضاً فناء القلب أي الدوام على حالة السكر الروحي وطرد ما سوى الله في قلبه. ويقول احد الشعراء بهذه الدرجة ما معناه:

متى افترق عن نفسي ولا يبقى أنا وأنت والباقي هو الله وهذه حالة المعية أو المراقبة المعية.

سبق أن ذكرنا إن الله قريب منا وفي القرآن الكريم "نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" والعبد أيضاً لسبب تزكية باطنه يشعر بهذا القرب والحقيقة أن كل عبد قريب منه و لكن الطاهر يحس بالقرب أما الذي لم يتزك قلبه فانه لا يشعر بنعم الله، و تحدث الشيخ عبد الله عن أربعة أنواع من الفناء فقال:

1_ فناء الخلق: وهو أن لا يخاف من أحد ولا يرجو أحد إلا الله.

2_ فناء الرغبة: فالسالك هنا لا يرغب إلا في القرب منه سبحانه.

3_ فناء الإرادة: فلا تبقى له ويكون كالميت فلا يطلب شيئا.

4_ فناء الأفعال: لا تبقى له قدرة على أي فعل فيريد كل شيء من ربه أو عندما تنتهي قدرته على الفعل يتولى الله سبحانه أعماله، وهذه إشارة إلى الحديث القدسي "ما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها".

كما ذكرنا سابقا:

يقول النقشبنديون إن مقام الولاية عبارة عن عشرة مقامات هي:

التوبة، الإنابة، الزهد، القناعة، الورع، الصبر، الشكر، التوكل، التسليم، الرضا.
(والتي تُسمى أيضاً بمقامات اليقين)*
من مواضيع : ahmed1981 0 مسرحية مأساة الحلاج
0 النشيد الوطنى الفلسطينى
0 أنبياء الله فى الاسلام

رد مع اقتباس
  #23  
قديم 21-03-2008, 02:09 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

وفي النقشبندية أن مقام الولاية وفناء القلب لا يكفي ليكون الشيخ مرشدا ولا يكون كذلك إلا بعد فناء النفس وتحقق كمالات الولاية الكبرى فيكون صالحا للإجازة المطلقة في الإرشاد.

إن في حال فناء القلب تزول الخطرات من القلب فتنزل في النفس وفي حال فناء النفس التي مكانها في الجبين لا يبقى مكان للخطرات.

وهذه الدرجات التي يقطعها السالك في رحلته إلى الله سبحانه من أولها إلى الدرجة التي لا يعلمها إلا الله وقد يحس بها السالك شبهت بالدوائر.

وهذه الدوائر تشتمل على جميع اللطائف والمنح والمواهب في مقدمتها تسمى دائرة الإمكان وفي آخرها دائرة اللا تعيين، وهي عشرون دائرة، وفي هذه الدوائر قال بعضهم: إذا أزيل حجاب على خد المحبوب يظهر حجاب آخر، وإذا قطع حجاب يظهر حجاب آخر.

وقد تحدث الإمام الرباني في مكتوب انه والشيخ عبد الله الدهلوي في كتابه إيضاح الطريق عن هذه الدوائر وهي اسم معنوي ولكنه يشبه فعلا الدوائر وواضح عند سالكي الطريقة النقشبندية وسأتناولها باختصار:

على السالك قبل كل شيء أن يقطع دائرة الإمكان وهي تمام عالم الخلق والأمر والعروج بتزكية هذا العالم، وهو عبارة عن تزكية اللطائف الخمس وتزكية النفس والعناصر الأربعة وطبيعة الجسم، فإن أكمل مسيرة هذه الدائرة بالتزكية تخلص من دائرة الإمكان ووصل إلى الدائرة الثانية و هي الولاية الصغرى التي هي ولاية الأولياء وفي هذه الولاية يبدأ السير والعروج نحو قمة المطلوب في ظلال الأسماء والصفات ومن هذا الموطن يتحقق الشروع في حقيقة الفناء "الجذبة" من ثمراته.
وبعد العروج من الدائرة السابقة بطريقة السير في ظل أسماء الله يكون ذلك شروعا في الولاية الكبرى وهي مخصوصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالأصالة و وصول أصحابهم الكرام إلى هذه الدائرة بالتبعية ومن وصل إلى هذه الدائرة فقد اجتاز مقام "فناء النفس". إن فناء النفس وفناء القلب يختلفان عن تزكية القلب أو تزكية النفس فالتزكية هي للابتداء وهي تهيئة للقلب ليس إلا، ولكن فناء اللطائف مقام أعلى وهو آخر درجة، ودائرة الولاية الكبرى لها ثلاث دوائر وقوس واحد أي ثلاث دوائر ونصف دائرة يحس بها السالك وعليه أن يجتازها واحدة بعد الأخرى بكل قوة ورجولة كما هو حال السالك في طريق جبلي أو طريق صحراوي.

والسالك نفسه يعرف أين هو!! ويتم السير في هذا الطريق في ظل الأسماء والصفات و ثمار السالك من هذه الدائرة هي الفناء الحقيقي، حقيقة الإسلام، وشرح الصدر، ومقام دوام الشكر والرضا، دائرة الولاية العليا وهي دائرة الملا الأعلى من الملائكة والأرواح وتحصل للصالحين بالتبعية.

وفصل الإمام الرباني ذلك فقال: أن عمر الإنسان كله لا يكفي لاجتياز خطوة في هذا الميدان لولا عناية الله سبحانه، و في هذا الموضوع يشير إلى قوله تعالى "تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" المعارج 4.
فلا يمكن العروج إلى هذا المقام إلا بعون منه سبحانه ومن ثماره النور الذي يحصل للسالك فيتذكر الوقت الذي كان في سلطان الأذكار وحصل له مثله ولكن أين هذا النور من ذلك؟ وهو مقام عظيم ورفيع. وحيث أن هذه الولاية أصلا للملأ الأعلى فتحصل للسالك علاقة بالأرواح والملائكة ويدرك الأسرار التي كانت من ثمار لطيفة السر، ولطيفة الأخفى، فهنيئا لأرباب النعيم نعيمهم. ثم تبدأ الرحلة في دائرة كمالات النبوة. وفي هذه الدائرة يحصل التجلي الذاتي دون غطاء الأسماء والصفات.

ويقول: إن تقدم خطوة هنا أفضل من مقامات الولايات، إذ يتحقق الحضور دون تردد أو خفقان قلب ويتحقق برد اليقين، وهو لا يبلغه الحال ولا المقام، وهنا أيضاً تظهر له علوم الشريعة وهي مقام خاص بالأنبياء أساسا يرثه الأولياء بإتباع طريقهم. واقتبس هنا مما كتبه الشيخ عبد الله الدهلوي في كتابه إيضاح الطريق مكتفيا ببعض الأمور المهمة في هذا الموضوع، والدوائر الأخرى هي سير في الكمالات حيث يحصل كمال بعد كمال لكبار رجال التصوف مثل:


- دائرة كمال الرسالة،
- دائرة كمال أولى العزم،
- دائرة حقيقة الكعبة،
- دائرة حقيقة القرآن،
- دائرة حقيقة الصلاة،
- المعبودية المحضة.

ومن هنا يتوقف السير بالقدم ويبدأ السير النظري فيرى بعين البصيرة هذه المقامات، فيرون بهذه العين "دائرة الخلية" وهي مقام سيدنا إبراهيم خليل الله، والأنبياء الآخرون تابعون له في هذا المقام "اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً" النحل123 كما تقول في الصلاة "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" ومعنى كما صليت هو التبعية.

وتمسى هذه الدائرة بالحقيقة الإبراهيمية. ثم دائرة "المحبة الصرفة الذاتية" التي تظهر لكبار السالكين و يقع من مركزها الحقيقة الموسوية وهي دائرة حقيقة موسى، ثم دائرة المحبية والمحبوبية الممتزجتين وهي:

- دائرة الحقيقة المحمدية، وهي دائرة عظيمة.

- ثم الدائرة المحبوبية الصرفة الذاتية وهي الحقيقة الأحمدية

- ثم دائرة الحب الصرف ويأتي بعدها "اللا تعيينية" وهي الدائرة التي لا يبلغها احد بالسير القدمي بل بالسير النظري. وقد يحظى السالك بمقام معين (بالتبعية) وهي في اصطلاحهم كالضمنية والظلية ومعناه: إن صاحب المقام (البركة) يأخذ صديقه المحبوب بالتبعية إلى مقام ليس له فهو تابع وليس بصاحب مقام و هو يحترم في هذا المقام تقديرا لمضيفه ، كما هو الحال في أمور الدنيا وعلاقاتها، وأساسه هو حب أبي بكر رضي الله عنه لسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) حيث قال صلى الله عليه وسلم "ما صب الله شيئا في صدري إلا وصببته في صدر أبي بكر".

ثم قال الشيخ عبد الله الدهلوي في آخر الموضوع: إن درجات الولاية الثلاث (الصغرى الكبرى العليا) والكمالات الثلاثة النبوة والرسالة وأولي العزم، والحقائق السبع (حقيقة الكعبة، القرآن، الصلاة، الإبراهيمية، الموسوية، المحمدية، الأحمدية) وبعدها دوائر المحبة الصرفة واللا تعيينية، لا تحصل لكل من سلك من إتباع الطرق.

بعضهم يبلغ ولاية القلب وقد لا يتجاوز دائرة الإمكان، وبعضهم يصل إلى الولاية الكبرى وقليل منهم يبلغ الولاية العليا، و الأقل منهم يبلغ الكمالات الثلاثة وأين من يبلغ الحقائق السبع وأعلاها ؟؟



الكلمات الإحدى عشرة في الطريقة النقشبندية


إن مبنى الطريقة النقشبندية على العمل بإحدى عشرة كلمة وقاعدة صوفية استمدت من التجربة السلوكية لمشايخ الطريقة ثمان منها مأثورة عن الشيخ عبد الخالق الغجدواني (575 هـ) وثلاث منها مأثورة عن الشيخ الأكبر محمد بهاء الدين النقشبند (717ـ791 هـ). وقد عُلِمَ أن النقشبندية أُسست على القلب، والذكر هو التأمل في اسمه تعالى حتى يبدأ القلب وكل الجسد بالذكر وثمرته تطهير القلب من الرذائل ودوام الحضور.

والحقيقة أن المقصود هو المذكور والقرب من الحق والذكر وسيلة للقرب وحين يتجلى نور الله في القلب ويتحقق الحضور لا يبقى الذكر إذ يكون المذكور حاضرا وهذا القرب كما قلنا ليس بقرب الذات من الذات وليس بقرب الجسد من ذات الله سبحانه بل بقرب الباطن من نور الله سبحانه وهذا القرب يدرك بعين القلب لا بعين الرأس أي بالبصيرة لا بالبصر. وكما قلنا إن المثال على ذلك هو الرؤية في المنام. فبأي عين نرى في المنام؟ وبذلك نقرب المعنى في نفوسنا. وهذه الكلمات هي:

1 ـ اليقظة عند النفس
2 ـ النظر إلى القدم
3 ـ السفر في الوطن
4 ـ الخلوة في الجلوة
5 ـ الذكر الدائم
6 ـ العودة من الذكر إلى الذات
7 ـ حراسة القلب من الغفلات والخواطر، أو الحضور الدائم
8 ـ حفظ آثار الذكر في القلب
9 ـ الوقوف الزماني
10 ـ الوقوف العددي
11 ـ الوقوف القلبي


1 ـ اليقظة عند النفس (هوش دردم):

ومعنا حفظ النَفَس عن الغفلة عند دخوله وخروجه وبينهما ليكون قلبه حاضرا مع الله في جميع الأنفاس فلا تتوزع خيالاته على أمور دنيوية. قال النقشبند: إن عمل السالك متعلق بنفسه، فعليه أن يعلم فيما إذ أمر نفسه مع الحضور أو مع الغفلة لكي يبقى السالك في الذكر ولا يتوزع باله على الماضي أو المستقبل في حال الغفلة.

قال الشيخ عبيد الله الأحرار 809 ـ 895 هـ وهو احد كبار النقشبندية: أهم عمل في الطريقة النقشبندية هو مراقبة النفس حتى لا يخرج في الغفلة، ومن لم يفكر فيها يقال له انه (فقد نفسه). وقال الشيخ سعد الدين الكاشغري وهو معاصر الشيخ عبيد الله: معنى اليقظة عند النفس هو أن لا يغفل السالك من نفس إلى نفس وان يتنفس مع الحضور وان لا يخلو النفس عن الحق. وباختصار تعنى هذه الكلمة عند رجال الطريقة النقشبندية اليقظة والدقة والفكر عند التنفس وهو درجة من درجات الطريقة وإذا أضاع السالك نفسا له فكأنه ارتكب ذنبا، إن ضياع النفس هو ضرر له.

2 ـ النظر إلى القدم (نظر بر قدم):

يرى البعض أن معناه: على الصوفي في حال مشيه في الطريق أن يكون نظره مركزا على موضع قدمه حتى لا يتوزع باله وعقله على أنحاء كثيرة، وحتى يكون عقله وفكره مع الله فلا يغتر بجمال ومتاع الدنيا وهذا عمل محمود ولكن الإمام الرباني يقول: النظر على القدم هي حال"السفر في الوطن" وهما معنويان والمقصود بهذه الكلمة: هو أن السالك قبل أن يسير من مقام إلى مقام أعلى عليه أن ينظر بعين البصيرة إلى هذا المقام قبل أن يخطو على قدمه المعنوي. وفي مبحث الدوائر اشرنا إلى أن المسيرة بالقدم تصل إلى نهاية مقامات الحقائق وآخرها حقيقة الصلاة ثم تبدأ الرحلة النظرية. وقال الإمام الرباني، إن السير النظري كالاستطلاع للسير على القدم لعروج المقامات وقبل أن يخطو بقدمه إلى المقام الجديد فعليه أن يتحقق فيه ويعرف مكانه، فيخطو إلى المقام الجديد، ويقال لهذا التحقق في المقام الجديد "النظر إلى القدم" لذلك يشبه حالة السفر في الوطن ذلك أن النظر على القدم يعنى الرحلة من مقام إلى مقام وهي نفس معنى السفر في الوطن. والتحقق في موضع القدم في حال السفر يعني النظر على القدم وهو تبصير السالك بدرجته ومنزلته في مستقبله. وبعد مرحلة الرحلة على القدم تبدأ مرحلة نظر السالك، والسالك يرى المقامات الكبرى بالنظر فقط.

يقول فخر الدين الكاشفي في الرشحات: النظر على القدم يشير إلى مدى تقدم السالك في مسلك التصوف للعروج إلى مقامات الوجود، وتجاوز عقدة الأنانية. وله كتاب مهم موسوم بـ (الأصول النقشبندية) محفوظ في المكتبة الوطنية الفرنسية.



3 ـ السفر في الوطن (سفر در وطن) وله معان:

المعنى الأول:

لا نشك في أن السفر بالمعنى المعروف مفيد لرفد الخبرة وتوسعة الإدراك، والسير في الأرض يورث العبرة في النظر إلى المخلوقات، ويوجه أبصار الإنسان إلى عظمة خالقه. فالسفر باعث للتفكر وقد مدح الله سبحانه المتفكرين في خلق السموات والأرض وقرنهم بالذاكرين قال تعالى "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض" آل عمران 191 ثم مدح السائحين في الأرض وقرنهم بالتائبين العابدين. فقال سبحانه "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله" التوبة 112 وفي سورة التحريم "تائبات عابدات سائحات".

وفي القرآن الكريم عناية خاصة بالسائرين في الأرض للاعتبار بما جرى على الأرض عقابا للمعتدين، أو دلالة على التغيرات في أمور الحياة. يقول سبحانه في أربعة مواضع من القرآن الكريم "أفلم يسيروا في الأرض".
وفي ثلاثة مواضع "قل سيروا في الأرض".
وفي موضعين "أو لم يسيروا في الأرض".
وهي حث للمسلمين على السفر وعلى التجول في الأرض ليزداد إيمانهم بالله سبحانه. ألا يعنى ذلك أن أساس هذه القاعدة الصوفية النقشبندية هو الخلق الإسلامي القرآني ؟؟

المعنى الثاني:

هو البحث عن المرشد الصالح فقد أوصى كبار المشايخ بسفر المريدين للبحث عن مرشد كامل ولكنهم قالوا فعند ذلك على السالك أن يطيع كل ما يأمر به المرشد وان رحلة مولانا خالد النقشبندي من العراق إلى الشام والحجاز، ومن الحجاز إلى كردستان ومنها إلى إيران والأفغان وكابل وقندهار إلى أن يصل إلى حضرة الشيخ عبد الله الدهلوي ويحظى بأمنيته في حضرة هذا المرشد الكامل تعتبر من الرحلات الصوفية المهمة في هذا المجال وكذلك رحلة الإمام الغزالي من طوس إلى بغداد ومنها إلى الشام والحجاز للبحث عن مرشد مثال آخر لهذه الرحلات.


المعنى الثالث:

وهو المعنى المعنوي في المصطلح النقشبندي: يقول النقشبنديون إن المعنى المعنوي لهذه الكلمة عبارة عن محاولة السالك للانتقال من الصفات البشرية الخسيسة إلى الصفات الملكية الفاضلة وهو سفر من عالم الخلق إلى الحق وهو ابتعاد عن مغريات الدنيا والتقرب من مالك الدارين وهو سفر من حال ومقام إلى حال ومقام أحسن وأعلى.



4 ـ الخلوة في الجلوة (خلوت در انجمن):

ومعناه أن جسده مع الخلق وقلبه مع ربه.

والخلوة نوعان:

والنوع الأول (خلوة مادية): وهي عبارة عن انتقال السالك إلى زاوية معزولة للتعبد والتأمل وهذه نافعة للسالك لضبط حواسه وإمكان التركيز على قلبه والانهماك في حال قلبه ومن المعلوم انه كلما استطاع تعطيل الصفات الخارجية من العمل تزداد الصفات الباطنية نشاطا وعملا وبهذا يقرب من عالم الملكوت بشكل أحسن.

والنوع الثاني (خلوة القلب): بحيث لا يغفل عن ذكر ربه حتى إذا كان مع الناس ومشغولا بالكسب والذهاب والإياب فيبقى قلبه ذاكرا ولا يغفل عن ربه قال تعالى "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" النور37 والمقصود هنا المعنى الثاني. قال الشيخ محمد أمين الكردي في كتابه تنوير القلوب "فمعناه أن يكون قلب السالك حاضرا مع الحق في الأحوال كلها غائبا عن الخلق مع كونه بين الناس".

ويستحسن معظم كبار علماء التصوف أن يبقى قريبا من الناس، عاملا بالكسب الحلال بعد أن يستقر السالك ويتقدم في سلوكه. قال الشيخ أبو سعيد الخراز المتوفى279هـ: (ليس الكامل من صدر عنه أنواع الكرامات وإنما الكامل الذي يقعد بين الخلق يبيع ويشتري معهم ويتزوج ويختلط بالناس ولا يغفل عن الله لحظة واحدة).

ويقولون (الصوفي كائن بائن) أي بالظاهر والجسم كائن مع الخلق والباطن والقلب بائن عنهم.

قال الإمام الرباني: الخلوة في الجلوة فرع للسفر في الوطن ذلك انه متى يتيسر السفر في الوطن يسافر في خلوة الوطن أيضاً في نفس الجلوة ولا تتطرق تفرقة الافاق إلى حجرة الأنفس. وقال: هذا العمل في البداية صعب ولكنه سرعان ما يسهل وقال: هذه الموهبة في طريقتنا للمبتدئين أما في الطرق الأخرى فهي للمنتهين.
ذلك أنها تحصل في السير في الأنفس وهي بداية الطريقة النقشبندية والسير الافاقي يحصل مع السير في الأنفس والسالكون من الطرق الأخرى عليهم أن يكملوا السير الافاقي ثم يبدءوا بالسير في الأنفس.

وللتوضيح نقول: أن السير الآفاقي هو سير في عالم المادة وفي عالم الخلق.

إما السير في الأنفس فهو عبور المقامات القلبية الباطنية وتسمى اللطائف وهي من عالم الأمر، والأسرار والأنوار التي تكشف خارج القلب هي من عالم الخلق أي الآفاقي وما تكشف في القلب وترى فهي للأنفس وعالم الأمر. والتحلي بهذه الصفات والقدرة على تحقيق هذه الأعمال هي من مواهب هؤلاء السالكين الذين ملكوا هذه الدرجات بما قدموا من الذكر والعبودية والصدق والمجاهدة.



5- الذكر الدائم (يادكرد):

والذكر بالمعنى العام الذي يشمل ذكر اسم الجلالة والتأمل، والصلاة وقراءة القرآن الكريم والدعاء هو أساس السلوك الصوفي، والغالب الشائع من معانية هو ذكر اسم الجلالة "الله" والتأمل. والذكر قد يكون جهرا وقد يكون سرا والسلوك النقشبندي يعتمد الذكر السري وله صورتان: ذكر "الله" عز وجل، والنفي والإثبات "لا اله إلا الله" وفي الحديث الشريف (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي، لا اله إلا الله).

وهذه الطريقة كانت تسمى الطريقة الخواجية، باسم مرشدها الأكبر المعروف بخواجه عبد الخالق الغجدواني، هو الذي أسس الذكر السري في الطريقة النقشبندية وروجه وابتكر هذه النصائح التي نحن بصدد بيانها، وقد ظل الذكر الجهري معمولا به بجانب الذكر الخفي عند السالك إلى عهد الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي وهو رئيس الطريقة النقشبندية إذ قرر أن الطريقة هي الذكر القلبي لا غير، وأضاف ثلاث نصائح أخرى إلى كلمات الغجدواني وهي: الوقوف القلبي والوقوف العددي والوقوف الزماني فأصبحت(11) كلمة أو نصيحة.

والمقصود بالذكر هنا هو مداومة الذكر والتذكر، والفائدة في الذكر القلبي انه لا يحتاج إلى صوت أو حرف أي القول باللسان فيستطيع أن يذكر السالك حتى في خضم العمل ولكن الذكر اللساني لا يتحقق في حال العمل ولاسيما في حال الكلام مع الناس.
وهذا الذكر القلبي يتطلب المداومة حتى يتحقق للذاكر السالك الحضور الدائم مع المذكور وهو الله سبحانه وهدفه هو هذا الحضور وحينذاك يدرك السالك بحسه الباطني وبعين بصيرته أنه حاضر أمام ربه ويرى البركات وهي حالة المشاهدة.
وقد ذكرنا إن منهم من يذكر الله في يوم واحد(25)ألف مرة واقل الذكر بالنسبة للمبتدئين(5) آلاف مرة، وبعد أن يبلغ مرحلة الحضور لا يبقى للعدد مفهوم وكذلك الذكر اللساني ذلك أن المذكور، وهو الله قد أحاط بقلبه والسالك يقطع المقامات.

6- العودة من الذكر إلى الذات (بازكشت):

ومعناها رجوع الذاكر من النفي والإثبات "لا اله إلا الله" بعد إطلاق نفسه إلى المناجاة بهذه الكلمة الشريفة باللسان أو بالقلب "الهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي" وذلك لطرد كل الخيالات من قلبه حتى يفنى من نظره وجود جميع الخلق.


7- حراسة القلب من الغفلات أو الحضور الدائم (نكاه داشت):

ومعناه أن يحفظ المريد قلبه من دخول الخواطر ولو لحظة فان خطر على قلبه شيء حق أم باطلا فعليه يوقف ذكره حتى ينتهي من طرد الخواطر فيبدأ بالذكر من جديد. وجاء في كتاب(مناهج السير) للسيد أبي الحسن زيد المجددي الفاروقي مطبوع في دلهي 1957: إن هذا التوقف معناه انه على السالك أن يحافظ على الثمار من البركات التي حصل عليها بمداومة الذكر أو على درجة الحضور والمشاهدة التي حصل عليها باستقامته على الذكر فلا يسمح بتسلل الخطرات إلى قلبه.

وفي كتاب رشحات عين الحياة (المطبوع1912في كانبيرا) ينقل فخر الدين على الكاشفي عن سعد الدين الكاشغري: على السالك أن يتمرن ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات يوميا حسب طاقته على حبس ذهنه وفكره القلبي بحيث لا يخطر في قلبه شيء ولا يبقى في قلبه غير الله سبحانه ويرى بعضهم أن التوقف خاص بذكر النفي والإثبات (لا اله إلا الله) وهو أن يرسخ معنى الذكر في قلبه ويحبسه لكي يدوم المعنى وهو انه "لا اله إلا الله" فان لم يستطع فلا يحصل له الحضور القلبي. وان هذه المحاولة كما يبدو تهدف إلى دوام الحضور، ذلك أن حضور القلب وحفظ الباطن عن كل الخطرات والخيالات من أهم مقاصد الصوفية يرعاها المتصوفون، وهي درجة من درجات التصوف. وللمشايخ أقوال ونصائح عديدة في هذا المجال. ويجب أن نعلم بأنه ليس المقصود أن لا يمر أي خاطر في القلب ولكن معناه هو أن لا يستقر ويكون كالأوراق التي تمر سريعا على الماء الجاري ولا تتوقف.

وفي كتاب الحدائق الوردية للسيد عبد المجيد الخاني رواية عن علاء الدين العطار يقول "إن منع الخطرات والخيالات عن التسلل إلى القلب صعب وشاق ولكن عليكم العمل على طردها وعدم إبقائها". وقال: إني حرست قلبي عشرين سنة من الخطرات والخيالات ومع ذلك تسللت إلى قلبي بعد كل هذه المدة ولكنها لم تستقر.


8- المشاهدة (ياد داشت):

التوجه الخاص لمشاهدة أنوار الذات، وتسمى أيضاً عين اليقين، والشهود.

قال الشيخ محمد أمين الكردي: هي كناية عن حضور القلب مع الله تعالى على الدوام في كل حال من غير تكلف ولا مجاهدة وهذا الحضور في الحقيقة لا يتيسر إلا بعد طي مقامات الجذبة وقطع منازل السلوك.

وقال أيضاً: والحق انه لا يستقيم إلا بعد الفناء التام والبقاء السابغ فالمشاهدة "يادداشت" هي ثمرة عمل السالك وهي عبارة عن حال المريد بعد الوصول إلى غايته وقد تكون ثمرة الذكر أو المراقبة أو مساعدة المرشد، ويصلها السالك بعد قطع كل الحواجز.

قال الشيخ عبيد الله الأحرار: تعني هذه الكلمة "المشاهدة يادداشت" مشاهدة الحق بالحب الذاتي، وهو حضور لا غياب فيه، يغطي الحب السالك بصورة دائمة وقيل أيضاً (يادكرد) هو الدوام على الذكر و"الرجوع" بمعنى انه بعد أي توقف من الذكر يعود السالك إلى قلبه ليقول: (الهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي) و"التوقف" (حراسة القلب) هي حراسة هذه الحالة دون أن يذكر شيئا. فالمشاهدة هي دوام حراسة هذه الحالة والمحافظة على الحضور.


أما الكلمات الثلاث التي أضافها الشيخ النقشبند إلى القواعد الثماني فهي:


9- الوقوف الزماني:

وهو المحاسبة القلبية ومعناه انه ينبغي على السالك بعد مضي كل ساعتين أو ثلاث إن يلتفت إلى حال نفسه كيف كان في هاتين الساعتين أو الثلاث فان كانت حالة الحضور مع الله تعالى شكر الله تعالى على هذا التوفيق وان كانت حالة الغفلة استغفر منها وأناب.

وجاء في كتاب الرشحات أن الشيخ بهاء الدين النقشبند قال: الوقوف الزماني هو أن يكون السالك واعيا لحاله عارفا بما هو فيه هل يستحق الشكر عليه أو يجب عليه الاعتذار فان كان حسنا شكر الله عليه وان كان غير ذلك اعتذر
قال مولانا يعقوب الجرخي وهو احد المريدين الكبار للشيخ النقشبند: أن الشيخ محمد بهاء الدين النقشبند كان ينصح السالك الذي ابتلي بحال القبض بالاستغفار وينصح السالك الذي أسعده الله بحال البسط بان يشكر الله سبحانه. فالوقوف الزمني هو مراقبة الحالين القبض والبسط ويفهم أيضاً أن حالة البسط أساسها اليقظة وحالة القبض أساسها الغفلة.

10- الوقوف العددي:

وهو المحافظة على عدد الو ترفي النفي والإثبات ثلاثا أو خمسا "لا اله إلا الله" ومنهم من يستطيع الذكر (21) مرة بنفس واحد، فهذه المراقبة العددية تسمى الوقوف العددي فالسالك واقف متيقظ بضبط نفسه على الذكر بالوتر وهذا الذكر بالقلب وبالباطن وكذلك عده بالقلب وبالباطن وليس باللسان ولهذا الوقوف ثمرة معنوية كبيرة وقد جربه المشايخ والمريدون وهو من بديهيات الطريقة.

قال الشيخ عبد الرحمن الجامي (817 ـ 898 هـ) (وهو مؤلف نفحات الإنس) في رسالته النورية (وهي مخطوطة في دار الكتب المصرية):
حكمة الوقوف العددي هي معرفة السالك متى وفي أي عدد من الذكر تحصل له ثمرته؟ فان بلغ (21) مرة ولم يشعر بالثمرة المعنوية فان علامة واضحة لنقصان شروطه وانه يراقب العدد ليعرف فيما إذ حصلت له البركة أم لا .... فان لم تحصل البركة من (21) مرة فعليه أن يبحث عن سر نقص عمله.

قال الشيخ النقشبند: إن هذا الوقوف العددي هدفه ضبط فكر السالك وعقله لكي لا يشتط ويذهب إلى هناك أو هنا.
قال علاء الدين العطار: ليس المهم من الثمرة كثرة الذكر بل المهم هو التيقظ والمراقبة ويتحقق في الوقوف الزمني والعددي.

11- الوقوف القلبي:
قال الشيخ عبد الله الدهلوي: انه عبارة عن تنبه السالك لحال قلبه بمراقبته ومحاولة الاطلاع على انه ذاكر أم لا وعليه أن يتوجه بقلبه إلى ذاته سبحانه دون أن يتصور القلب، أو الاسم.

فالوقوف القلبي هو حراسة القلب لكي يذكر الله دائما ولا يغفل عنه ويكون القصد من الذكر، (المذكور لا الكلمة) وينتظر السالك البركة متوجها إلى السماء ومع أن الله سبحانه في كل مكان فان السماء بالاعتبار الإنساني هي مركز العلو والبركة.

ويرى الشيخ محمد بهاء الدين النقشبند: إن الوقوف القلبي أفضل من الوقوف الزماني والوقوف العددي، ذلك انه مع أهمية الوقوفين الزمني والعددي لإستحصال البركات فان فقد إنهما لا يؤثر في السلوك الصوفي، ولكن الوقوف القلبي ضروري فان فقده السالك الذاكر وأصبح ذكره مجرد حركة اللسان أو القلب دون الوعي فانه لا يحصل على شيء.

متى سميت هذه الطريقة بالنقشبندية؟ و لماذا؟



إن الطريقة النقشبندية إتباع مطلق وكامل للدين الإسلامي الحنيف والسنة المطهرة. ومعلوم أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين تميز عن الآخرين بمداومة الذكر والعبادة والجهاد ولكن شرف الصحبة أعلى وأجمل لذلك سموا جميعا بالأصحاب وكذلك الأمر مع التابعين الذين ظهر الميل إلى العزلة الصوفية في عهدهم، فان لقب التابعين ظل هو السمة الأظهر للجميع وفي منتصف القرن الثاني الهجري بدأ وصف حياة العزلة والانزواء. وفي أواخر القرن الثاني الهجري أطلق الصوفي لأول مرة على العابدين الذين لم تخدعهم مغريات الدنيا وظلوا مستقيمين على العبودية المطلقة لله سبحانه كما كان كبار الأصحاب و التابعين.

ولاشك بعد هذا التحقيق في أن لباس الصوف الملائم لهذا الميل وهذه الحياة هو السبب في إطلاق اسم "الصوفي" على هؤلاء العابدين الناسكين في الزاوية المعزولة.

قالت رابعة العدوية شهيدة العشق الصوفي وهي في سكرات الموت لصاحبة لها: إذا مت اغسليني وكفنيني في عباءتي هذه التي من الصوف.

وفي كتاب تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار: 513 – 586 يقول: كان الحسن البصري لا يبدأ بالوعظ إلى أن تحضر رابعة العدوية

وكان يقول: إن بركة وعظي تأتي من هذه العجوز التي تغطي نفسها بالصوف. واقصد إن هذه المرأة الصوفية كانت تلبس الصوف مع إن البصرة حارة!!

وهنا مقصدان آخران من هذه المقدمة أولها:

أن اسم الطريقة ليس موجودا ومعروفا، والمتداول من الألقاب المميزة: الأصحاب والتابعون كما إن اسم المذاهب لم يكن موجودا أو معروفا ثم تجدد المذهب والطريقة باسم قادته وكبار مؤسسيها، فلولا أبو حنيفة والشافعي لما وجد المذهب الحنفي والشافعي ولولا عبد القادر الكيلاني وبهاء الدين النقشبندي لما وجدت الطريقة القادرية والنقشبندية.

ويقول أصحاب الطريقة النقشبندية أن طريقتهم كانت تسمى "الصدّيقية" نسبة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم سميت "الطيفورية" نسبة إلى أبي يزيد البسطامي واسمه طيفور. ولا يعني ذلك أن أبا بكر وعليا سمى مذهبا خاصا والمقصود أن السلسلة من ما تحلى بسيدنا أبو بكر الصديق بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "ما صب الله في صدري شيئا إلا و صببته في صدر أبي بكر" وهذا ليس بمادي بل حب معنوي يعني المعرفة والحكمة، وهي أسرار تسبب السعادة وتسمى هذه الحالة في علم التصوف، بـ (الضمنية) فيشاركه في هذه النعمة. وسميت بعد ذلك بالنقشبندية نسبة إلى بهاء الدين النقشبند.

وقد سميت هذه الطريقة أيضا بعد نقشبند باسم أشهر الرجال فيها، مثل عبيد الله الأحرار والإمام الرباني المجدد ومولانا خالد النقشبندي، فقيل، الأحرارية، المجددية، الخالدية، ويلاحظ أن أحدا منهم لم يستطع إخفاء اسم "النقشبند"، حتى الإمام الرباني، ولا تزال النقشبندية هي العلم: ولم يدع احد منهم أنهم وصلوا مقاما أعلى من مقامه، كما أن أحدا لم يدع الوصول إلى مقام الشيخ عبد القادر الكيلاني إلى الآن.


انتشار الطريقة


تنتشر الطريقة النقشبندية في جميع أنحاء العالم خصوصا في بلاد القوقاز وبخاري وسمرقند وتركمان صحراء في (الاتحاد السوفيتي) سابقا حيث أن سادات الطريقة النقشبندية من تلك البلاد.

وتنتشر الطريقة في معظم البلاد العربية خصوصا في بلاد الشام:

في دمشق ونواحيها الشيخ احمد كفتارو أطال الله بعمره (رحمه الله تعالى،حيث توفي بعد طباعة هذا الكتاب)*, له الفضل في نشر الطريقة في منطقة الجزيرة الشيخ الخزنوي رحمه الله, كان له الفضل في نشر الطريقة في منطقة دير الزور الشيخ عبد الله أحرار كان له الفضل في نشر الطريقة في تلك المناطق في منطقة الرقة الشيخ محمد أمين الفواز أطال الله بعمره له الفضل الكبير في نشر الطريقة في منطقة حلب الشيخ بدر الدين حسونة له الفضل في نشر الطريقة في لبنان هنالك الآلاف من المريدين موزعين على جميع المناطق اللبنانية.

وفي العراق هنالك الآلاف من المريدين موزعين في جميع أنحاء العراق وخاصة بغداد ومنطقة طويلة مسقط رأس الشيخ عثمان سراج الدين الأول وضريحه هنالك وبيارة الشريفة حيث ضريح الشيخ محمد علاء الدين والشيخ عمر ضياء الدين والشيخ نجم الدين, ومنطقة السليمانية حيث يوجد الآلاف من المريدين
من مواضيع : ahmed1981 0 فيلم الوصايا العشر الأصلى انتاج 1956
0 فيلم Return to Oz أرجو أن يحوز اعجابكم
0 كليبات محمد حماقى

رد مع اقتباس
  #24  
قديم 21-03-2008, 02:10 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

ثالث و عشرون: بشر الحافى

كنيته: بشر الحافي

اسمه : هو أبو نصر بشر بن الحارث الحافي أصله من مرو وقد سكن بغداد ومات فيها وكان كبير الشأن من أغني أغنياء بغداد وقد كان قمّاراً خمّاراً زمّاًرا وكان لا يتورع عن فعل المنكرات والمحرمات الكبيرة

أسباب توبته

حدث يوماً أن كان الإمام الكاظم ماراً من أمام بيت بشر وكانت أصوات اللهو والطرب تملأ المكان فصادف أن فتحت جارية باب الدار لإلقاء بعض الفضلات وحين رمت بها في الطريق سألها الإمام............... ?

قائلاً : يا جارية....! هل صاحب هذه الدار حر أم عبد.......؟!

فأجابته الجارية وهي مستغربة سؤاله هذا بشر رجل معروف بين الناس

وقالت: بل هو حر............!!

فقال الإمام : صدقتي لو كان عبداً لخاف من مولاه

قال الإمام قال هذه الكلمة وانصرف.

فعادت الجارية إلى الدار وكان بشر جالساً إلى مائدة الخمر

فسألها: ما الذي أبطأك....... ؟ فنقلت له ما دار بينها وبين الإمام وعندما سمع ما نقلته من قول الإمام صدقت لو كان عبداً لخاف من مولاه . اهتز هزاً عنيفاً أيقظته من غفلته وأيقظته من نومته نومة الغفلة عن الله.

ثم سأل بشر الجارية عن الوجهة التي توجه إليها الإمام فأخبرته فانطلق يعدو خلفه حتى أنَّه نسي أن ينتعل حذاءه وفعلاً ذهب إلى منزل الإمام فتاب على يده واعتذر وبكى ثم هوى على يدي الإمام يقبلها

وهو يقول: سيدي أريد من هذه الساعة أن أصبح عبداً ولكن عبداً لله لا أريد هذه الحرية المذلة التي تأسر الإنسانية فيّ وتطلق العنان للشهوة الحيوانية لا أريد حرية السعي وراء الجاه والمنصب لا أريد حرية الخوض في مستنقع الذنوب وأغدوا أسيراً لها. لا أريد أن تؤسر فيّ الفطرة السليمة والعقل السليم

ومن هذه الساعة أريد أن أصبح عبداً لله ولله وحده حراً تجاه غيره.

وتاب بشر على يد الإمام الكاظم. ومنذ تلك اللحظة هجر الذنوب ونأى عنها وأتلف كل وسائل الحرام، وأقبل على الطاعة والعبادة.

ومن أسباب توبته أيضا

أنه أصاب في الطريق ورقة مكتوب فيها اسم الله عز وجل وقد وطئتها الأقدام

فأخذها وإشترى بدرهم كان معه نوع من الطيب فطيب بها الورقة وجعلها في شق

حائط فرأى فيما يرى النائم كأنّ

قائلا يقول: يقول لك إلهك: يا بشر طيبت اسمي لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة .






بشر بن الحارث الحافي

يكنى أبا نصر ولد في سنة خمسين ومائة.

عن أيوب العطار قال قال لي بشر بن الحارث الحافي احدثك عن بدو امري بينا أنا امشي رأيت قرطاسا على وجه الأرض فيه اسم الله تعالى فنزلت إلى النهر فغسلته وكنت لا املك من الدنيا إلا درهما فيه خمسة دوانق فاشتريت بأربعة دوانيق مسكا وبدانق ماء ورد وجعلت اتتبع اسم الله تعالى واطيبه ثم رجعت إلى منزلي فنمت فاتاني آت في منامي فقال يا بشر كما طيبت اسمي لاطيبن اسمك وكما طهرته لاطهرن قلبك.

وعن محمد بن بشار قال سمعت بشر بن الحارث يقول أنا لله عشت إلى زمان ان لم اعمل فيه بالجفاء لم يسلم ديني.
وعن الحسين بن محمد البغدادي قال سمعت أبي يقول زرت بشر بن الحارث فقعدت معه مليا فما زادني على كلمة قال ما اتقى الله من أحب الشهرة وعن أحمد بن نصر قال كنا قعودا قدام بشر بن الحارث نفسين قال فجاء الثالث فقام فدخل.
وعن أحمد بن الفتح قال سمعت بشرا يقول بعث إلى عاصم بن علي بأبي زكريا الصفار فقال يا أبا نصر ان أبا الحسن يقرأ عليك السلام ويقول قد اشتد شوقي إليك حتى لقد كدت ان اتيك من غر إذن فعلمت كراهيتك لمجيء الرجال فان رأيت ان تاذن لي فاتيك لاسلم عليك فلعل الله ان ينفعني برؤيتك قال فقلت له قد فهمت رسالة الشيخ فابلغه السلام وقل له لا تأتني فان في مجيئك الي شهرة علي وعليك.


وعن أبي حفص عمر بن موسى قال سمعت بشر بن الحارث يقول لقد شهرني ربي في الدنيا فليته لا يفضحني في القيامة ما اقبح بمثلي يظن في ظن وأنا على خلافه إنما ينبغي لي ان اكون اكثر ما يظن بي اني اكره الموت وما يركه الموت إلا مريب ولولا اني مريب لاي شيء اكره الموت.

وقال أحمد بن الصلت سمعت بشر بن الحارث يقول غنيمة المؤمن غفلة الناس عنه واخاء مكانه عنهم.

أبو بكر محمد بن الفياض قال سمعت زريقا الدلال يقول سمعت بشر بن الحارث يقول اللهم استر واجعل تحت الستر ما تحب فربما سترت على ما تكره قال ثم التفت الي فقال يا أخي بادر بادر فان ساعات الليل والنهار تذهب الاعمال.
وعن محمد بن يوسف الجوهري قال سمعت بشر بن الحارث يقول يوم ماتت أخته ان العبد إذا قصر في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه.

وعن محمد بن قدامة قال لقى بشر بن الحارث رجل سكران فجعل يقبله ويقول يا سيدي يا أبا نصر ولا يدفعه بشر عن نفسه فلما ولى تغرغرت عينا بشر وقال رجل أحب رجلا على خير توهمه لعل المحب قد نجا والمحبوب لا يدري ما حاله.
وقال رجل رأيت بشر بن الحارث وقف على أصحاب الفاكهة فجعل ينظر.

فقلت يا أبا نصر لعلك تشتهي من هذا شيئا قال لا ولكن نظرت في هذا إذا كان يطعم هذا من يعصيه فكيف من يطيعه.
وعن أبي بكر المروزي قال سمعت بعض القطانين يقول اهدى الي استاذي رطبا وكان بشر يقيل في دكاننا في الصيف فقال له استاذي يا أبا نصر هذا من وجه طيب فان رأيت ان تأكل قال فجعل يمسه بيده ثم ضرب بيده إلى لحيته وقال ينبغي ان استحي من الله اني عند الناس تارك لهذا وآكله في السر? وعنه قال سمعت أبا حفص ابن أخت بشر قال سمعت بشرا يقول ما شبعت منذ خمسين سنة.

وعنه قال سمعت قرابة بشر الحافي يقول قدم بشر بن عبادان ليلا أو قال من سفر وهو متزر بحصير.
عن يحيى بن عثمان قال كان لبشر بن الحارث في كل يوم رغيف.

قال وقال لي بشر كان لي سنور فكنت إذا وضعت طعامي بين يدي جاءت فعيناها في عيني فآكل وارمي لها قال فقلت اليك عني تأكلين قوتي.

وعن أبي بكر بن عثمان قال سمعت بشر بن الحارث يقول اني لاشتهي شواء منذ أربعين سنة ما صفا لي درهمه.
وعن أبي عمران الوركاني قال تخرق ازار بشر فقالت له أخته يا أخي قد تخرق إزارك وهذا البرد فلو جئت بقطن حتى اغزل لك قال فكان يجيء بالاستارين والثلاثة قال فقالت له يا أخي ان الغزل قد اجتمع افلا تسلم ازارك قال فقال لها هاتيه قال فأخرجته الي فوزنه فأخرج ألواحه فجعل يحسب الاساتير فلما رآها قد زادت فيه قال لها كما افسدته فخذيه.
وعن الحسن بن عمرو بن الجهم قال سمعت أبا نصر التمار يوم مات بشر يقول لولا ان بشرا قد مات ما حدثتكم بهذا.
اتاني ليلة فقلت يا أبا نصر الحمد لله الذي جاء بك جاءنا قطن من خراسان فغزلته الابنة وباعته لفلان واشترت به لحما وأشياء على ان افطر عليه فالحمد لله الذي جاء بك فقال يا أبا نصر لا تكثر علي فلو أكلت عند أحد من أهل الدنيا أكلت عندك ثم قال اني لاشتهي الباذنجان منذ ثلاثين عاما. قلت فإن فيها باذنجانا. فقال: حتى تصفو لي حبة الباذنجان من أي هي? وعن إبراهيم بن هاشم قال سمعت بشر بن الحارث يقول اني لاشتهي شواء ورقاقا منذ خمسين سنة ما صفا لي درهمه.

الفتح بن شحرف قال قال عمر ابن أخت بشر سمعت خالي بشرا يقول لأمي جوفي وجع وخواصري تضرب علي فقالت له أمي ائذن لي حتى أصلح لك قليل حسا بكف دقيق عندي تتحساه يرم جوفك فقال لها ويحك أخاف ان يقول من أين لك هذا الدقيق فلا ادري أي شيء اقول له فبكت أمي وبكى معها وبكيت معهم.

قال عمر ورأت أمي ليلة ما به من شدة الجوعت وجعل يتنفس تنفسا ضعيفا فقالت له أمي يا أخي ليت امل لم تلدين فقد والله تعطع كبدي مما ارى بك.

فسمعته يقول لها وأنا فليت امك لم تلدني وإذ قد ولدتني لم يدر لها ثدي علي.

قال عمر وكانت أمي تبكي عليه الليل والنهار.

عبد الله بن خبيق قال رجل لبشر ما لي اراك مغموا قال ما لي لا اكون مغموما وأنا رجل مطلوب.
وعن أبي الحسن أحمد بن محمد الزعفراني قال سمعت أبي يحكي عن بشر انه قال ربما رفعت يدي في الدعاء فاردها أو قال فاستلها.
اقول إنما يفعل هذا من له عنده وجه.


صفحة : 253

وعن الفتح به شحرف قال كنت جالسا عند بشر إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فاطرق مليا ثم رفع رأسه ثم اطرق ثم رفع رأسه فقال اللهم انك تعلم اني أخاف ان أتكلم اللهم انك تعلم اني أخاف ان اسكت اللهم انك تعلم اني أخاف ان تأخذني فيما بين السكوت والكلام.

وعن زبدة أخت بشر بن الحارث قالت دخل بشر علي ليلة من الليالي فوضع إحدى رجليه داخل الدار والأخرى خارج الدار وبقي كذلك يتفكر حتى أصبح فلما أصبح قلت له في ماذا تفكرت طول الليلة قال تفكرت في بشر النصراني وبشر إليهودي وبشر المجوسي ونفسي واسمي بشر فقلت ما الذي سبق منك حتى خصك فتفكرت في تفضله علي وحمدته علي ان جعلني من خاصته والبسني لباس أحبائه.

وعن أحمد بن نصر قال سمعت بشرا يقول يا مازني ليت لا يكون حظي من الله هذا الذي يقول الناس بشر بشر و رأيت اشفار عينيه قد ذهبت من البكاء وعن الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارث يقول لو علمت ان رضاه ان اشد في رجلي حجرا ثم القي نفسي في البحر لفعلت.

وعن عباس بن دهقان قال قلت لبشر بن الحارث أحب ان اخلو معك قال إذا شئت فبكرت يوما فرأيته قد دخل قبة فصلى فيها أربع ركعات لا احسن ان أصلي مثلها فسمعته يقول في سجوده اللهم انك تعلم فوق عرشك ان الذل أحب الي من الشرف اللهم انك تعلم فوق عرشك ان الفقر أحب الي من الغنى اللهم انك تعلم فوق عرشك اني لا اوثر على حبك شيئا فلما سمعته أخذني الشهيق والبكاء فلما سمعني قال اللهم انك تعلم اني لو اعلم ان هذا ههنا لم أتكلم.

وقال أحمد بن حنبل والله ان بين اظهركم رجلا ما هو عندي بدون عامر بن عبد الله يعني بشر بن الحارث.
وعن أحمد بن عبد الله بن خالد قال سئل أحمد بن حنبل عن مسألة في الورع فقال أنا استغفر الله لا يحل لي ان أتكلم في مسألة في الورع أنا أكل من غلة بغداد.

لو كان بشر بن الحارث صلح ان يجيبك عنه فانه كان لا يأكل من غلة بغداد ولا من طعام السواد يصلح ان يكلم في الورع.
وعن أبي بكر أحمد بن عبد الرحمن المروزي قال سمعت بشرا يقول ان الجوع يصفي الفؤاد ويورث العلم الدقيق وسمعت بشرا يقول طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره.

وعن أحمد بن الصلت قال سمعت بشر بن الحارث يقول حادثوا الامال بقرب الاجال.

وعن أبي بكر الباقلاوي قال سمعت أبي يقول سمعت بشر بن الحارث ونحن معه بباب حرب واراد الدخول إلى المقبرة فقال المةنى داخل السور اكثر منهم خارج السور.

وعن أحمد بن الصلت قال سمعت بشر بن الحارث يقول ليس من المودة ان تحب ما يبغض حبيبك.

وعن عمرو بن موسى بن فيروز قال رأيت بشرا ومعه رجل فتقدم إلى بئر ليشرب منها فجذبه بشر وقال تشرب من البئر الأخرى حتى جاوز ثلاثة ابار فقال له الرجل أبا نصر أنا عطشان فقال له بشر اسكت فهكذا ندفع الدنيا.

وعن إبراهيم الحربي قال سمعت بشر بن الحارث يقول بحسبك ان اقواما موتى تحيا القلوب بذكرهم وان أقواما أحياء تعمى الأبصار بالنظر إليهم.

وعن عمرو بن موسى الأحول قال سمعت بشرا يقول يكون الرجل مرائيا في حياته مرائيا بعد موته قيل كيف يكون مرائيا بعد موته قال يحب ان يكثر الناس على جنازته.

وعن الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارث يقول الصدقة أفضل من الحج والعمرة والجهاد ثم قال ذاك يركب ويرجع ويراه الناس وهذا يعطي سرا لا يراه إلا الله عز وجل.

وسمعت بشرا يقول ما اقبح ان يطلب العالم فيقال هو بباب الأمير.

وعن أبي عبد الله الاسدي قال قال لي بشر الحافي يوما:

قطع الليالي مع الأيام في خـلـق والنوم تحت رواق الهم والقـلـق
أحرى واعذر لي من ان يقال غـدا اني التمست الغنى من كف مختلق
قالوا قنعت بذا قلت القنوع غـنـى ليس الغنى كثرة الاموال والـورق
رضيت بالله في عسري وفي يسري فلست اسلك إلا اوضح الـطـرق

رحل بشر بن الحارث رضي الله عنه في طلب العلم إلى مكة والكوفة والبصرة وسمع من وكيع وعيسى بن يونس وشريك بن عبد الله وابي معاوية وابي بكر بن عياش وحفص بن غياث واسماعيل بن علية وحماد بن زيد ومالك بن انس وابي يوسف القاضي وابن المبارك وهشيم والمعافى بن عمران والفضيل بن عياض وابي نعيم في خلق كثير.
غير انه لم يتصد للراوية فلم يضبط عنه من الحديث إلا اليسير.


صفحة : 254

وقد ذكرنا ما وقع الينا من حديثه وأخباره في كتاب افردناه لمناقبه وأخباره فلذلك اقتصرنا ههنا على ما ذكرنا.

وتوفي رضي الله عنه عشية الأربعاء لعشر بقين من ربيع الاول وقيل لعشر خلون من المحرم سنة سبع وعشرين ومائتين وقد بلغ من العمر خمسا وسبعين سنة وقيل سبعا وسبعين.

عن يحيى بن عبد الحميد الحماني قال رأيت أبا نصر التمار وعلي بن المديني في جنازة بشر بن الحارث يصيحان هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة.

وذلك ان بشرا خرجت جنازته بعد صلاة الصبح ولم يجعل في القبر إلا في الليل وكان نهارا صائفا ولم يستقر في القبر إلى العتمة.
وعن الكندي قال رأيت بشر بن الحارث في النوم فقلت له ما فعل الله بك فقال غفر لي واقعدني على طيار من لؤلؤة بيضاء وقال لي سر في ملكي.

وعن الحسن بن مروان قال رأيت بشر بن الحارث في المنام فقلت يا أبا نصر ما فعل الله بك قال غفر لي وغفر لكل من تبع جنازتي قال قلت ففيم العمل قال افتقد الكسرة.

وقال ابن خزيمة لما مات أحمد بن حنبل بت من ليلتي فرأيته في النوم فقلت له ما فعل الله بك قال غفر لي وتوجني والبسني نعلين من ذهب وقال لي يا أحمد هذا بقولك القرآن كلامي قلت فما فعل بشر فقال لي بخ بخ من مثل بشر تركته بين يدي الجليل وبين يديه مائدة من الطعام والجليل مقبل عليه وهو يقول له كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب وانعم يا من لم ينعم رحمه الله ورضي عنه.



(صفة الصفوة لامام أبن الجوزي)


وفي البداية والنهاية لامام ابن كثير الشافعي:

بشر الحافي
الزاهد المشهور ، وهو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي أبو نصر الزاهد المعروف بالحافي نزيل بغداد .

قال ابن خلكان وكان اسم جده عبد الله بعبور ، أسلم على يدي علي بن أبي طالب قلت : وكان مولده ببغداد سنة خمسين ومائة ، وسمع بها شيئا كثيرا من حماد بن زيد ، وعبد الله بن المبارك ، وابن مهدي ، ومالك ، وأبي بكر بن عياش ، وغيرهم .

وعنه جماعة ؛ منهم أبو خيثمة زهير بن حرب ، وسرى السقطي ، والعباس بن عبد العظيم ، ومحمد بن حاتم .
قال محمد بن سعد : سمع بشر كثيرا ، ثم اشتغل بالعبادة ، واعتزل الناس ولم يحدث ، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة في عبادته وزهده وورعه ونسكه وتقشفه .

قال الإمام أحمد يوم بلغه موته : لم يكن له نظير إلا عامر بن عبد قيس ، ولو تزوج لكان قد تم أمره ، وقال إبراهيم الحربي ما أخرجت بغداد أتم عقلا ، ولا أحفظ للسانه منه ، ما عرف له غيبة لمسلم ، وكان في كل شعرة منه عقل ، ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء ، وما نقص من عقله شيء .

وذكر غير واحد : أن بشرا كان شاطرا في بدء أمره ، وأن سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله عز وجل في أتون حمام فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال : سيدي اسمك هاهنا ملقى يداس ! ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهم غالية ، وضمخ تلك الرقعة منها ، ووضعها حيث لا تنال فأحيا الله قلبه ، وألهمه رشده ، وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة .
ومن كلامه : من أحب الدنيا فليتهيأ للذل . وكان بشر يأكل الخبز وحده فقيل له : بماذا تأتدم ؟ فقال : أذكر العافية فأجعلها أدما . وكان لا يلبس نعلا بل يمشي حافيا ، طرق يوما بابا ، فقيل : من ؟ فقال بشر الحافي فقالت جارية صغيرة : أما وجد هذا دانقين يشتري بهما نعلا ويستريح من هذا الاسم . قالوا : وكان سبب تركه النعل أنه جاء إلى حذاء ، فطلب منه شراكا لنعله ، فقال له : ما أكثر كلفتكم على الناس ! فطرح النعل من يده ، وخلع الأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا أبدا .
قال ابن خلكان وكانت وفاته يوم عاشوراء . وقيل في رمضان ببغداد . وقيل : بمرو . قلت : الصحيح ببغداد في هذه السنة . وقيل : في سنة ست وعشرين . والأول أصح . والله أعلم .

وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم ، فأخرج من بعد صلاة الفجر ، فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة ، وكان علي بن المديني ، وغيره من أئمة الحديث يصيح بأعلى صوته في الجنازة : هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخره . وروي أن الجن كانت تنوح عليه في بيته الذي كان يسكن فيه ، وأنه رآه بعضهم في المنام فقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي ، ولكل من شهد جنازتي ، ولكل من أحبني إلى يوم القيامة .

وذكر الخطيب البغدادي أنه كان له أخوات ثلاث ؛ وهن مخة ، ومضغة ، وزبدة ، وكلهن عابدات زاهدات مثله ، وأشد ورعا أيضا . ذهبت إحداهن فاستأذنت على أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، فقالت : إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل ، فإذا كان ضوء القمر غزلت فيه فعلي عند البيع أن أميز هذا من هذا ؟ فقال لها : إن كان بينهما فرق فأعلمي به المشتري ، وقالت له مرة إحداهن : ربما تمر بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل فنغزل الطاق والطاقين والطاقات ، فخلصني من ذلك ، فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار . وسألته عن أنين المريض أفيه شكوى ؟ قال : لا ، إنما هو شكوى إلى الله عز وجل ، ثم خرجت . فقال لابنه عبد الله : يا بني اذهب خلفها فاعلم لي من هذه المرأة ؟ قال عبد الله : فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر الحافي وإذا هي أخته .

، وروى الخطيب البغدادي أيضا عن زبدة قالت : جاء ليلة أخي بشر ، فدخل برجله في الدار ، وبقيت الأخرى خارج الدار ، فاستمر كذلك ليلته حتى أصبح ، فقيل له : فيم تفكرت في بشر النصراني ، وبشر اليهودي ، وبشر المجوسي ، وفي نفسي واسمي بشر فقلت : ما الذي سبق منك حتى خصك بالإسلام من بينهم ؟ فتفكرت في تفضيله علي ، وحمدته على أن جعلني من خاصته ، وألبسني لباس أحبابه .

وقد ترجمه الحافظ بن عساكر فأطنب وأطيب وأطال من غير ملال ، وقد ذكر ابن عساكر أشعارا حسنة ، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات
تعـاف القـذى فـي الماء لا تستطيعه

وتكـرع مـن حوض الذنوب فتشرب

وتؤثــر مـن أكـل الطعـام ألـذه

ولا تذكـر المختـار مـن أين يكسب

وترقـد يـا مسـكين فـوق نمـارق

وفـي حشـوها نـار عليـك تلهـب

فحــتى متــى لا تسـتفيق جهالـة

وأنـت ابـن سـبعين بـدينك






لأنى وجدته عالما .. فاهماً .. ووجدت ان ما سبق لا يُكفيه حقه .. فاردت ان استزيدكم .. لنرى كيف سبق هؤلاء في الطريق
وكذلك لتبيين انه لم يكن فقط زاهداً .. متقشفاً .. جائعاً .. حافياً ..!!!

والله كأنى اذهل كلما توغلت في سيرة هذا العالم الجليل .. وعندما تقرأوا ستفهموا ما فهمته انا ايضاً !!



المُستغنى ...

كانت فكرة الإستغناء تشكل جماع تفكيره الصُوفي وهى تعنى الاستغناء بالله عن كل شيء عداه ..
فإيمانه بالله هو مصدر وجوده , قوه استمراره وبه يجد سعادته الوحيده المنشوده .. ولقد اختار باستغنائه بالله وايمانه التام به وتوكله المطلق عليه واضح السبيل
وقد جمع استغناؤه بالدنيا والمال في أبيات شـعـر كان يقولها مُبيناً غناه وسعادته في تصوفه ..


وكما تميز الصوفيه بعدم الإنخداع للدنيا فإن بشرا الحافي كان يدعو الى الاستغناء عن الدنيا التى تدخر للمرء (مهما منحته لـذتها ) ساعه الذبح .. ولذلك فاليأس منها هو امكانية تجاوزها.
وقد يرى المتصوفه البعد المأساوى في الفصل الاخير من علاقة الدنيا بالإنسان , فصل الموت , او يرى البعد الماساوى اليومي الماثـل في عذابات الفقر والحرمان في ظل جور اهل الزمان من الامراء والاغنياء والتجار الجشعين الذين يجعلون الرزق الحلال اشد واصعب الصوبات

فاعتياد النفس على اليأس مع اوضاع الدنيا المأساويه في حين يجلب الانخداع بها عذابات مضاعفه ..
وقد دمج بشر الحافي هذا اليأس بجوهر تفكيره الصوفى الداعي الى التفرغ الى العبوديه والطاعه في حضرة الله .. فالغنى هو الاستغناء باليأس كما قال في هذه الابيات :



أقسم بالله لرضخ النوى وشرب ماء القـُلبُ المالحه

أعز للإنسان من حرصه ومن سؤال الأوجه الكالحه

فاستغن باليأس تكن ذا غنا مغتبطا بالصفقة الرابحه

اليأس عــزٌ والتُقى سؤدد ورغبة النفس لها فاضحه

من كانت الدنيا به برّةً فإنها يوما لـه ذابـحه


فمبدؤه الاستغناء عن الناس عز المؤمن .. وتُعد رسالة بشر الى على بن خُشرم تلخيصاً وافيا لتقواه وزهده واستغناؤه عن الناس وعن الدنيا وعن الجاه وعن الثروه.. فهى الرساله المُشبعه بالحكمة الصوفيه وبالموعظة الجليله التى تناسب تجربة المؤمن الصُوفي الورع .

فهى خلاصة خبره حياة صوفيه وانسانيه معاً ترتكز على محور الإيمان والتضرع لله وعدم الابتلاء بالشهره وبأغوار الدنيا التى قد تُنسي النور الالهى

وحين ينوه بشر الحافي بالعُزله فإنه يقرن ذلك بنوع المرحله التى يعيش فيها فهو يقول " وارى ان الفضل اليوم ما هو إلا في العُزله "

ولأهمية الرساله ..سأنقلها لكم

الى ابى الحسن على بن خشرم.. السلام عليك :

فإنى احمد إليك الله الذي لا اله الا هو, اما بعد ,فانى أسأل الله ان يتم ما بنا وبكم من نعمة وان يرزقنا واياكم الشكر على احسانه

وان يُميتنا ويحيينا واياكم على الاسلام ,وان يسلم لنا ولكم خلفا من تلف , وعوضا من كل رزيه , أوصيك بتقـوى الله يا علي ولزوم أمره والتمسك بكتابه, ثم اتباع آثار القوم الذين سبقونا بالإيمان وسهلوا لنا السُبل فاجعلهم نصب عينيك ,
واكثر من عرض حالاتهم عليك تأنس بهم في الخلاء , ويغنوك عن مشاهدة الملأ فمثل حالهم كأنك تشاهدهم فمجالسة أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أوفق في مجالسة الموتى ,

ومن يرقب عنك زلتك وسقطتك إن قدر عليها , فإن لم يقدر عليها جعل جليساً ان رآه عندك عيبك فرماك بما لم يره الله منك , واعلم علمك الله الخير وجعلك من اهله ان اكثر عمرك فيما ارى قد انقضى ومن يرضى حاله قد مضى وانت لاحق بهم ,

وانت مطلوب ولا تعجز طالبك وانت أسير في يديه وكل الخلق في كبريئه صغير وكلهم إليه فقير , فلا يشغلنك كثرة من يحبك وتضرع اليه ذليل الى عزيز وفقير الى غني وأسير لا يجد ملجأ ولا مـقرا يفـر اليه عنا .

وخائف مما قدمت يداه غير واثق على ما يقدم , لا يقطع الرجاء , ولا يدع الدعاء ولا يأمن من الفتن والبلاء, فلعله ان رآك كذلك عطف عليك بفضله وأمدك بمعونته

وبلغ بك ما تامل من عـفـوه ورحمته فافزع اليه في نوائبك واستعنه على ما ضعفت عنه قوتك فإنك اذا فعلت ذلك قربك بخضوعك له ووجدته اسرع اليك من أبويك , وأقرب اليك من نفسك, وبالله التوفيق.

واياك أسأل خير المواهب لنا ولك واعلم يا علي ان من ابتلي بالشهرة ومعرفة الناس فمصيبته جليله , فجبرها بالخضوع والاستكانه والذُل لعظمته , وكفانا وإياك فتنتها وشر عافيتها ,

فانه تولى ذلك من أوليائه ومن أراد توفيقه, وارجع الى أقرب الامرين بك , والى ارضاء ربك, ولا ترجعن بقلبك إلى محمدة اهل زمانك ولا ذمهم فان كان من يتقي ذلك منه قد مات

وإنارة احياء القلوب من صالح اهل زمانك , فتوار مما لا يُستضاء فيها بنور الله ولا يستعمل فيها إلا من عصم الله , ولا تبال بمن تركك منهم , ولا تأس على فقدهم ,

واعلم ان حظك في بعدهم أوفر من حظك في قربهم وحسبُك الله فاتخذه أنيساً ففيه الخلف منهم.

فاحذر اهل زمانك , وما العيش مع من يُظن به في زمانك الخير ولا مع من يسيئ به الظن خير !!!!

وما ينبغى أن يكون طلعة : ابغـض الى عاقـل تهمة نفسه من طلعة إنسان في زمانك لأنك منه على شرف فـتـنه ان جالسته , ولا تامن البلاء إن جانبته ,
وللموت في العُـزلة خير من الحياه , وان ظن رجل انه ينجو من الشـر يأمن خوف فـتنه فلا نجاة له ان امكنتهم من نفسك .. آثموك وان جانبتهم اشركوك ..
فاختر لنفسك واكره لها ملابستهم وارى ان الفضل اليوم ما هو إلا في العزله لأن السلامة فيها وكفى بالسلامة فضلا

اجعل اذنك عما يُؤثمك صماء وعينك عنه عمياء, احذر سوء الظن فقد حذرك الله تعالى ذلك وذلك بقوله تعالى "ان بعض الظـن إثم " والسلام عليكم



عن حلية الاولياء ج 8 لأبي نعيم الاصبهانى


ومن اقواله ..رضى الله عنه

" لا ينبغى لأحد ان يذكر شيء من الحديث في موضوع يكون له حوائج من الدنيا يريد ان يتقـرب به ولا يذكر العلم في موضوع ذكر الدنيا وقد رأيت مشايخ قد طلبوا العلم للدنيا فافتضحوا وآخرين طلبوه فوضعوه مواضعه وعملوا به وقاموا به فأولئك سلموا فنفعهم الله تعالى "

ان دعوته الى ربط العلم بعمل الخير وبالهدف الإنسانى وبتزكية النفس وبناء المجتمع بناءً إسلاميا سليما, هى الفكره التى ثابر على المناداة بها وبسببها شن حملة على زمرة العلماء الذين يتعاركون ويتزاحمون حول المطامع الدنيويه الرخيصه
ولقد نعى على العصر - عصره – فقدانه الرجال العاملين بالمعروف والناهين عن المنكر فطردت العُمله الرديئه العمله الجيده تعبيرا عن ازمة العقل والعقلاء وهيمنة الأشياء الزائفه فكان يُسمع
قائلاً رضي الله عنه

ذهب الرجال المُرتجى لفعالهم * والمنكرون لكل امرٍ منكر
وبقيت في خـلفٍ يزّين بعضهم * بعضا ليدفـعَ مـِعـورٌ عن معور

وليس من عجب ان يقول بعد هذا "شاطرٌ سخيٌ احب إلىَّ من قارئ لئيم "

وكان من طبيعة الحياه حينئذ انها تسمح الاستغناء عن علماء السوء وفقهاء الأمراء وتجار العلم ومحترفي الكلمه .
وفي معرض ادانته لظاهرة توظيف العلم في خدمة الطبقات المستغله ..

اصبح متشددا في رواية الحديث ولذلك لم يُنقل عنه من الحديث إلا القليل وكان يلوم المُكثرين منه ويقول طأدوا زكاة الحديث , فاستعملوا من كل مائتى حديث خمسة احاديث "

فهو يدعو إلى الغربله والتدقيق لإنتشال الصحيح من الأحاديث , كما انه يدعو الى تلاؤم رواية الحديث مع تطبيقه فالعمل بالحديث الصحيح هو المقياس وليس الامر أمر روايه.

ان زهده في رواية الحديث تعكس حذره من الالتباس والاختلاط وإصراره على الدقه والالتزام ..
مع التزامه بالمعارف , قضى زمناً طويلاً في طلب العلم من مصادره الرئيسيه ..سبق ذكرها

ولقد كان يكبح رغبه الحديث حسب طبيعته في معاكسة هواه .

قال رجل لبشر لما لا تُحدث ؟قال: انا اشتهى أحدث ,وإذا اشتهيت شيئا تركته ..
الخطيب البغدادى "تاريخ بغداد" ج7

كان بشر نموذجا للحكيم العاقل , معترفاً به اتم عقلا واكثر رجحانا من سواه .

وقد استغنى عن كتبه التى ألْـفـّها .. "لأن الآخره أنسته كل ما هو ليس بسلاح الآخره"
قال " وان لي كتـباً كثيره قد ذهبت واراها توطأ ويُرمى بها فما آخذها وانى لأهم بدفنها وانا حيّ صحيح .. "!!!

وبوحى من مبادئه الإسلاميه كانت افكاره تحث على العمل واكتساب الرزق الحلال فكان يقول "انظر خبزك ولا تعرض لحمك للنار "

وكانت لديه توجيهات يدعو فيها إلى الإقتصاد في النفقه قال يوصى أحد أصحابه " عليكم بالرفق و الإقتصاد في النفقه فلأن تبيتوا جياعاً ولكم مال خير منان تبيتوا شباعاً وليس لكم مال .."

ويبدومن ذلك انه كان مُتاثرا بأفكار القُطب الصوفي سفيان الثوري شأنه شأن معروف الكرخي غير انه يختلف عن معروف في حضور ولائم الطعام وقبول الهدايا .

فمعروف الكرخي كان يقبل ما يُهدى إليه من طيبات الطعام فيأكل منها في حين يروى عن بشر بن الحارث انه كان مدعواً , فوضع بين يديه طعام , فجهد ان يمد يده فلم تمتد ثم جهد ثلاث مرات فقال رجل ممن كان يعرفه : ان يده لا تمتد الى طعام حرام أو فيه شُبهه, ما اغنى صاحب هذه الدعوه ان يدعو هذا الرجل الى بيته "

قيل لمعروف الكرخي "إن اخاك بشرً لا يأكل من هذا فيقول "اخي بشر قد قبضه الورع وانا بسطتنى المعرفه وإنما انا ضيف في بيت مولاي إذا أطعمنى أكلت وإذا جوعنى صبرت , مالي والإعتراض والتخير ."

ويظهر من الروايات انه كان يقف على احوال السوق مستفسراً عن اسعار الدقيق التى كان يهمه امرها , لأن التلاعب بالاسعار هو شر انحراف عن الصراط الإسلامي العادل .

جاء في الروايه انه خرج الى السوق "فما مرّ بواحد أو اكثر الا رفع صوته وقال السلام عليكم ثم وقف على رجل دقلق فسأله عن سعر الدقيق بالامس فقال ناقص فأبشر يا أبا نصر , فحمد الله و اخذ "
ابو نعيم الاصبهانى حلية الاولياء ج8

وقد يُذكـّر بالموت لإستبعاد هم الغلاء "اذا اهتممت لغلاء السعر فاذكر الموت فإنه يُذهب عنك هو الغلاء "

ورع بشر ..

ان احتماءه بالاستغناء عن الدنيا وزهده بها هو تحقيق للإيمان القلبي الذي أظهر معانيه ومعالمه في سلوكه الورع فتحقيق الإيمان حد تطابق بين الظاهر والباطن إذ لا مجال للخدعه والمُخادعه قال

وليس من يروق لي دينه * يغـرني يا صاح تبريقه
من حقق الإيمان في قلبه * يوشك أن يظهر تحقيقه

فاللإيمان القلبي نبته طاهره في قلب طاهر , ثمرته سلوك ظاهر فكار بشر يرى في إصلاح السريره أساساً وقاعده فقال " أصلح سريرتك واعبده حيث شئت "

وكان اول ما عـمل للحفاظ على هذه المُضغه(القلب) اخضاع النفس للمحاسبه فهو يلجأ الى معاندة ومعاكسة هوى النفس إذلالاً لها , كيما تكون بيد التوكل سائرة في ركـب الطاعـه وقد اشتهر بش بالمعاكسه فكان اذا حلّـت به رغبة الكلام صمت واذا حلت به رغبة الصمت تكلم.

عن طريق تخفيف السيطره الذاتيه التى تمكنه من تطبيق برنامجه الإنضباطي الـمريـر.

وكان يدعو الى اتباع التمارين الأولى في تحقيق الثقه بالذات لإمتطاء صهوتها بإرادة الطاعه لله ورفض كل أشكال المعصيه وفي مقدمتها عدم الاستسلام لأنطباع الناس فمعاكسة هذا الانطباع, مثل معاكسة رغبات الذات ليس دليلاً على المروق بل دليل على الإيمان باإراده الحره , ذلك الإيمان الذي لا يحتاج إلى تزكية من أحد.

قال كلمه ذات معنى كبير,
حيث الاطمئنان الى حقيقة النفس العميقه بدلالتها هى لا بدلالة تصديق الناس بذلك وان ارباك انطباعات الناس والسير – بصلابه – على طريق الإهتداء الداخلي العميق , هو خطوه في بدء طريق لا نهايه لخطواته.

قال "ان استطعت ان تكون في موضع يحسبون انك لص فافعـل , وان استطعت ان تـزيد ولا تنقص "
حلية الاولياء ج8

فالحريه مرهونة بارادته الشخصيه وبقـراره هو لا بإقرار الآخرين فكان تعويل الحافي على الحريه, رفعاً للحجاب بين النفس والنفس ذلك الحجاب الذي هو مجموعه من احكام البيئه الاجتماعيه وتقاليدها الموروثه وشروطها القاسيه .

والحريه المقصوده هى التخلى عن الانسان المصنوع بالعوده الى الانسان المطبوع " يقصد الفطره " بجوهـره الانسانى الصحيح قال بشر لتلميذه السرى السقطى "ان الله خلقك حراً , فكن كما خلقك, لا تُــرائي اهلك في الحضر ولا رفقتك في السفـر , اعمل لله ودع الناس عنك ."
دائرة المعارف الاسلاميه مادة تصوف

ان اساس زهد بشرالحافي ورعه ,., وقد أقـر له الخليفه المأمون بالورع قال "لم يبق في هذه الكوره احد يُستحى منه غير هذا الشيخ بشر بن الحارث "
ابو عبد الرحمن السلمي

وشهد له بذلك أحمد ابن حـنـبـل .. وكان يغـتبط لتقـييم بشـر بن الحارث- في موقف ما - ويقول الحمد لله الذي ارضى بشراً بما صنعـناه

ويروى محمد ابن المثنى انه سأل أحمد بن حنبل : ما تقول في هذا الرجل ؟ فقال أي الرجال ؟ فقلت له : بشر فقال : سألتنى عن رابع سبعة من الابدال أو عامر بن قيس .
ما مثله عندى إلا رجل ركز رمحاً في الارض ثم قعد على السنان فهل ترك لأحد موضعاً يقعد فيه؟ حلية الاولياء ج2

وكان احمد بن حنبل يقول لأخت بشر " آه يا آل بشر لا عدمتكم, لا ازال اسمع الورع الصافي قبلكم " ج8

من مأثوراته الحكيمه :

يأتى على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم . .. يأتى زمان يكون [ الامر ] فيه للحمقى على الأكياس .

"اعمل في ترك التصنع ,ولا تعمل في التصنع "

لا تكون كاملاً حتى يأمنك عدوك , وكيف يكون فيك خير وانت لا يأمنك صديقك "

" الصبر الجميل الذي هو لا شكوى فيه إلى الناس "

لا تجد حلاوة العباده حتى تجعل بينك وبين الشهوات حائـطاً من حديد "

" الدعاء ترك الذنوب "

" المُتقلب في جوعه , كالمُتشحط في دمه في سبيل الله , وثوابه الجنـّـه "

قال يحيى ابن أكثم ... مات بشر بن الحارث يوم الاربعاء قبل استخلاف المعتصم بأيام وشهد جنازته خلق كثير من اهل بغداد وكان نهاراً صافياً صائـفاً وكان هذا شرف الدنـيا قبل شرف الآخره يدل دلاله قاطعه على منزلة بشر وحُـب النـّاس وتقديرهم له .

ابن الجوزى صفوة الصفوه ج2
من مواضيع : ahmed1981 0 فرعون و موسى
0 الأمويون و الاستبداد
0 كتاب العشق الإلهى

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 21-03-2008, 02:12 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

رابع و عشرون : معروف الكرخى

الشيخ معروف الكرخي ( قدس الله سره العزيز )

محرم حرم العرفان ، مأخذ الطريقة والإيقان ، شيخ أهل العلم والصوفية ، جامع الكمالات العلية لأستار الأسرار .

لقبه

الكرخي ، نسبة إلى الكرخ ببغداد .

اسمه

معروف بن الفيروزان .

كنيته

أبو محفوظ .

ولادته

في بغداد .

بداياته

يذكر أن أخاه عيسى قال ( كنت أنا وأخي معروف في الكتاب وكنا نصارى وكان المعلم يعلم الصبيان ( أب ، وابن ) فيصيح أخي معروف : أحد أحد ، فيضربه المعلم على ذلك ضرباً شديداً حتى ضربه يوماً ضرباً عظيماً فهرب على وجهه فكانت أمي تبكي وتقول : لأن رد الله عليَّ أبني معروفاً لاتبعنه على أي دين كان فقدم عليها معروف بعد سنين كثيرة ، فقالت له : يا بني ، على أي دين أنت ؟
قال : على دين الإسلام .
قالت : أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله .
فأسلمت أمي واسلمنا كلنا .

رواياته

روى عن داود الطائي وابن السماك وعلي الرضا وبكر بن خنيس

معاصريه

السري السقطي وأحمد بن حنبل وابن معين .

مسكنه

الكوفة ثم بغداد .

طريقته

أخذ الطريقة من طريقين :الأول : عن الشيخ داود الطائي عن الشيخ الحبيب العجمي عن الشيخ الحسن البصري عن الإمام علي .

والثاني: عن الإمام علي الرضا عن الإمام موسى الكاظم عن الإمام جعفر الصادق عن الإمام محمد الباقر عن الإمام علي زين العابدين عن الإمام الحسين عن الإمام علي .

حياته كراماته

كان الشيخ معروف مجاب الدعوة وكان كثير الصيام والمجاهدة وكان كثير الكرامات ، منها : أنه كان يمشي على الماء ، فقيل له أنك تمشي على الماء . فقال : ما مشيت قط على الماء ولكن إذا هـممت بالعبور ، يجمع لي طرفاها فاتخطاها .
وعن إبراهيم بن الاطرش قال : كان معروف الكرخي قاعداً على دجلة ببغداد ، إذ مرّ بنا احداث في زورق يضربون الملاهي ويشربون ، فقال له اصحابه : أما ترى أن هـؤلاء في هـذا الماء يعصون الله ؟ ، ادع عليهم .

فرفع يده إلى السماء وقال : الهي وسيدي ، أسألك أن تفرحهم في الجنة كما فرحتهم في الدنيا . فقال له أصحابه ، ألم قلنا لك ادع عليهم ، لم نقل لك ادع لهم . فقال : إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا ولم يضركم شيء .

عن عامر بن عبد الله الكرخي أنه قال : كان في جواري نصراني فقال لي : ما حصلت من عمري ثمرة ولا ولد لي فأنطلق إلى ولي ليهب لي ربي ولداً فأتيت به إلى مجلس معروف الكرخي فذكرت حاله ، فكلفه أولا بالإسلام فقال النصراني : ما تقدر على إسلامي بغير هـداية الله تعالى . فدعا الشيخ ورفع كفيه وقال : اللهم أنى أسألك أن ترزقه ولداً يكون باراً بوالديه ويكون سبب إسلامهما . فاستجاب الله دعوة الشيخ ، وولد له ولد فشب وصار لايقاً للتعليم فأجلسه أبوه عند معلم ، فقال المعلم : القلب ما أقول ، فقال الولد : لساني عن التثليث معقول وقلبي بحب الواحد مشغول . فقال المعلم : حصل الذي عليه ملتك ودع الذي لا دليل له فإن لساننا كليل عن ذلك . فلما ابتدأ بحروف الهجاء قفا كل حرف بتوحيد الله تعالى فوافق التوفيق المعلم فأجرى كلمة الشهادة في قلبي وذهب بالصبي إلى أبويه ووصف لهما فطنته وذكاءه وكمال عقله واستدلاله ودعاهما للاسلام فكسرا الصليب واسلما وتبعهما قدر خمسمائة نفس للاسلام . فهذا ببركة رعاية وفيض انفاسه لذلك الصبي .

وفاته

توفى ببغداد سنة 200 هـ وقبره يزار ، ويقال عنه قبر معروف ترياق مجرب (1) .

--------------------------------------------------------------------------------
الهوامش : [1]- جواد المرابط – التصوف والامير عبد القادر الحسيني الجزائري – ص 55 –57 .
- ابن الجوزي - صفة الصفوة – ج 2 – ص 210 – 214 .
- الشيخ عبد الرؤوف المناوي - الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية – ج 1 – ص 268 – 269.
- مرتضى بن محمد آل نظمي البغدادي – تذكرة الأولياء –ص 160 – 163 .



سيدي معروف الكرخي

كما تشرق الشمس بعد ظلمة الليل بالسنا الوضاء لتغمر آفاق الكون بالضياء يشرق نور المعرفة في قلب الولي بعد انقشاع الحجب التي كانت تحول بينه وبين مصدر الاستشراف . فأذا بجوهر العبد يتحول من إنيته الترابية إلى روح نيرة وشفافة متصلة بالله واذا بتلك الروح تصفو وتترقى في معاريج الصفاء في رحلة النور الى منتهى الغايات وان الى ربك المنتهى .
وممن أنتهت غاياتهم الى الله وشربت أرواحهم من معين الحب الإلهي الإمام العارف : سيدي أبو محفوظ معروف الكرخي .

فهو أحد من حظوا من الله تعالى بموفور العناية وكمال الرعاية فجالت أرواحهم في ملكوت الله سابحة في النور الإلهي عابدة أوابة تستمطر الفيوضات الربانية وتستلهم اللطائف الرحمانية , إنهم جنود الله وحراسه على شريعته وطريقته وحقيقته .
وسيدي معروف هو شيخ التصوف بالعراق في عصره , وقد أنتهه اليه تربية المريدين وإمامة المربين , وقد شهد له مشايخ عصره بأنه لم يكن في زمنه من يربي المريدين مثله . وناهيك بمن هو شيخ للسري السقطي الذي هو شيخ الإمام الجنيد سيد الطائفة الصوفية لذا فهو يعتبر بحق شيخا للسلسلة الصوفية التي نهلت من نبع آل البيت واستمدت من أنوارهم ضياءها .


فسيدي معروف هو واسطة العقد النفيس بين ال البيت وأقطاب التصوف , وقد امتدت حياته في القرن الثاني حتى نهايته حيث أرخ لوفاته بسنة مائيتن أو احدى أو اربع ومائتين هـ والاول هو الصحيح كما حققه الذهبي .

ولقد كانت حياة سيدي معروف وقفا على طاعته لربه وعبوديته الصادقة لله فلم تشبها رائحة الدنيا , ولم يكن فيها متسع لمأرب آخرسوى الاتصال بالله فقد نذر حياته لله تعالى ولم يأل جهدا في وفائه بحق هذا النذر فلم تسترع الدنيا منه ادنى التفاتة , لانه أدرك انها دنيا , ومن تعلق بها قلبه فهو دني الهمة آبق من سيده , فار من ساحة الميدان .

وحينما نتصفح سيرة الإمام الكرخي نقف في السطور الاولى من تاريخ حياته على احداث عدة تلقى أضواءها على هذه الشخصية الفذة التي توافرت لها سبل الرعاية الإلهية والعناية الربانية .

فلقد ولد من أبوين كانا يعتنقان النصرانية وما أن بدأ يستقبل بواكير صباه حتى أسلمه أبواه للمعلم ليلقنه تعاليم النصرانية . فأخذه وصار يقول له قل : ثالث ثلاثة.

فيقول له : بل إله واحد , فيكرر عليه المعلم قولته , وتصمد الفطرة المؤمنة أمام كلمة الكفر حتى لم يجد المعلم بدا من اللجوء الى القوة والاكراه فضربه ضربا مبرحا ليكرهه على دينه جبرا وتعسفا فهرب سيدي معروف منه ومن أبويه , او بالاحرى فر الى ربه , فألقت به العناية الالهية في احضان بيت النبوة إذ التقى بفرع الدوحة النبوية سيدي علي بن موسى الرضا وعنا به . فتلقنه يَدُ حانية لتمسح عنه آلامه ثم لتغسل عنه أدرانه ثم لتملأ قلبه بالنور , فعب من نبع الهدى والصفا وشرب من منهل الحنيفية السمحاء , ولما أفتقد والداه صارا يقولان : ليته يرجع الينا على أي دين شاء فنوافقه عليه . وذات يوم دق الباب . فقيل من ؟
قال معروف .
فقالا له :على أي دين انت ؟

فقال :على الاسلام . فأسلم أبواه . وبذا سجل العارف معروف أول فتح للاسلام على يديه مبتدئا بأبويه , وحين اخذ مفتاح فتوحه من سيدي علي الرضا كان قد بدأ حياة جديدة قوامها الجهاد الاكبر وهو جهاد النفس في طاعة الله واقتفاء أثر السلف الصالح وتزود لكل ذلك بالعلم فتضلع منه حتى كان مرجعا للائمة في عصره فقد ذكر الإمام الغزالي ان الإمام احمد بن حنبل كان يختلف اليه هو وابن معين ويسالانه ولم يكن في علم الظاهر مثلهما – فيقال لهما :مثلكما يفعل ذلك , فيقولان كيف نفعل إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب الله ولا سنة رسوله وقد قال المصطفى سلوا الصالحين .

وكان الإمام الكرخي ذا رواية في الحديث , ويذكر الحافظ ابو نعيم ان من مسانيد حديثه هذا الحديث الذي رواه عن عبد الله بن موسى عن عبد الاعلى بن أعين عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن السيدة عائشة فقالت قال رسول الله الشرك أخفى في امتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه ان تحب على شيء من الجور أو تبغض على شيء من العدل . وهل الدين الا الحب في الله والبغض في الله ؟ قال الله قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله .

وكان الإمام معروف الكرخي – وهو شيخ وامام في علوم القوم- ذا منهج خاص في التربية الصوفية ويتضح هذا المنهج من تتبع أقوله الماثورة في التصوف والتي تنبئ عن علو قدمه في ميدان المعرفة .

فقد سئل سيدي معروف عن حقيقة الوفاء فقال , حقيقة الوفاء : إفاقة السر عن رقدة الغفلات وفراغ الهم من فضول الافات .
وخلاصة جوابه هي تخلية السر لله وتصفية القلب من الغفلة ومن كل ما من شأنه ان يشغل عن الله .
وسئل : بم تخرج الدنيا من القلب ؟

فقال : بصفاء الود وحسن المعاملة . وللصفاء علامات ثلاث , وفاء بلا خلاف وعطاء بلا سؤال ومدح بلا جود .
ويقول : ( وعلامة الأولياء ثلاثة : همومهم لله , وشغلهم فيه وفرارهم اليه )

وساله ابو سليمان الداراني عن الطائعين بأي شيء قدروا على الطاعة ؟

فقال : بأخراج الدنيا من قلوبهم , ولو كان منها شيء في قلوبهم ما صحت لهم سجدة ) !! .

ارأيت الى هذا المعراج السامي في مراقي الحقائق ؟ ان الإمام معروف الكرخي لم ينطق بهذه الكلمات الا بعد ان تحقق بها , لذلك فان كلماته تنفذ الى القلب لانها من القلب ولانها صدرت عن اخلاص لله وبغير ذلك لا يمكن ان تثمر الكلمات . ولقد ترجم سيدي معروف سلوكه مع الله في هذه الكلمات التي فيها غذاء القلب وقوت الروح .

انه يقول : ( توكل على الله حتى يكون هو معلمك ومؤنسك وموضع شكواك , ويكن ذكر الموت جليسك لا يفارقك ) .
ان من يفعل ذلك فقد صار محلا لولاية الله وهنا تتنزل عليه الرحمات وتفيض عليه الالهامات وتخرق له العادات لانه صار ربانيا يسمع بالله ويبصر بالله ويفعل كل شيء بالله ويفعل كل شيء بالله ولانه جاهد في الله حق جهاده . ومما وقع لسيدي معروف من الكرامات ما رواه صاحب الحلية عن ابراهيم بن عبد الله بن اسحق عن محمد بن اسحق النقنى قال سمعت ابا سليمان الرومي يقول سمعت خليلا الصياد يقول : غاب ابني محمد فجزعت امه جزعا شديدا فأتيت معروفا فقلت : يا أبا محفوظ .

قال : ما تشاء ؟
قلت :- ابني محمد غاب وجزعت امه جزعا شديدا فادع الله ان يرده عليها .
فقال : اللهم ان السماء سماؤك والارض أرضك وما بينها لك فأت به .
قال خليل : فأتيت باب الشام فاذا ابني محمد قائم منبهر.
قلت : محمد ؟
قال :- يا أبت كنت الساعة بالانبار !!

وليس عجيبا ان يجيب الله دعاء من أطاعه مهما كان خارقا للعادة , وليس عجيبا أن تخرق العادة لمن خرج عن مالوف عادته بجهاده لنفسه في طاعة الله بل أن خرقه للعادة أقل القليل بالنسبة لعطاء هؤلاء الصفوة الخواص , انهم أهل الحضرة الالهية وضنائن الله في خلقه .

يقول العارف السري السقطي ( رايت معروفا الكرخي في النوم كانه تحت العرش والباري جلت قدرته يقول لملائكته : من هذا ؟ ووهم يقولون انت أعلم يا ربنا منا فقال هذا معروف الكرخي سكر من حبي فلا يفيق الا بلقائي !!)

هذه هي منزلة سيدي معروف قد أراها الله لخليفته سيدي السري الذي أخذ عنه الطريق . ومنازل الاولياء في الحقيقة لا يعلمها الا الله وانما هي اشارات تقربنا منهم وتدلنا عليهم وتخبرنا بمدى صدقهم مع الله .

ولقد عرف الصوفية الطريق الى الله تعالى فسلكوه ولم يلتفتوا عنه طرففة عين وحسبنا من العلم وبمنازلهم أنهم آثروا الله على كل شيء فمنحهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

ان الإمام العارف سيدي معروفا الكرخي قد أجمعت آراء صفوة العارفين على إمامته في علوم القوم وعلى انه كان فريدا في عصره علما وذوقا وسلوكا وشرب من واحة آل البيت حتى أرتوى وأروى وفاضت من ينبوع معرفته لطائف الاشارات التي قادت قلوبا وارواحا الى الله تعالى وهو الذي استغرقت محبة الله روحه وانفاسه فعاش عيشة الابرار ولقى ربه مع المصطفين الاخيار ورضي عنا به وأمدنا ببركاته دنيا وآخرة آمين , لقد كان الإمام معروف كما قال الحافظ الذهبي في صدارة ترجمته ( علم الزهاد . بركة العصر ) ولا يدلك على العارف الا عارف مثله .

فقد روى عن سيدنا سفيان بن عينية انه قال لمعاصره اسماعيل بن شداد : ما فعل ذلك الحبر الذي فيكم ببغداد ؟
فقال من هو ؟
قال : أبو محفوظ معروف .
قال : بخير .
فقال الإمام سفيان الثوري : ( لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقى ) .

كما ذكر الحافظ الذهبي من كرامات سيدي معروف ان ابن شيرويه قال : قلت لمعروف : بلغني أنك تمشي على الماء .
فقال له ما وقع هذا , ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفا النهر فاتخطاه .

ان سيدي معروفا ممن لهم جاه عظيم يتوسل به الى الله , فقد روى الإمام القشيري انه قال لمريده الإمام السري السقطي ( إذا كانت لك حاجة الى الله فاقسم عليه به ) !!

الا وان جاهه عند الله لم ينقطع بوفاته , فقد قال أبو عبد الرحمن السلمي في ترجمته : ( وهو من جلة المشايخ وقدمائهم و والمذكورين بالورع والفتوة كان استاذ السري السقطي : صحب داود الطائي , وقبره ببغداد ظاهر يستشفى به ويتبرك بزيارته ) . ثم روى عن ابراهيم بن الجوزي انه كان يقول ( قبر معروف الترياق المجرب ) وقد من الله على فقيره مؤلف هذا الكتاب بزيارة مقام الإمام معروف الكرخي ببغداد سنة 1990 م حيث كان في مؤتمر للمجلس الاعلى للشئون الإسلامية , افاض الله علينا ببركاته وحشرنا في زمرته .





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ



هو ابومحفوظ معروف الكرخي واسم ابيه فيروز او الفيرزان واصله من نهربان من قرى واسط .كان معروف من المشهورين بالصلاح في دينه ومشهورا با لاجتهاد في العباده والورع والزهادة وكان الناس في زمانه وبعد مضيه يتحدثون بسبيله انه مستجاب الدعوه وصاحب الكرامات

عاصر هارون الرشيد وصاحب داود بن نصير الطائي وصحبه وتتلمذ عليه السري السقطي فهو استا ذه وكان محدثا سمع الحديث من اعاظم شيوخ عصره .لزم معروف عليا الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق رضي الله عنهم وكان من مواليه واسلم على يديه وعاش مع ابنائه وتلقى علم اهل البيت فنال من ذلك حظا وافرا حتى عرف بلسان اهل البيت المبين ثم لقب بامام بغداد وزاهدها

علم معروف بان المسلم الحق قوة دافعه ودوامه متحركه نحو موراد الخير وان وقوفه على هامش الحياة يسلبه صفه المسلم فيقول (( ان الوالي لايكون الا اذا قام بواجبه حيال الامه الاسلاميه مصلحا لامورها مفرجا لهمومها وكروبها راحما لافرادها )) .كان معروف الكرخي رضي الله عنه مباركا في حياته فقد سبقت له الحسنى ومن اياته انه كان مجاب الدعوه كما بشره ابن السماك

فكان اهل بغداد يهرعون اليه عند الاحداث والملمات يسالونه الدعاء وكان غالب دعائه لجميع المسلمين يرجو لهم الخير ويدعو لهم الصلاح فيقول (( ان من صالح الدعاء ان يدعو الانسان للامه المحمديه مع كل ذكر وتسبيح))ومن اروع ما كان يدعو ابه الدعاء (( اللهم لاتجعلنا بثناء الناس مغرورين ولا بالستر منك مفتونين اجعلنا ممن يومن بلقائك ويرضى بقضائك ويقنع بعطائك ويقنع بعطائك ويخشاك حق خشيتك اللهم اوف ظنون المسلمين فينا ووفقنا لوفاء ظنونهم واجعلنا خيرا مما يظنون ولاتواخذنا بما يقولون انت تعلم وهم لايعلمون )) وعن محمد بن منصور الطوسي قال سمعت معروف الكرخي يقول (( اللهم اجعلنا صادقين حتى نكون صالحين)) وعن القاسم بن محمد البغدادي قال :كنت جار معروف الكرخي وفي ليلة في السحر سمعته يبكي وينشد :


اي شي تريد مني الذنوب شغفت بي فليس عني تغيب

ما بضر الذنوب لو اعتقتني رحمة لي فقد علاني المشيب





ذكر مرضه ووفاته


عن ابي بكر الزجاج يقول (( قيل لمعروف الكرخي ماذا توصي ؟ فقال اذا مت فتصدقو ا بقميصي هذا فاني احب ان اخرج من الدنيا عريا نا كما دخلت اليها عريانا)) عن ابي عبدالله احمد بن هارون قال مات ابو نواس فا خرجت جنازته وجنازة معروف في يوم واحد فخرج الناس مع جنازة معروف ولم يخرج مع جنازة ابي نواس غير رجل واحد فلما رجع الناس من جنازة معروف راوا جنازة ابي نواس فسالوا عنه فقالوا : الحسن بن هاني فما التفت احد منهم عليه فقال يعني القائل اليس قد جمعنا واياه الاسلام ولعل باطنه كان اجمل من ظاهره فلا تؤيسوه من رحمة الله فرجع الناس فصلوا عليه)) عن ابي القسم النصري قال حدثني ابي قال (( بلغني انه صلى على معروف ثلئمائة الف انسان فاطلع عليهم راهب من الدير فقال لو ان احدكم فعل فعله لكان مثله))

مات معروف رضي الله عنه ببغداد سنة مائتين للهجره ((816م)) ودفن في مقبرة (( باب الدير)) فشيد فوق قبره مقام ثم مسجد
رؤي معروف في المنام بعد موته فقيل له ما صنع الله بك فقال


موت التقي حياة لانقطاع لها
قد مات قوم وهم في الناس احياء



سيدنا السري السقطي خال سيدنا الجنيد يقول ذهبت الى معروف الكرخي وقلت له ياامام اقرأ على قلبي او ادعوا الله لي ان يخرج من قلبي حب الدنيا يقول فقرأ على قلبي فما رفع يده عن قلبي الا وخرجت الدنيا من قلبي

وفي كتاب طبقات الحنابلة

حكى إسماعيل بن شداد قال: قال لنا سفيان بن عيينة من أين أنتم قلنا من أهل بغداد قال: ما فعل ذلك الحبر الذي فيكم قلنا من هو قال: أبو محفوظ معروف قال: قلنا بخير قال: لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقي فيهم.

وقال إمامنا أحمد للمروذي إذا أخبرت عن معروف بشيء من أخبار السماء فاقبله.

ومعروف كان أستاذ سري السقطي وصحب معروف داود الطائي، وقال إبراهيم الحربي قبر معروف الترياق المجرب.
وقال عبد الله بن العباس الطيالسي قال: لي ابن أخي معروف قال: لي عمي معروف إذا كان لك إلى الله حاجة فتوسل إليه بي.

وقال عبد الوهاب الوراق ما رأيت أحداً أخوف لله عز وجل من معروف الكرخي وعن واضحة معرف كلام العبد فيما لا يغنيه خذلان من الله له.

وقال محمد بن منصور مضيت يوماً إلى معروف ثم عدت إليه من غد فرأيت في وجهه أثر شجة فهبت أن أسأله عنها وكان عنده رجل آخر أجرأ عليه مني فقال: يا أبا محفوظ كنا عندك البارحة ومعنا محمد بن منصور فلم نر في وجهك هذا الأثر فقال: له معروف خذ فيما نحن فيه وما تنتفع به فقال: له أسألك بالله فانتفض معروف وقال له ويحك وما حاجتك إلى هذا مضيت البارحة إلى البيت الحرام فصليت ثم عشاء الآخرة ثم صرت إلى زمزو فشربت منه فزلت قدمي فنطح وجهي الباب فهذا الذي تراه من ذلك.

وقال رجل لمعروف أوصني. فقال: توكل على الله، وأكثر ذكر الموت حتى لا يكون لك جليس غيره، واعلم أن الشفاء من البلاء إذا نزل بك: كتمانه، وأن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك، ولا يعطونك ولا يمنعونك.

وقال معروف: إذا كان يوم القيامة أنبت الله عز وجل لأقوام من المؤمنين أجنحة في قبورهم فإذا نفخ في الصور طاروا من قبورهم فصاروا إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون لهم من أنتم فيقولون نحن المؤمنون نحن من أمة محمد نحن من أمة القرآن فيقولون لهم هل رأيتم الصراط فيقولون لا فيقولون هل رأيتم الجمع فيقولون لا فيقولون هل رأيتم الجليل عز وجل فيقولون قد رأينا نوره.
من مواضيع : ahmed1981 0 أروع ما قيل فى نهر النيل
0 كتاب ديوان النيل
0 الفرقان الحق.. كتاب أمريكا المزيف

رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أعلام, الصوفية, كبار

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نبذة عن كلية الاثار khalifa كلية الآثار 9 12-10-2008 11:10 AM
ملحق قيم عن جلال الدين الرومى و المولوية و السماع خانة ahmed1981 الحوار المفتوح 4 09-10-2008 05:11 AM
حقيقة الصوفية(القناصM) Mالقناص ارشيف المواضيع المتكررة والمخالفة 0 07-12-2007 09:39 PM
الصوفية google ارشيف المواضيع المتكررة والمخالفة 1 05-06-2007 07:36 PM
سخافة عقول الصوفية ،اسأل الله العافية google ارشيف المواضيع المتكررة والمخالفة 0 02-06-2007 04:50 AM

كبار أعلام الصوفية


الساعة الآن 02:11 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.3.0 مطور الموقع حسام الزاغ
قصص وروايات | اخبار الفن | صور | صور فنانات | صور فنانات | حواء | ازياء | فيديو كليب | افلام عربي | افلام اجنبي | مصارعة حرة | صور سيارات | مكياج | صور زهور | كرة مصرية | برامج جوال | اغاني عربية | اغاني اجنبية | بلوتوث | اغانى افراح | اغانى السبوع | تحميل برامج | العاب | ازياء | صور اطفال | مسجات | اغانى اطفال | العاب كاملة | ايفون | صور حب | صور رومانسيه | حب