كبار أعلام الصوفية - الصفحة 6 - منتديات حب جديد

التصفح سريع


منتديات محدثة : - اغانى زمان - مصارعة محترفين - طريق الاسلام

افلام عربية | افلام مصرية | افلام عربى | فيديو مضحك | فيديو رياضي | فيديو كليب | كارتون | حوادث | مسلسلات | مسرحيات | صور | اغانى | العاب بنات | وظائف

 


مواقع ننصح بيها :   اسلاميات موقع الكوثر - افلام - اغانى - شلة بنات - نظم للإلكترونيات والبرمجيات
العودة   منتديات حب جديد > المنتديات العامة > الحوار المفتوح

الحوار المفتوح اى موضوع او حوار


الدورى الفرنسى - الدوري الالماني - الدوري الايطالي - الدوري الانجليزي - الدوري الاسباني - الدورى المصرى


كبار أعلام الصوفية

الحوار المفتوح


روابط دعائية



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #26  
قديم 21-03-2008, 01:12 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى متألق
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

خامس و عشرون: حاتم الأصم

حاتم الأصم: هو أبو عبد الرحمن حاتم بن علوان المعروف بالأصم من أكابر مشايخ خرسان، كان تلميذ شقيق البلخي وأستاذ أحمد بن خضرويه، ويقال: إنّه لم يكن أصم وإنّما تصامم مرة فسمي بذلك.

قال الأستاذ أبو الدقاق رحمه الله تعالى: "جاءت امرأة فسألت حاتمًا عن مسألة فاتفق أنّه خرج منها في تلك الحالة صوت فخجلت فقال حاتم: ارفعي صوتك، فأرى من نفسه أنّه أصم، فسرّت المرأة بذلك، وقالت: إنّه لم يسمع الصوت، فغلب عليه اسم الأصم".

حكي أن حاتما الأصم كان رجلا كثير العيال، وكان له أولاد ذكور وإناث، ولم يكن

يملك حبة واحدة، وكان قدمه التوكل. فجلس ذات ليلة مع أصحابه يتحدث معهم
فتعرضوا لذكر الحج، فداخل الشوق قلبه، ثم دخل على أولاده فجلس معهم يحدثهم، ثم
قال لهم: لو أذنتم لأبيكم أن يذهب إلى بيت ربه في هذا العام حاجا، ويدعو لكم،
ماذا عليكم لو فعلتم؟ فقالت زوجته وأولاده: أنت على هذه الحالة لا
تملك شيئا، ونحن على ما ترى من الفاقة، فكيف تريد ذلك ونحن بهذه الحالة؟ وكان
له ابنة صغيرة فقالت: ماذا عليكم لو أذنتم له، ولا يهمكم ذلك، دعوه يذهب حيث
شاء فإنه مناول الرز ق، وليس براز ق، فذكرتهم ذلك. فقالوا: صدقت والله هذه
الصغيرة يا أبانا، انطلق حيث أحببت. فقام من وقته وساعته واحرم بالحج، وخرج
مسافرا وأصبح أهل بيته يدخل عليهم جيرانهم يوبخونهم، كيف أذنوا له بالحج،
وتأسف على فراقه أصحابه وجيرانه، فجعل أولاده يلومون تلك الصغيرة، ويقولون: لو
سكت ما تكلمنا. فرفعت الصغيرة طرفها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي ومولاي عودت
القوم بفضلك، وأنك لا تضيعهم، فلا تخيبهم ولا تخجلني معهم. فبينما هم على هذه
الحالة إذ خرج أمير البلدة متصيدا فانقطع عن عسكره وأصحابه، فحصل له عطش شديد
فاجتاز بيت الرجل الصالح حاتم الأصم فاستسقى منهم ماء، وقرع الباب فقالوا: من
أنت؟ قال: الأمير ببابكم يستسقيكم. فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء وقالت: الهي
وسيدي سبحانك، البارحة بتنا جياعا، واليوم يقف الأمير على بابنا يستسقينا، ثم
أنها أخذت كوزا (وعاء صغير للشرب) جديدا وملأته ماء، وقالت للمتناول منها:
اعذرونا، فأخذ الأمير الكوز وشرب منه فاستطاب الشرب من ذلك الماء فقال: هذه
الدار لأمير، فقال: لا والله، بل لعبد من عباد الله الصالحين عرف بحاتم الأصم.
فقال الأمير: لقد سمعت به. فقال الوزير: يا سيدي لقد سمعت أنه البارحة احرم بالحج وسافر ولم يخلف لعياله
شيئا، وأخبرت أنهم البارحة باتوا جياعا. فقال الأمير: ونحن أيضا قد ثقلنا
عليهم اليوم، وليس من المروءة أن يثقل مثلنا على مثلهم. ثم حلّ الأمير منطقته
من وسطه ورمى بها في الدار، ثم قال لأصحابه: من أحبني فليلقِ منطقته، فحل جميع
أصحابه مناطقهم ورموا بها إليهم ثم انصرفوا. فقال الوزير السلام عليكم أهل
البيت لآتينكم الساعة بثمن هذه المناطق، فلما نزل الأمير رجع إليهم الوزير،
ودفع إليهم ثمن المناطق مالا جزيلا، واستردها منهم. فلما رأت الصبية الصغيرة
ذلك بكت بكاء شديدا فقالوا لها: ما هذا البكاء إنما يجب أن تفرحي، فإن الله
وسع علينا. فقالت: يا أم، والله إنما بكائي كيف بتنا البارحة جياعا، فنظر
إلينا مخلوق نظرة واحدة، فأغنانا بعد فقرنا، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا
يكلنا إلى احد طرفة عين، اللهم انظر إلى أبينا ودبره بأحسن تدبير. هذا ما كان
من أمرهم.

وأما ما كان من أمر حاتم أبيهم فإنه لما خرج محرما، ولحق بالقوم توجع أمير
الركب، فطلبوا له طبيبا فلم يجدوا، فقال: هل من عبد صالح؟ فدلّ على حاتم، فلما
دخل عليه وكلمه دعا له فعوفي الأمير من وقته، فأمر له بما يركب، وما يأكل، وما
يشرب. فنام تلك الليلة مفكرا في أمر عياله، فقيل له في منامه: يا حاتم من أصلح
معاملته أصلحنا معاملتنا معه، ثم أخبر بما كان من أمر عياله، فأكثر الثناء على
الله تعالى، فلما قضى حجه ورجع تلقاه أولاده فعانق الصبية الصغيرة وبكى ثم
قال: صغار قوم كبار قوم آخرين وإن الله لا ينظر إلى أكبركم ولكن ينظر إلى
أعرفكم به فعليكم بمعرفته والاتكال عليه، فإنه من توكل على الله فهو حسبه......
اللهم ارني حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك يا ألله......


روى عن شقيق البلخي انه قال لحاتم الاصم : قد صحبتني مدة ...فماذا تعلمت ؟

قال : ثمان مسائل :

أما الاولى : فاني نظرت الى الخلق ... فاذا كل شخص له محبوب ,فاذا وصل الى القبر فارقه محبوبه ... فجعلت محبوبي حسناتي لتكون معي بالقبر .

والثانيه : فاني نظرت الى قوله تعالى : ( ونهى النفس عن الهوى ) فأجهدتها في دفع الهوى حتى استقرت على طاعه الله .

والثالثه : فإني رأيت كل من معه شيئ له قيمة عنده يحفظه .. فنظرت إلى قوله تعالى ( ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ) فكلما وقع معي شيئ له قيمة وجهته إلى الله ليبقى لي عنده .

والرابعه : فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف ... وليست بشيء .. فنظرت الى قوله تعالى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) فعملت بالتقوى حتى أكون عند الله كريما .

والخامسه : فإني رأيت الناس يتحاسدون , فنظرت إلى قوله تعالى ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) فتركت الحســـــــد .

والسادسة : رأيت الناس يتعادون , فنظرت إلى قوله تعالى ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) فتركت عداوتهـــم ,واتخذت الشيطان وحده عــدوا .

والسابعة : رأيتهم يذلون أنفسهم في طلب الرزق , فنظرت إلى قوله تعالى ( وما من دابة على الارض إلا على الله رزقها ) فاشتغلت بما له علي , وتركت ما لي عنـــــــده .

والثامنة : رأيتهم متوكلين على تجارتهم وصنائعهم وصحه أبدانهم , فتوكلت على الله .. ( فإذا عزمت فتوكل على الله )



وصية حاتم الاصم (رحمه الله) حيث ساله سائل عن صلاته فقال... اذا حانت الصلاة:

ـ اسبغت الوضوء.

ـ واتيت الموضع الذي اريد الصلاة فيه.

ـ فاقعد فيه حتى تجتمع جوارحي.

ـ ثم اقوم الى صلاتي.

ـ واجعل الكعبة بين حاجبي.

ـ والصراط تحت قدمي.

ـ والجنة عن يميني.. والنار عن شمالي.

ـ وملك الموت ورائي.

ـ واظنها اخر صلاتي.

ـ ثم اقوم بين الرجاء والخوف.

ـ واكبر تكبيرا بتحقيق.

ـ واركع ركوعا بتواضع.. واسجد سجودا بتخشع.



وقال حاتم الأصم :

كان يقال العجلة من الشيطان الا في خمس :
إطعام الضيف إذا حل.
وتجهيز الميت إذا مات .
وتزويج البكر إذا أدركت .
وقضاء الدين إذا حل ووجب .
والتوبة من الذنب إذا وقع .
من مواضيع : ahmed1981 0 فوائد قمر الدين
0 الكنز الثمين فى الرد على المتطرفين
0 الفنان سلوم حداد

رد مع اقتباس
روابط دعائية


  #27  
قديم 21-03-2008, 01:14 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى متألق
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

سادس و عشرون: سرى السقطى

مع العارفين




السري بن المغلس السقطي




يكنى أبا الحسن خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه .



( الدعاء المستجاب )

دعا له معروف الكرخي رحمه الله وقال أغنى الله قلبك فوقع الزهد في قلبه حينئذ .

عن أبي القاسم سليمان بن محمد الضراب قال حدثني بعض أخواني أن سريا السقطي مرت به جارية معها إناء فيه شيء فسقط من يدها فإنكسر فأخذ سري شيئا من دكانه فدفعه إليها بدل ذلك الإناء فنظر إليه معروف الكرخي فأعجبه ما صنع فقال له معروف بغض الله إليك الدنيا .

وعن مظفر بن سهل المقري قال سمعت علان الخياط وجرى بيني وبينه مناقب سري السقطي فقال علان كنت جالسا مع سري يوما فوافته امرأة فقالت يا أبا الحسن أنا من جيرانك أخذ ابني الطائف وأنا أخشى أن يؤذيه فإن رأيت أن تجيء معي أو تبعث إليه .

قال علان فتوقعت أن يبعث إليه فقام وكبر وطول في صلاته فقالت المرأة يا أبا الحسن الله الله فيَّ !! هو ذا أخشى أن يؤذيه السلطان فسلم وقال لها أنا في حاجتك .

قال علان فما برحت حتى جاءت إمرأة إلى المرأة فقالت الحقي قد خلوا ابنك .



( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ )


قال علان وأي شيء يتعجب من هذا اشترى كرلوز بستين دينارا وكتب في روزنامجة ثلاثة دنانير ربحه فصار كراللوز بتسعين دينارا فأتاه الدلال وقال أريد ذاك اللوز فقال خذ فقال بكم قال بثلاثة وستين دينارا قال له الدلال إن اللوز قد صار الكر بتسعين فقال له قد عقدت بيني وبين الله عقدا لا أحله ليس أبيعه إلا بثلاثة وستين دينارا فقال له الدلال إني قد عقدت بيني وبين الله تعالى لا أغش مسلما لست أخذ منك إلا بتسعين دينارا فلا الدلال اشترى منه ولا سري باعه فكيف لا يستجاب دعاء من هذا فعله .



( حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه ... )


وعن إبن أبي الورد قال دخلت على سري السقطي وهو يبكي ودورقه مكسور فقلت مالك قال إنكسر الدورق فقلت أنا أشتري لك بدله فقال لي تشتري بدله وأنا أعرف من أين الدانق الذي تشتري به الدورق ومن عمله ومن أين طينه وأي شيء أكل عامله حتى فرغ من عمله .

وعن سعيد بن عثمان قال سمعت سري بن المغلس يقول غزونا أرض الروم فمررت بروضة خضرة فيها الخيار وحجر منقور فيه ماء المطر فقلت في نفسي لأن أكلت يوما حلالا فاليوم فنزلت عن دابتي وجعلت آكل من ذلك الخيار وشربت من ذلك الماء فإذا هاتف يهتف بي يا سري النفقة التي بلغت بها إلى ها هنا من أين .

وعن الجنيد قال سمعت سري بن المغلس يقول أشتهي منذ ثلاثين سنة جزرة أغمسها في الدبس وآكلها فما يصح لي
وعن حسن المسوحي قال دفع إلي سري السقطي قطعة فقال اشتر لي باقلي من رجل قدره داخل الباب فطفت الكرخ كله فلم أجد إلا من قدره خارج الباب فرجعت إليه فقلت خذ قطعتك فإني لا أجد إلا من قدره خارج

وعن أبي عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي قال سمعت سريا السقطي يقول إني لأذكر مجيء الناس إلي فأقول اللهم هب لهم من العلم ما يشغلهم عني فإني لا أريد مجيئهم ولا أن يدخلوا علي

وعن علي بن عبد الحميد الغضائري قال سمعت السري السقطي ودققت عليه الباب فقام إلى الباب فسمعته يقول اللهم اشغل من يشغلني عنك بك

قال إبن المقري وزادني بعض أصحابنا عنه أنه قال فكان من بركة دعائه أني حججت أربعين حجة على رجلي من حلب ذاهبا وراجعا

وعن جنيد قال دخلت على سري وهو جالس يبكي وبين يديه كوز مكسور فجلست حتى سكت فقلت ما يبكيك قال كنت صائما فجاءت ابنتي بكوز فيه ماء فعلقته هناك فقالت يبرد لك لتفطر عليه فحملتني عيني فرأيت كأن جارية قد دخلت علي من هذا الباب عليها قميص فضة وفي رجليها نعلان لم أر قدما قط في نعل أحسن منهما فقلت لها لمن أنت قالت لمن لا يبرد الماء في الكيزان الخضر وضربت بكمها الكوز فرمت به وهو هذا ثم إنتبهت
قال جنيد فمكثت أختلف إليه مدة طويلة أرى الكوز بين يديه مكسورا عليه التراب وهو لا يرفعه .
وعنه قال قال لي سري إن أمكنك ألا تكون آلة بيتك إلا خزفا فافعل قال لي الجنيد وهكذا كانت آلة بيته وسمعت سريا يقول رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل قال وكان سري إذا جن عليه الليل دافع أوله ثم دافع ثم دافع فإذا غلبه الأمر أخذ في النحيب والبكاء



( التواضع )


جعفر بن محمد بن نصير يقول سمعت الجنيد يقول سمعت السري قال ما أرى لي على أحد فضلا قيل ولا على المخنثين قال ولا على المخنثين .



( زمان العزلة )


قال السلمي وسمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا عمر الأنماطي يقول سمعت الجنيد يقول سمعت السري يقول من أراد أن يسلم دينه ويستريح قلبه وبدنه ويقل غمه فليعتزل الناس لأن هذا زمان عزلة ووحدة .
وعن الجنيد بن محمد قال سمعت سريا يقول لولا الجمعة والجماعة لسددت على نفسي الباب ولم أخرج .



( الدنيا فضول إلا ..... )


وعن عبدوس بن القاسم قال سمعت السري يقول كل الدنيا فضول إلا خمس خصال خبز يشبعه وماء يرويه وثوب يستره وبيت يكنه وعلم يستعمله .



( معرفة وعلم )


وعن علي بن عبد الحميد الغضائري قال سمعت السري يقول من لم يعرف قدر النعم سلبها من حيث لا يعلم ومن هانت عليه المصائب أحرز ثوابها .



( بين السُنّة والبدعة )


وعنه قال سمعت السري يقول قليل في سنة خير من كثير في بدعة كيف يقل عمل مع تقوى .




( ابدأ بنفسك )


وسمعته يقول أقوى القوة غلبتك نفسك ومن عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز ومن أطاع من فوقه أطاعه من دونه ومن خاف الله خافه كل شيء .


( المغبون !! )


فقال إن إغتممت بما ينقص من مالك فابك على ما ينقص من عمرك .


( الغافل الأعمى )


وقال من قلة الصدق كثرة الخلطاء ومن علامة الاستدراج العمى عن عيوب النفس .


( علامات .... )


وعنه قال سمعت السري يقول أجلد الناس من ملك غضبه ، ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله ، ولن يكمل رجل حتى يؤثر دينه على شهوته ، ولن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه .


( لا تكشف الستر عنا )


وعن الجنيد قال سمعت سريا يقول ما أحب أن أموت حيث أعرف أخاف ألا تقبلني الأرض فأفتضح .


( كما حسنت خلقي حسن خلقي )


وقال سمعت سريا يقول إني لأنظر إلى أنفي في كل يوم مرتين مخافة أن يكون قد اسود وجهي .


( لباس الشهرة )


أحمد بن عبد الله قال أخبرني جعفر بن محمد في كتابه قال سمعت الجنيد قال سمعت السري بن مغلس يقول لو أحسست بإنسان يريد أن يدخل علي فقلت بلحيتي كذا وأمر يده على لحيته كأنه يريد تسويتها من أجل دخول الداخل لخفت أن يعذبني الله على ذلك بالنار .


( الشهوة العزيزة )


وسمعته يقول أحب أن آكل أكلة ليس لله علي فيها تبعة ولا لمخلوق علي فيها منة فما أجد إلى ذلك سبيلا .


( كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ )


وسمعته يقول اللهم ما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب


( المرابطون )


وسمعته يقول إذا فاتني جزء من وردي لا يمكنني أن أقضيه أبدا .
وعن جنيد قال سمعت سريا يقول إذا فاتني شيء من وردي لم أقدر أن أعيده .
قال جنيد كان سري متصل الشغل وكان إذا فاته شيء لا يقدر أن يعيده وكذا كان عمر بن الخطاب لم يكن له وقت ينام فيه فكان ينعس وهو قاعد فقيل له يا أمير المؤمنين ألا تنام فقال كيف أنام إن نمت بالنهار ضيعت أمور المسلمين وإن نمت بالليل ضيعت حظي من الله عز وجل .
وعن الجنيد قال ما رأيت أعبد لله من السري السقطي أتت عليه ثمان وسبعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت .


( الطريق القويم )


وسمعته يقول إذا ابتدأ الإنسان ثم كتب الحديث فتر وإذا ابتدأ بكتبه الحديث ثم تنسك نفذ .


( المريض الغريق )


وذكر له أهل الحقائق من العباد فقال أكلهم أكل المرضى ونومهم نوم الغرقى .


( الحذر .. الحذر )


وسمعته يقول احذر لا تكون ثناء منشورا وعيبا مستورا .


( علامة الإخلاص )


وسمعته يقول وقد ذكر الناس فقال لا تعمل لهم شيئا ولا تترك لهم شيئا ولا تعط لهم شيئا ولا تكشف لهم عن شيء يريد بهذا أن تكون أعمالك كلها لله تعالى .


( بم يعرف الشيوخ ؟ )


قال وسمعت الحسن البزار يقول سألت أحمد بن حنبل عن السري بعد قدومه من الثغر فقال أليس الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء قلت بلى فقال هو على سترة عندنا قبل أن يخرج .
وقد كان السري يكثر من ذكر طيب الغذاء وتصفية القوت وشدة الورع حتى انتشر ذلك وبلغ أحمد بن حنبل .


( اغتنم خمسا ً )


قال الجنيد وكان السري يقول لنا ونحن حوله أنا لكم عبرة يا معشر الشباب أعملوا فإنما العمل في الشبيبة .


( من الناس ؟ )


وكان يقول من الناس ناس لو مات نصف أحدهم ما إنزجر النصف الآخر ولا أحسبني إلا منهم .
هذا ويقول الجنيد : ما رأيت أعبد لله من السري السقطي أتت عليه ثمان وسبعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت !!!! .


( بين السابقة والخاتمة )


وسمعت السري يقول قلوب المؤمنين معلقة بالسوابق وقلوب الأبرار معلقة بالخواتيم هؤلاء يقولون بماذا يختم لنا وأولئك يقولون ماذا سبق من الله لنا .


( العصفور الواعظ )


وعن أبي عباس المؤدب قال دخلت على سري السقطي يوما فقال لأعجبنك من عصفور يجيء فيسقط على هذا الرواق فأكون قد أعددت له لقيمة فأفتها في كفي فيسقط على أطراف أناملي فيأكل فلما كان في وقت من الأوقات سقط على الرواق ففتت الخبز في يدي فلم يسقط على يدي كما كان ففكرت في سري ما العلة في وحشته مني فوجدتني قد أكلت ملحا مطيبا فقلت في نفسي أنا تائب من الملح المطيب فسقط على يدي فأكل وانصرف .


( الأخسرين أعمالاً !! )


وعن أبي عبيد بن حربويه قال سمعت السري السقطي يقول من النذالة أن يأكل الإنسان بدينه .


( المحاسب الحيي )


وعن علي بن عبد الحميد قال سمعت السري السقطي يقول من حاسب نفسه إستحيا الله من حسابه .




( التاجر الكيّس والتاجر العاجز )


وسمعته يقول من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل .
وعن إبراهيم بن السري السقطي قال سمعت أبي يقول عجبت لمن غدا وراح في طلب الأرباح وهو مثل نفسه لا يربح أبدا .



( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ )


وعن أبي عبيد بن حربويه قال سمعت سريا السقطي يقول سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب أودائه لأنه لم يرضها لهم .



( انقطاع واتصال )


وعن أحمد بن محمد الصوفي قال سمعت السري بن مغلس يقول انقطع من انقطع عن الله بخصلتين واتصل من اتصل بالله بأربع خصال فأما من انقطع عن الله فإنه يتخطى إلى نافلة بتضييع فرض والثاني عمل بظاهر الجوارح لم يواطىء عليه صدق القلوب وأما الذي إتصل به المتصلون فبلزوم الباب والتشمير في الخدمة والصبر على المكاره وصيانات الكرامات .



( الشغل المنسي )


وسمعته يقول إن في النفس لشغلا عن الناس .



( حب لأخيك ما تحب لنفسك )


وعن محمد بن علي الحربي قال سمعت سريا يقول حمدت الله مرة وأنا أستغفر الله من ذلك الحمد منذ ثلاثين سنة قيل وكيف ذلك قال كان لي دكان وكان فيه متاع فوقع الحريق في سوقنا فقيل لي فخرجت أتعرف خبر دكاني فلقيت رجلا فقال أبشر فإن دكانك قد سلم فقلت الحمد لله ثم أفكرت فرأيتها خطيئة .



( حلّ أو ارتحل )


وعن الجنيد بن محمد قال دخلت على سري السقطي فسلمت وجلست فقال لي إقرب مني فقربت منه فأخذ بيدي وقال لي إعلم يا بني أن الشوق والأنس يرفرفان على القلب فإن وجدا هنالك الهيبة والإجلال حلا وإلا رحلا .



( كمال الإيمان في ثلاث )


وعن إبن مسروق قال سمعت سريا يقول ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل وإذا قدر لم يتناول ما ليس له .



( آداب الخلوة )


وعنه قال أخبرنا سري السقطي قال صليت ليلة ثم جلست ساعة ومددت رجلي فنوديت في سري يا سري من جالس الملوك ينبغي أن يحسن الأدب .


( أمان لأهل الأرض )


وعن حسن البزار قال كان أحمد بن حنبل ها هنا وكان بشر بن الحارث ها هنا وكنا نرجو أن يحفظنا الله بهما ثم ماتا وبقي سري فإني أرجو أن يحفظنا الله بسري .



( إياك والركون للنفس )


وعن القاسم بن عبد الله البزار قال سمعت سري بن المغلس يقول لو أن رجلا دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق الله تعالى من الأشجار عليها من جميع ما خلق الله تعالى من الأطيار فخاطبه كل طائر منها بلغته وقال السلام عليك يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك كانت في يدها أسيرا .



( فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً )


وسمعت أبي يقول لو أشفقت هذه النفوس على أديانها شفقتها على أولادها لاقت السرور في معادها .



( الأيام الثلاثة )


وعن إبن مسروق قال سمعت سريا يقول لأخوانه الدهر ثلاثة أيام يوم مضى بؤسه وشدته وغمه لم يبق منه شيء واليوم الذي أنت فيه صديق مودع لك طويل الغيبة عنك سريع الرحلة عنك وغدا في يديك تأميله ولعلك من غير أهله .وقال أمس أجل واليوم عمل وغدا أمل



( العبودية الحقة )


وقال الجنيد كنت نائما عند سري رحمه الله فأنبهني فقال لي يا جنيد رأيت كأني قد وقفت بين يدي الله تعالى فقال لي يا سري خلقت الخلق فكلهم إدعى محبتي وخلقت الدنيا فهرب مني تسعة أعشارهم وبقي معي العشر وخلقت الجنة فهرب مني تسعة أعشار العشر وبقي معي عشر العشر فسلطت عليهم ذرة من البلاء فهرب مني تسعة أعشار عشر العشر فقلت للباقين معي لا الدنيا أردتم ولا الجنة أخذتم ولا من النار هربتم فماذا تريدون قالوا إنك تعلم ما نريد فقلت لهم فإني مسلط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ما لا تقوم له الجبال الرواسي أتصبرون قالوا إذا كنت أنت المبتلي لنا فأفعل ما شئت فهؤلاء عبادي حقا .



( المحب السقيم )


وعنه قال كنت يوما عند السري بن مغلس وكنا خاليين وهو متزر بمئزر فنظرت إلى جسده كأنه جسد سقيم دنف مضنى كأجهد ما يكون فقال أنظر إلى جسدي هذا لو شئت أن أقول إن ما بي من المحبة لله تعالى لكان كما أقول وكان وجهه أصفر ثم أشرب حمرة حتى تورد ثم اعتل فدخلت عليه أعوده فقلت له كيف تجدك فقال


كيف أشكوا على طبيبي ما بي ... والذي بي أصابني من طبيبي


فأخذت المروحة أروحه فقال لي كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل ثم أنشأ يقول


القلب محترق والدمع مستبق ... والكرب مجتمع والصبر مفترق


كيف القرار على من لا قرار له ... مما جناه الهوى والشوق والقلق


يا رب إن كان شيء فيه لي فرج ... فأمنن علي به بي ما دام بي رمق





( الوصية الأخيرة )


وعنه قال دخلت على سري السقطي وهو في النزع فجلست عند رأسه فوضعت خدي على خده فدمعت عيناي فوقع دمعي على خده ففتح عينيه فقال لي من أنت قلت أنا خادمك الجنيد فقال مرحبا فقلت له أيها الشيخ أوصني بوصية أنتفع بها بعدك قال إياك ومصاحبة الأشرار وأن تنقطع عن الله بصحبة الأخيار .

أسند سري عن هشيم وأبي بكر بن عياش ويزيد بن هارون وغيرهم وصحب معروفا الكرخي

قال أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي توفى سري بن المغلس يوم الثلاثاء لست خلون من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين

وعن أبي عبيد بن حربويه قال حضرت جنازة سري السقطي فسررت فحدثنا رجل عن آخر أنه حضر جنازة سري السقطي فلما كان في بعض الليل رآه في النوم فقال له ما فعل الله بك قال غفر لي ولمن حضر جنازتي وصلى علي فقلت فإني ممن حضر جنازتك وصلى عليك قال فأخرج درجا فنظر فيه فلم ير لي فيه إسما فقلت بلى قد حضرت قال فنظر فإذا اسمي في الحاشية رحمه الله ورضي عنه .


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ




فهو أبو الحسن سري بن المغلس السقطي، أحد الأوتاد. كان أوحد زمانه في الورع وعلوم التوحيد، ملازماً بيته لا يخرج منه ولا يراه إلا من يقصده. وكان تلميذ معروف الكرخي. قيل: كان يوماً في دكانه، فجاء معروف ومعه صبي يتيم، فقال لي: "اكسه!". قال سري: فكسوته، ففرح به معروف، فقال: بغض الله إليك الدنيا، وأراحك مما أنت فيه!". قال: "فقمت من الدكان وليس شئ أبغض إلي من الدنيا وما فيها، وكل ما أنا فيه من بركاته". مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، علي الأصح. ودفن بالشونيزية.


أقواله

"ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان: من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا ضي لم يخرجه رضاه إلي الباطل؛ وإذا قدر لم يتناول ما ليس له "*الشكر ثلاثة أوجه: للسان، وللبدن، وللقلب. فالثالث أن يعلم أن النعم كلها من الله، الثاني ألا يستعمل جوارحه إلا في طاعته بعد أن عافاه الله، والأول دوام الحمد عليه * من أراد أن يسلم دينه، ويستريح قلبه وبدنه، ويقل غمه، فليعتزل الناس، لأن هذا زمان عزلة ووحدة

الأدب ترجمان العقل

من خاف اللهَ خافه كلُّ شيءٍ *من علامة الاستدراج للعبد عماه عن عيبه واطلاعه على عيوب الناس
إياكم ومجاورة الأغنياء وقراء الأسواق والأمراء، فإنهم يفسدون كل من جالسهم

سيرته

ومكث سري عشرين سنة، يطوف بالساحل، يطلب صادقاً، فدخل يوماً إلى مغارة، إذا زمني قعود وعميان ومجذمين، قال: فقلت: "ما تصنعون ها هنا!" قالوا: "ننتظر خصاً يخرج لينا فنعافى!". فقلت: "إن كان صادقاً فاليوم!". فقعدت فخرج كهل معليه درعة من شعر، فسلم وجلس، ثم مر يده علي عمي هذا فأبصر، وأمر يده علي مانة هذا فصح، وأمر يده علي جذام هذا فبرئ. ثم قام مولياً، فضربت بيدي اليه، فقال لي: سري!. خل عني، فانه غيور. لا يطلع علي سرك فيراك وقد سكنت إلي غيره، فتسقط من عينه".

وقال الجنيد: "ما رأيت أعبد من خالي!. أني عليه ثمان وسبعون سنة ما رؤى مضطجعاً إلا في علة الموت".

دخلت عليه، وهو في الترع، فجلست عند رأسه، ووضعت خدي علي خده، فدمعت عيناي، فوقع دمعي علي خده، ففتح عينيه، وقال لي: "من أنت" قلت: "خادمك الجنيد!" فقال: "مرحباً". فقلت: "أوصني بوصية أنتفع بها بعدك!" قال: "إياك مصاحبة الأشرار، وأن تنقطع عن الله بصحبة الأخيار


أصحابه

إبراهيم النصراباذي، وأحمد النوري و أبا أحمد القلانسي



ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ



شيخ صوفية العراق سيدي الامام السري السقطي

على بساط الانس والمشاهدة شرب العارفون من رحيق النور الازلي وارتووا من معين الوصل الالهي فهامت ارواحهم في سرادقات الجلال والجمال مستغرقة في عظمة المولى فانية في وجوده متنعمة بشهوده , انها ارواح مختصة بالعطاء وقلوب سجلت لهم العناية مراسيم الولاء , تلك منح وعطايا وهبها الله تعالى لاحبائه الاولياء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفور العظيم .

ومن خواص اهل الولاية والاصطفاء والعناية والاجتهاد الامام العارف والصوفي الشامخ سيدي ابو الحسن السري بن المغلس السقطي , احد ائمة الصوفية العظام الذين تفجرت عيون مواردهم في المعارف الالهية وفاضت مناهل عرفانهم بالنفحات القدسية .

وناهيك بمن هو شيخ الامام الجنيد سيد الطائفة الصوفية فهو خاله واستاذه وهو امام التصوف بالعراق في عصره وهو كما قال الامام القشيري في رسالته : ( اوحد زمانه في الورع واحوال السنة وعلوم التوحيد ) .

ويقول عنه ابو عبد الرحمن السلمي في طبقاته : ( وهو اول من تكلم ببغداد في لسان التوحيد وحقائق الاحوال وهو امام البغداديين وشيخهم في وقته ) .

فالامام السري اذا يعد رائد عصره في كشف حقائق التصوف وعلومه . ثم هو امام زمانه في احوال القوم واخلاقهم ومناهجهم السلوكية التي ترتقي بالعبد الى قمة الوصول .

والعارف ابو الحسن السري بغدادي المولد كما انه بغدادي الوفاة ,, اذ توفى في سنة احدى وخمسين ومائتين هجرية , مقامه بالشونزية ظاهر يزار وتلتمس منه البركات .

وقد من الله تعالى علي بزيارة ضريحه في بغداد سنة 1411 هـ سنة 1990 م حيث كنت عضوا بالمؤتمر الاسلامي ضمن وفد المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية .

وقد تلقى القطب السري طريقته عن قطب عصره الامام العارف سيدي معروف الكرخي الذي يعد شيخ التصوف بالعراق في زمنه والذي تلقى بدوره الطريق عن سليل البيت النبوي سيدي علي بن موسى الرضا وقد استمد الامام السري المدد الصوفي من سيدي معروف ليسرى اليه نور هذه السلسلة المنتهية الى بيت النبوة ثم منه الى الامام ابي القاسم الجنيد الملقب بسيد الطائفة الصوفية .

وعن قصة البداية في الطريق الصوفي الامام السري مع شيخه سيدي معروف : يروي الامام القشيري بسنده عن ابي العباس بن مسروق يقول : ( بلغني ان السري السقطي كان يتجر في السوق – وهو من اصحاب معروف المكرخي – فجاءه معروف يوما ومعه صبي يتيم فقال :اكس هذا اليتيم .

قال سري : فكسوته.

ففرح به معروف وقال : ( بغض الله اليك الدنيا واراحك مما انت فيه) , فقمت من الحانوت وليس شيء ابغض الي من الدنيا وكل ما انا فيه من بركات معروف .

وعلى اثر هذا الحادث واستجابة لدعوة سيدي معروف توجه الامام السري الى الله وترك تجارة الدنيا ليشرع في تجارة الاخرة , بل ليستقبل عهده مع الله في محراب العبادة والعبودية يعبده تقربا اليه لا طمعا في ثوابه ولا خوفا من عذابه كما هو الشأن في عبادة الاحرار .

ولقد سلك الامام السري طريق القوم على تعطش للعبادة والمعرفة فاقبل على الطاعات بروح تواقة شغوفة بالتحرر من الانية والغيرية . دؤوبة على الخدمة والعكوف بباب المولى حتى يؤذن لها بالدخول .

واخبار عبادات الامام السري تثير العجب وتفوق الخيال : يقول الامام الجنيد : ( ما رأيت أعبد من السري , أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رئي مضطجعا الا في علة الموت ) .

اي طراز هذا من الرجال ؟؟ انه الطراز الملائكي الذي يقتات من العبادات ويتنفس بالطاعات كما قال تعالى في حق الملائكة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ

وهذا هو دأب العارف السري , وقد كان يوصي به اصحابه ومريديه , ولقد سمعه الامام الجنيد يقول : ( اني اعرف طريقا يؤدي الى الجنة قصدا فقيل له ما هو يا أبا الحسن ؟

فقال : ( ان تشتغل بالعبادة وتقبل عليها حتى لا يكون لك فيها فضل ) .

لقد فسر هو بنفسه معنى قوله : ( حتى لا يكون لك فيها فضل ) عمليا وذلك بعبادته المتصلة ثمانية وتسعين عاما امضاها بين صيام وقيام وذكر وفكر حتى لقد كان يقول : ( اذا فاتني جزء من وردي لا يمكن ان اقضيه ابدا ) .
وعلل ذلك الامام الجنيد قائلا : ( لان السري كان متصل التنفل ) .

وكان يقول ( من قام بين يدي الله في الظلام نشرت له يوم القيامة الاعلام ) .

ولقد كان المنهج السلوكي عند العارف السري ذا جوانب متعددة عميقة الغور والابعاد . وكانت تلك الجوانب في مجموعها تمثل حلقات متصلة بحيث تفضي هذه الجوانب في النهاية الى بلوغ قمة النضج الروحي حيث تحلق الروح في سماء المعرفة والولاية .

ففي مجال النفس مثلا : تطالعنا عند الامام السري صفحات مضيئة يكاد سنا برقها يذهب بالابصار . يقول : ( ان نفسي تطالبني منذ ثلاثين سنة او اربعين سنة ان اغمس جزرة في دبس – اي عسل التمر وعسل النحل – فما أطعتها ) .
انها مجاهدة النفس في شهوة حلال من اجل قطع ماربها لكي يصفو الجو للروح فتنطلق الى معاريج الوصول .
ولقد دخل عليه الامام الجنيد يوما فقال له : يا جنيد عصفور يجيء كل يوم أفت له الخبز في يدي فياكله فنزل الساعة ولم يسقط على يدي فتذكرت اني اكلت ملحا بابراز فآليت الا اكله بعدها فعاد كما كان ) .

ولطالما تحرى الامام السري الحلال مع شدة الورع حتى تحمل في ورعه الكثير والكثير وكان يقول دائما : ( آه على لقمة ليس لله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة ) !!

ومن تلك الوقائع التي تجلي فيها ورع سيدي السري ما رواه الامام الشعراني في طبقاته اذ قال : وقال علي بن الحسين بعثني ابي للسري بشيء من حب السعال لسعال كان به . فقال لي : كم ثمنه ؟ فقلت له : لم يخبرني بشيء . فقال اقرأ عليه السلام وقل له : نحن نعلم الناس منذ خمسين سنة ان لا يأكلوا باديانهم افتراني اليوم آكل بديني ؟؟؟ ولم يأخذ منه شيئا !!! .

ويؤكد صاحب الحلية هذا المرتقى السامي عند الشيخ السري قائلا ( وسمعت ابا علي الحسن البزاز يقول سألت ابا عبد الله احمد بن حنبل عن السري بعد قدومه من الثغر فقال : أليس الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء ؟ قلت بلى قال هو على سيره عندنا قبل ان يخرج .

ثم يقول ابو نعيم : وقد كان السري يعرف بطيب الغذاء وتصفية القوة وشدة الورع حتى انتشر ذلك عنه , وبلغ ابا عبد الله احمد بن حنبل فقال : (الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء ) .

وقد كان منهج السري في الورع منطويا على جواهر الحكم السلوكية الصوفية فها هو ذا يقول : ( لا يقوى على الشهوات الا من ترك الشبهات ) .

ويؤيده ما ورد في الحديث الشريف , فمن اتقى الشبهات فقد تبرأ لدينه وعرضه , وأيضا فقد كان العارف السري يقول : ( تصفية العمل من الافات اشد من العمل ) .

ثم الى جانب الزهد والورع فقد كانت المراقبة في اعلى درجاتها متمثلة في سلوك الامام السري . والمراقبة هي احدى مرتبتي الاحسان الوارد معناه في الحديث الشريف إذ قال سيد الوجود : الاحسان ان تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك , فالشق الاول للمشاهدة والثاني المراقبة , والمراقبة عند العارفين لها درجات ومنازل , ولقد تربع سيدي السري في قمة المراقبة والحضور , يقول : ( صليت وردي ليلة فمددت رجلي في المحراب فنوديت , يا سري كذا تجالس الملوك قال : فضممت رجلي ثم قلت : وعزتك لا مددت رجلي أبدا ) !!

انه نداء المراقبة من قبل الحضرة العلية للعارف السري ولقد عرف نفس النداء مع سيدي ابي يزيد البسطامي وسيدي ابراهيم بن ادهم .

ومع المراقبة هناك التوكل والرضا , ولكل مفهومه عند العارف السري , فهو يعرف التوكل بانه : ( الانخلاع من الحول والقوة ) .

ثم يقول عن الرضا والورع والعبادة والشكر ( رأس الاعمال الرضا عن الله وعمود الدين الورع , ومخ العبادة الجوع , وضبط اللسان حصن حصين , ومن شكر الله جرى في ميدان الزيادة ) .

ويرى الامام السري السقطي ان التجرد لله تعالى هو أقرب ما يوصل الى الحضرة الالهية , فلقد سئل يوما , كيف الطريق الى الله ؟
فقال : ( ان اردت العبادة فعليك بالصيام والقيام , وان اردته فاترك كل ما سواه تصل اليه ) .

اي ان هناك طريقين موصلين الا ان اقربهما للوصل هو ترك السوى , ولقد ترك الامام السري كل ما سوى الله فوصل الى الله , وصل اليه على جناحي المحبة والشوق , وللمحبة عند العارف السري مقام لا يرام بالكلام ولا يسطر بالاقلام يقول الامام الجنيد ( سألني السري يوما عن المحبة فقلت : قال قوم هي الموافقة , وقال قوم الايثار , وقال قوم : كذا فاخذ السري جلدة ذراعه ومدها فلم تمتد , ثم قال : وعزته لو قلت ان هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت . ثم غشي عليه فصار وجهه كأنه قمر مشرق وكان السري به أدمة _ اي سمرة ) .

ومصداق لمنطق هذه الواقعة فلقد رفع السري الى الامام الجنيد يوما رقعة وقال له : انظر ما فيها فاذا فيها :

اذا ما شكوت الحب قال كذبتني
فما لي ارى الاعضاء منك كواسيا
فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشا
وتذبل حتى لا تجيب المناديا

ولقد جاء رجل وقال يوما للعارف السري : كيف أنت ؟

اجابه قائلا :

من لم يبت والحب حشو فؤاده
لم يدر كيف تفتت الاكباد

انها محبة العبد لسيده ومولاه , هي القوت والغذاء , وهي الخمر وهي الكأس وهي النعيم وهي السرور فأعجب لنعيم يفتتت الاكباد ويذيب المهج ويلصق الجلد بالحشا ويقطع المحب عن كل شيء سوى محبوبه .

ولقد ارتفع سيدي السري بمحبته الى درجة العشق , حتى انه مرض يوما ولم ير عليه تغير . فأخذ الامام الجنيد بوله فذهب الى طبيب نصراني فتأمله وقال : هذا بول عاشق !! فصعق الامام الجنيد وأغمى عليه ثم أخبر شيخه السري فقال : قاتله الله ما أخبره ! ما كنت أظن ان الحب يظهر في هذا !!! .

وما من شك في ان غاية المحب ومناه في الوصال .

ومن ثم فالحجاب عن المحبوب هو أشد ما يعانيه المحب من العذاب , لذلك كان الامام السري يتضرع الى ربه ويناجيه قائلا : ( اللهم مهما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب ) .

ان الاولياء ينشدون الوصال دائما فهو مطلبهم الاسمى ومع الوصال يكون الانس والرضا والهيبة والجلال , وكلها مقامات لها ِشأنها عند أهلها , وقصارى ما يمكن ان نصل اليه هو المدلول النظري عن طريق التعرف والبحث . اما الادراك الصوفي العملي فهو وقف على اهله الذين اصطفاهم ربهم واجتباهم , وقد أوجد البون الشاسع بين النظر والتطبيق عقبة منيعة في التصديق , ولكن لا يسعنا الا نشدان الحقيقة والتعرف عليها من اي الوجوه والزوايا .

وفي مقام الانس والهيبة يقول الامام السري : ( يبلغ العبد من الهيبة والانس الى حد لو ضرب وجهه بالسيف لا يشعر ) .
ويعلق الامام الجنيد على كلام شيخه قائلا : ( وكان في قلبي منه شيء حتى بان لي الامر كذلك , وذلك لان الهيبة والانس حالتان فوق القبض والبسط ) .

والقبض و البسط , فوق الخوف والرجاء , فالهيبة مقتضاها الغيبة والدهشة فكل هائب غائب حتى لو قطع قطعا لم يحضر من غيبته الا بزوال الهيبة عنه .

والانس مقتضاه الصحو والافاقة , ثم انهم يتفاوتون في الهيبة والانس , وقيل ادنى مرتبة في الانس انه لو القي في النار ما تكدر انسه , الا ترى الى قول السري : ( يبلغ العبد من الهيبة والانس الى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر ) ولذلك لان الانس يتولد من السرور بالله , ومن صح انسه بالله استوحش مما سواه .

فمهذه مقامات العارفين السابحين في بحار القرب الفائزين برضا الرب الناعمين بالولاية الربانية والمجتبين للمعرفة الالهية , وللمعرفة علامات ابان عنها العارف السري اذ قال : ( من علامة معرفة الله القيام بحقوق الله وايثاره على النفس فيما امكنت فيه القدرة ) .

والايثار بصفة عامة خلق من اخلاق الكمل من الرجال , وقد نال الامام السري منه الغاية القصوى وهي الفتوة في الطريق , وحمل اثقال المسلمين وتقديم مصلحتهم على الجانب الشخصي , فلقد اثر عن سيدي السري انه كان يقول : ( وددت ان احزان الخلق كلهم علي ) .

انه يريد ان يتحمل وحده عناء و احزان الخلائق شفقة منه عليهم وايثارا لهم على نفسه وذلك هو عين المشرب المحمدي وأنعم به من مشرب .

ومن النماذج التطبيقية لخلق الفتوة عند الشيخ السري ما ذكره الامام القشيري في رسالته قائلا : ويحكي السري انه قال : ( منذ ثلاثين سنة انا في الاستغفار من قولي ( الحمد لله ) مرة , قيل وكيف ؟

فقال : وقع ببغداد حريق فاستقبلني رجل فقال : نجا حانوتك , فقلت الحمد لله فمنذ ثلاثين سنة انا نادم على ما قلت حيث اردت لنفسي خيرا مما حصل للمسلمين ).

لله درك ايها العارف هذه هي اخلاق المسلم التي ارتفع بها صرحه وساد العالمين , وبها تتحقق ذاتية المسلم الكامل الوارث لاخلاق النبوة . ان هذا السمو الاخلاقي هو وليد التربية الصوفية التي تنزع من العبد نفسه الامارة بالسوء وتمحو منه انانيته لكي يصفو ويسمو حيث يحلق في اجواء الحب النقي الطاهر لله الواحد الاحد , ولقد وضع اقطاب الصوفية في مناهجهم السلوكية اكمل المبادئ والاسس الاخلاقية التي ترتقي بالعبد الى مصاف الابرار المقربين .

يقول الامام السري : ( ثلاث من اخلاق الابرار : القيام بالفرائض واجتناب المحارم , وترك الغفلة , وثلاث من اخلاق الابرار يبلغن بالعبد رضوان الله : كثرة الاستغفار , وخفض الجناح , وكثرة الصفات , وثلاث من ابواب سخط الله : اللعب , والمزاح , والغيبة , والعاشر من هذه الثلاث : عمود الدين وذروة سنامه : حسن الظن بالله )

انها مدارج الكمال ومعاريج الاتصال يصفها العارف سيدي الامام السري كما يحدثنا عن عقبات الوصول ووسائل الاتصال بالله تعالى قائلا : ( انقطع من انقطع عن الله بخصلتين واتصل من اتصل باربع خصال . فأما من انقطع عن الله بخصلتين : فيتخطى الى نافلة بتضييع فرض . والثاني عمل بظاهر الجوارح لم يواطئ عليه صدق القلوب , واما الذي اتصل به المتصلون : فلزوم الباب والتشمير في الخدمة , والصبر على المكاره , وصيانة الكرامات ) .

ولمعنى الصبر تحليل جميل عند العارف السري , اذ يقول : ( معنى الصبر ان تكون مثل الارض تحمل الجبال وبني ادم وكل ما عليها لا تأبى ذلك . كذلك الصابر يحتمل كل ما كرهته النفوس لا يأبى ذلك ولا يسميه بلاء بل يسميه نعمة وموهبة من الله سبحانه وتعالى) .

ثم لقد تعرض العارف السري لبيان اخلاق الصديقين . فقد قال الامام الجنيد : ( دخلت يوما فقال لي : ما اوائل احوال الصديقين؟
قلت : لا ادري .

قال ثلاثة : ان يكونوا بما في ايديهم مع اخوانهم سواء , ويطالبوا نفوسهم بما للناس عليهم , واذا عرض امران لله فيهما رضا حملوا انفسهم على اصعبهما وأشدهما وان كان فيه تلف نفوسهم ) ويعقد الامام السري مقارنة صوفية بين الابرار والمقربين قائلا ( قلوب المقربين معلقة بالسوابق , ماذا سبق من الله لنا ) .

واما عن اخلاق الابدال من الاولياء فيقول : ( اربع من اخلاق الابدال : استقصاء الورع , وتصحيح الارادة ,وسلامة الصدر للخلق , والنصح لهم ) .

تلك اشارات ولطائف رقيقة نورانية اتصف بها قوم في الذروة العليا من الصفاء والطهر والنقاء , وتكلم بها امام في المعرفة تفجرت في قلبه ينابيع الحكمة فتحدث عن موارد القلوب . يقول الامام الجنيد : ( بعثني السري يوما في حاجة فابطأت عليه , فلما جئت قال لي: ( اذا بعث بك رجل يتكلم في موارد القلوب في حاجة فلا تبطئ عليه . فانك تشغل قلبه ) انه امام فذ في عصره فريد من طرازه وقد كانت نظرة عصره اليه نظرة المأموم للامام . فلقد روى صاحب الحلية ان الامام الجنيد سمع الحسن البزاز يقول ( كان احمد بن حنبل ها هنا وكان بشر بن الحارث ها هنا وكنا نرجو ان يحفظنا الله بهما . ثم انهما ماتا وبقي السري وأني ارجو ان يحفظنا الله بالسري ) .

ولقد كان للامام السري مع الامام احمد بن حنبل – في حياته – شأن جليل في أمور الحقائق , ومن ذلك ما ذكره الامام الغزالي قائلا : ( وأرسل السري الى احمد بن حنبل شيئا فرده .

فقال له : احذر آفة الرد فانها اشد من آفة الاخذ .

فقال : أعد علي ما قلت , فأعاده .

, فقال : ما رددت الا لان عندي قوت .
فأحبسه عندك وأرسله بعد شهر ) .

لقد تلاقى علم الشريعة وعلم الحقيقة في اعلى قمتين شامختين في العصر كله , واتفقت الكلمتان وتوحدتا وما كان لهما ان تختلفا او تتفرقا ابدا برغم ما يقوله اهل الزور من اعداء الصوفية الذين عميت بصائرهم عن رؤية الحقيقة , ولقد أوضح الامام السري الحقيقة بجلاء في قوله : ( من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكيم فهو غالط ) ولنعم ما قاله اهل الله تعالى : ( الشريعة ان تعبده ,والطريقة ان تقصده ,والحقيقة ان تشهده ) ولكن ما ذنب الشمس في ان يحجب عنها أعمى او لا يحس بها فاقد لجوهر الحياة ؟؟ فليبك المحجوبين على انفسهم بدلا من ان يصبوا احقادهم على المتنعمين بشهود الجمال القدسي , فالذين رفعت لهم اعلام الولاية لن يضيرهم عداء اهل الظلمة والغواية .

ولننتقل الى جانب الكرامات عند قطب الاقطاب العارف المعرف سيدي السري السقطي : ( ولن نضع في حسباننا الذين ينكرون على الاولياء كراماتهم برغم ورودها في صحيح الكتاب والسنة : - يروي صاحب الحلية بسنده عن علي ابن عبد الحميد الغضائري يقول : ( سمعت سريا السقطي ودققت عليه الباب , فقام الى عضادتي الباب فسمعته يقول : ( اللهم اشغل من شغلني عنك بك ) فكان من بركة دعائه ان حججت اربعين سنة من حلب على رجلي ماشيا ذاهبا وجائيا ) ومما ذكره الامام النبهاني في جامع الكرامات : قال : ( وحكى ان السري السقطي لما ترك التجارة كانت أخته تنفق عليه من ثمن غزلها . فأبطأت يوما فقال لها السري : لم أبطأت ؟

فقالت : لأن غزلي لم يشتر , وذكروا انه مخلط .

فامتنع السري عن طعامها . ثم ان اخته دخلت عليه يوما فرأت عجوزا تكنس بيته وتحمل كل يوم اليه رغيفين فحزنت أخته وشكت الى احمد بن حنبل , فقال احمد بن حنبل للسري فيها فقال : ( لما امتنعت عن اكل طعامها قيض الله لي الدنيا لتنفق علي وتخدمني ) . وقال احمد بن خلف : دخلت يوما على السري فرأيت في غرفته كوزا جديدا مكسورا .

فقال : اردت ماء باردا في كوز جديد فوضعته على هذا الرواق ونمت , فرأيت في منامي جارية مدنية فقالت : يا سري : من يخطب مثلي يبرد الماء , ثم رمته برجلها فاستيقظت من نومي فاذا هو مطروح مكسور ) .

قال الجنيد : فرأيت الخزف المكسور لم يمسسه ولم يرفعه حتى عفى عليه التراب وعلمت ان مخالفة النفس وقمع الشهوات واللذات من دواعي الوصول وشواهد المشاهد ) .

ولقد فلسف العارف السري نظرته للكرامات بقوله : ( من أطاع من فوقه أطاعه من دونه ) كما فلسف من قبل نظرته للمحبة الالهية إذ قال : ( لا تكمل محبة بين اثنين حتى يقول كل للاخر يا أنا ) .

والصوفية لا يعرفون المحبة الا لله او في الله لان قلوبهم ممحضة لله . انهم عباد الهيون ربانيون . اجتمعت قلوبهم في محراب الخصوصية والاصطفاء لتنال من الله وافر العطاء .

وبعد : فقد أمضينا هذه الرحلة النورانية مع قطب من اقطاب الصوفية الامجاد وامام من ائمة الولاية الافراد سيدي الامام العارف السري السقطي شيخ الامام الجنيد وامام التصوف في عصره . وقد اقتبسنا منه هذه النفحات المباركات زادا لارواحنا ونورا لقلوبنا علنا نقتفي الاثر ونسير على الدرب ونسلك السبيل .

رضي الله عنك يا مولانا السري وأمدنا منك بالمدد الاعلى وشرفنا معك بالصحبة المباركة ( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .


--------------------------------------------------------------------------------
المصدر : من كتاب بحار الولاية المحمدية في مناقب اعلام الصوفية للاستاذ الدكتور جودة محمد ابو اليزيد المهدي . ص 263-275.



ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ



وفاة السري السقطي الزاهد:

وفي اليوم السادس من رمضان سنة 253 للهجرة توفي الرجل الذي وصفه أبو نعيم في (حلية الأولياء 10/116): بأنه العلَمَ المنشور والحكَمَ المذكور، شديد الهَوْي حميد السعي، ذو القلب النقي والورع الخفي، عن نفسه راحل ولحكم ربه نازل: أبو الحسن السَرِي بن المغلس السقطي خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه، صحب معروفاً الكرخي، وحدث عن هشيم وأبي بكر بن عياش ويزيد بن هارون وكان من أكابر العباد ، شهد له الجنيد فقال:

ـ ما رأيت أعبد من السري السقطي. أتت عليه ثمانية وتسعون سنة ما رؤي مضطجعاً إلا في الموت...

نقل عنه إسماعيل بن عبد الله الشامي قال: قال السري السقطي: خمس من كن فيه فهو شجاع بطل: استقامة على أمر الله ليس فيها روغان, واجتهاد ليس معه سهو, وتيقظ ليس معه غفلة, ومراقبة لله في السر والجهر ليس معه رياء، ومراقبة الموت بالتأهب.

وقال كذلك: للخائف عشر مقامات: الحزن اللازم ، والهم الغالب ، والخشية المقلقة ، وكثرة البكاء ، والتضرع في الليل والنهار، والهرب من مواطن الراحة, وكثرة الوله ، وَوَجَل القلب ، وتنغص العيش ، ومراقبة الكمد.

ونقل عنه ابنه قال: سمعت أبي يقول: لو أشفقت هذه النفوس على أبدانها شفقتها على أولادها للاقت السرور في معادها.

وروى ابن الجوزي في (المنتظم في أخبار الملوك والأمم 12/67) عن الجنيد قال :

ـ اعتل السري السقطي فدخلت عليه فقلت كيف تجدك ؟

قال : كيف أشكو إلى طبيبي ما بي، والذي أصابني من طبيبي . فأخذت المروحة أروحه فقال : كيف يجد ريح المروحة من جوفه يحترق من داخل ؟؟

ثم أنشأ يقول:

القلـب محترق والدمـع مستبق والكرب مجتمِع والصبر مفترِقُ

كيف القرار على من لا قرار له مما جناه الهوى والشوق والقلقُ

يا رُّب إن كان شيءٌ فيه لي فرج فامننْ عليّ بـه ما دام لي رمقُ

كان السري السقطي شديد الورع لا يتعامل مع من يتعدى حدود الله .

عن حسن المسوحي قال: دفع إلي السري قطعة من المال فقال : اشتر لي باقلاء ، ولا تشترِ إلا من رجل قِدْره داخل الباب (أي لا يضع متاعه في الشارع الذي هو ليس مملوكاً له)

قال : فطفت الكرخ كله، فلم أجد إلا من قدره خارج الباب .

فرجعت إليه وقلت له:

ـ خذ فإني لا أجد إلا من قدره خارج الباب.

وهكذا حرم نفسه مما فيه شبهة . يقول:

ـ إني أحب أن آكل أكلةً ليس لله علي فيها تبعة، ولا لمخلوق فيها منّهٌ ، فما أجد إلى ذلك سبيلاً.

وذكر ابن الجوزي في (صفوة الصفوة 2/385) عن الجنيد قال :

ـ دخلت على سري السقطي وهو في النزع ، فجلست عند رأسه ، فوضعت خدي على خده ، ودمعت عيني عليه، ففتح عينه فقال لي:

من أنت؟ قلت:

ـ أنا خادمك الجنيد..

فقال : مرحباً

فقلت : أيها الشيخ أوصني بوصية انتفع بها بعدك

قال: إياك ومصاحبة الأشرار! وإياك أن تنقطع عن الله بصحبة الأخيار!..

ونقل عنه قوله:

ـ لولا الجمعة والجماعة لسددت على نفسي الباب ولم أخرج. توفي السري السقطي يوم السادس من رمضان سنة 253هـ رحمه وأحسن مثوبته.
من مواضيع : ahmed1981 0 الأمويون و الاستبداد
0 الأحقاف و الجغرافيا
0 تهويد أسماء المعالم الفلسطينية

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 21-03-2008, 01:15 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى متألق
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

سابع و عشرون: الحارث المحاسبى

أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي وكتابه التوهم
د.عبد الكريم اليافي


ولد نحو عام 165هـ/ 781م بالبصرة. اسم أبيه أسد وكنية الأسد أبو الحارث. فربما سمى ابنه الحارث توكيداً لهذه الكنية. ولقد جاء الفتى باكراً إلى بغداد حيث توفي بعد حياة حافلة بالعلم والتقوى عام 243هـ/ 857م. وهو من كبار الصوفية وأوائل علماء الكلام وأعلام الوعاظ البلغاء.


وأبرز ما في سيرة حياته وعظه وتعليمه وكتبه الكثيرة التي تزيد على المئة والتي يتجلى فيها احترامه العميق للسنة، وتشدده الخلقي، وبيانه الذي يعتمد على الترغيب والترهيب وعلى التنديد بنوازع الهوى ونزوات النفس، ودقته في التحليلات النفسية والتعريفات الفلسفية.


عقد له الحافظ أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة 430هـ/ 1039م في كتابه "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" ترجمة ذكر فيها أحاديث رواها وأقوالاً له ومواعظ مؤثرة واستهلّها بهذه الفقرات:


"كان لألوان الحق مشاهداً ومراقباً ولآثار الرسول عليه السلام مساعداً ومصاحباً. تصانيفه مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله مصححة مذكورة. كان في علم الأصول راسخاً، وراجحاً، وعن الخوض في الفضول جافياً وجانحاً، وللمخالفين الزائغين قامعاً وناطحاً، وللمريدين والمنيبين قابلاً وناصـــحاً"(1).


وترجم له الحافظ أبو بكر بن علي الخطيب البغدادي المتوفى عام 463هـ 1071م في كتابه "تاريخ بغداد"، فعده "أحد من اجتمع له الزهد والمعرفة بعلم الظاهر والباطن"(2).


ويورد الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري المتوفى عام 465هـ 1073م في "الرسالة" عند ترجمته المحاسبي قول أبي عبد الله بن خفيف للمتصوفة: "اقتدوا بخمسة من شيوخنا والباقون سلموا لهم حالهم: الحارث بن أسد المحاسبي والجنيد بن محمد وأبو محمد رويم وأبو العباس بن عطاء وعمرو بن عثمان المكي لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق"(3).


ومن الذين ترجموا له تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب السبكي 727/1327-771/1369 في كتابه طبقات الشافعية. ونحن نورد شيئاً من ترجمته له بياناً لأسلوب من التدقيق كان الأعلام القدماء يتبعونه: "يقال إنما سُمِّي المحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه. قال ابن الصلاح ذكره الأستاذ أبو منصور في الطبقة الأولى فيمن صحب الشافعي. وقال كان إمام المسلمين في الفقه والتصوف والحديث والكلام. وكتبه في هذه العلوم أصول من يصنف فيها. وإليه ينسب أكثر متكلمي الصفاتية. ثم قال لو لم يكن في أصحاب الشافعي في الفقه والكلام والأصول والقياس والزهد والورع والمعرفة إلا الحارث المحاسبي لكان مُغبِّراً في وجوه مخالفيه والحمد لله على ذلك. قال ابن الصلاح: صحبته للشافعي لم أر أحداً ذكرها سواه، وليس أبو منصور من أهل هذا الفن فيعتمد فيما تفرد به، والقرائن شاهدة بانتفائها. قلت إن كان أبو منصور صرح بأنه صحب الشافعي فالاعتراض عليه لائح، وإلا فقد يكون أراد بالطبقة الأولى من عاصر الشافعي وكان في طبقة الآخذين عنه. وقد ذكره في الطبقة الأولى أيضاً أبو عاصم العبادي وقال كان ممن عاصر الشافعي واختار مذهبه، ولم يقل كان ممن صحــبه. فــلعل هذا القدر مراد أبي منــصور"(4).


أشرنا آنفاً إلى تعريفاته الفلسفية وتحليلاته النفسية. وقد أورد السبكي فيما أورده قوله: "حسن الخلق احتمال الأذى، وقلة الغضب، وبسط الرحمة وطيب الكلام. ولكل شيء جوهر وجوهر الإنسان العقل وجوهر العقل الصبر. والعمل بحركات القلوب في مطالعات الغيوب أشرف من العمل بحركات الجـوارح"(5).


ويعرض صاحب طبقات الشافعية بعض تعليقات القدماء على تعريف المحاسبي للعقل.


"قال إمام الحرمين في "البرهان" عند الكلام في تعريف العقل: "وما حوّم عليه أحد من علمائنا غير الحارث المحاسبي فإنه قال: العقل غريزة يُتأتى بها درك العلوم وليست منها. وقد ارتضى الإمام كلام الحارث هذا كما ترى وقال عقيبه: إنه صفة إذا ثبتت يُتأتى بها التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضروريات التي هي من مستند النظريات. وهو منه (أي من إمام الحرمين) بناءً على أن العقل ليس بعلم والمعزو إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه العلم. وقال القاضي أبو بكر (الباقلاني): إنه بعض العلوم الضرورية. والإمام حكى في "الشامل" مقالة الحارث هذه التي استحسنها وقال: إنّا لا نرضاها ونتهم فيها النقلة عنه. ثم قال: ولو صح النقل عنه فمعناه أن العقل ليس بمعرفة الله تعالى وهو إذا أطلق المعرفة أراد بها معرفة الله. فكأنه قال: ليس العقل بنفسه بمعرفة الله ولكنه غريزة. وعنى بالغريزة أنه عالم لأمر جبل الله عليه العاقل ويتوصل به إلى معرفة الله. انتهى كلامه في "الشامل". والمنقول عن الحارث ثابت عنه. وقد نص عليه في كتاب "الرعاية". وكان إمام الحرمين نظر كلام الحارث بعد ذلك. ثم لاحت له صحته بعدما كان لا يرضاه. واعلم أنه ليس في ارتضاء مذهب الحارث واعتقاده ما ينتقد، ولا يلزمه قول بالطبائع ولا شيء من مقالات الفلاسفة كما ظنه بعض شراح كتاب "البرهان". وقد قررنا هذا في غير هذا الموضع. وقول إمام الحرمين إنه أراد معرفة الله ممنوع فقد قدمنا عن الحارث بالإسناد قوله إنه نور الغريزة يقوى ويزيد بالتقوى. نعم الحارث لا يريد بكونه نوراً ما تدعيه الفلاسفة"(6). وتظهر هذه المناقشة حرص علماء المسلمين على صفاء العقيدة.


كان السلف (رضوان الله عليهم) حين يكتبون يَزِنُون الكلمات في ميزان الدلالة بدقة ويمحصونها تمحيصاً. ورد في مستهل بحثنا قول أبي نعيم في المحاسبي: "كان في علم الأصول راسخاً وراجحاً وللمخالفين الزائغين قامعاً". والحق أن الحارث كان رائداً في علم الأصول الذي يراد به هنا علم التوحيد أو علم الكلام. ولا بد في بيان ريادته هذه أن نعتمد على مؤلف مشهور في تأريخ النحل وهو الإمام أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت 548/1153). فقد عقد في كتابه "الملل والنحل" فقرة ضافية وذات دلالة عن نشوء "الصفاتية" نورد نصها فيما يأتي لأهميتها في هذا المضمار.


"اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً، وكذلك يثبتون صفات جبرية. ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون سمي السلف صفاتية والمعتزلة معطلة. فبلغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بالمحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر. فافترقوا فرقتين، منهم من أوّلها على وجه يحتمل اللفظ ذلك، ومنهم من توقف في التأويل وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى: ]الرحمن على العرش استوى[(7)، ومثل قوله: ]خلقتُ بيديَّ[(8)، ومثل قوله: ]وجاء ربك[(9) إلى غير ذلك. ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها. بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقيناً. ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا: لا بد من إجرائها على ظاهرها والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر، فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف.


... أما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا استهدفوا للتشبيه فمنهم مالك بن أنس(10) إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومثل أحمد بن حنبل(11) وسفيان(12) وداود الأصفهاني(13) ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي(14) وأبي العباس القلانسي(15) والحارث بن أسد المحاسبي. وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية. وصنف بعضهم ودرّس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري(16) وبين أستاذه (أبي علي الجبائي)(17) مناظرة في مسألة الصلاح والأصلح فتخاصما وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بحجج كلامية، وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية. ولما كانت المشبّهة(18) والكرامية(19) من مثبتي الصفات عددناهم فرقتين من جملة الصفاتية"(20).


أما قمعه للمخالفين الزائغين في كلام أبي نعيم فإنما يراد به رده على المعتزلة حين عطلوا الصفات واتفقوا على نفي رؤية الله بالأبصار في دار القرار. ومن الضروري أن نوضح معنى تعطيل الصفات، وقضية الرؤية.


ذلك أن علماء الكلام من الأشاعرة ذهبوا إلى أن صفات الله على أربعة أنواع: الأول صفة نفسية وهي الوجود. والثاني صفات سلبية وهي خمس: القدم، والبقاء، ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه تعالى بنفسه، والوحدانية. والثالث صفات معان وهي القدرة والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. والرابع صفات معنوية وهي سبع كونه قادراً، ومريداً، وعالماً، وحياً، وسميعاً، وبصيراً، ومتكلماً.


أما الصفة النفسية فهي عند الأشعري عين الموصوف. فالوجود عين الموجود عنده. وهي عند غيره غير الذات. فالوجود عندهم غير الموجود. وأما الصفات السلبية الخمس فهي غير الذات بمعنى أنها غير قائمة بالذات. فالقدم مثلاً يسلب عنه الحدوث وهكذا بقية هذه الصفات. أي أنها أمور عدمية. وأما صفات الأفعال مثل الإحياء والإماتة والرزق والعون وأشباهها فهي غير الذات أيضاً بمعنى أنها منفكة عنها من قِبَل أنها عند التحقيق تعلقات القدرة التنجيزية الحادثة. وأما الصفات المعنوية فلا خلاف فيها ويثبتها المعتزلة وهي أنه قادر بذاته ومريد بذاته وعالم بذاته وهكذا ولكنهم نفوا عنه صفات المعاني أي الصفات التي هي معان أي ليست هناك صفة تسمى العلم ولا صفة تسمى الإرادة ولا صفة تسمى القدرة... وذلك لأن الصفة غير الموصوف ولو أثبتنا له سبحانه وتعالى صفات غير ذاته لم يكن بد من أمرين فإما أن تكون هذه الصفات حادثة وإما أن تكون قديمة. فإن كانت حادثة لزم قيام الحادث بالقديم وهو محال. وإن كانت قديمة لزم أن يكون هنالك قدماء متعددة بتعدد الصفات زيادة على الذات وهذا هو الشرك.


ولكن الأشاعرة يرون أنه لا يلزم من ذلك تعدد القدماء كما زعم المعتزلة، لأن كل صفة من صفات المعاني وإن كانت غير سائر الصفات إلا أنها لازمة للذات ولا تنفك عنها. فهي دائمة الوجود، مستحيلة العدم. فهو حي بحياة، عالم بعلم، قادر بقدرة، وهكذا. والمحظور هو تعدد القدماء المتغايرة، ولا تغاير هنا بين الذات والصفات ولا بين الصفات بعضها مع بعض فينتفي التعدد. فتلك الصفات زائدة على الذات قائمة بها لازمة لها لزوماً لا يقبل الانفكاك.


هذا وربما كان الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة لفظياً لأن القول بأنها ليست بغير الذات محمول على الغير الذي ينفك عن الذات وإن كانت غيراً في المفهوم والتصور.


ومما حصل فيه النزاع أيضاً رؤية العباد ربهم. فذهب المعتزلة إلى أن العقل يحكم بامتناعها لأن الرؤية لا تتحقق إلا متى كان المرئيّ في الجهة المقابلة لنظر الرائي وهو سبحانه ليس جسماً ولا في جهة من الجهات. وذهب أهل السنة إلى أنه تعالى يجوز أن يرى والمؤمنون في الجنة يرونه منزهاً عن المقابلة والجهة والمكان، إذ هذه الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه لا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك. وقد أوّل المعتزلة ما ورد في القرآن الكريم والحديث الشريف من إشارة إلى ذلك. وعمد المحاسبي رداً على المعتزلة في نهاية كتابه "التوهم" الذي هو شطر مهم في بحثنا إلى تصور تلك الرؤية على أنها غبطة يفوز بها أهل النعيم في الجنة كما سنرى.


كان الحارث واعظاً بليغ الكلام يأخذ وعظه بمجامع القلوب ويخلب الأسماع ويسترق الأفهام ويستدر المدامع حتى تغرورق بها العيون. نقل صاحب تاريخ بغداد في ترجمته للمحاسبي ما حدث به إسماعيل بن إسحاق السراج: "قال لي أحمد بن حنبل يوماً: يبلغني أن الحارث هذا- يعني المحاسبي- يكثر الكون عندك. فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فأسمع كلامه! فقلت: السمع والطاعة يا أبا عبد الله. وسرني هذا الابتداء من أبي عبد الله. فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة. فقلت: وتسأل أصحابك أن يحضروا معك. فقال: يا إسماعيل فيهم كثرة فلا تزدهم على الكُسْب[1] والتمر، وأكثر منهما ما استطعت. ففعلت ما أمرني به، وانصرفت إلى أبي عبد الله فأخبرته. فحضر بعد المغرب وصعد غرفة في الدار، فاجتهد في ورده حتى فرغ. وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا، ثم قاموا لصلاة العتمة ولم يصلوا بعدها، وقعدوا بين يدي الحارث، وهم سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من نصف الليل. فابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة. فأخذ في الكلام وأصحابه يستمعون، وكأن على رؤوسهم الطير. فمنهم من يبكي، ومنهم من يزعق، وهو في كلامه. فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غُشِي عليه، فانصرفت إليهم ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا فقاموا وتفرقوا. فصعدت إلى أبي عبد الله، وهو متغير الحال. فقلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل. وعلى ما وصفت من أحوالهم فإني لا أرى لك صبحتهم. ثم قام وخرج"(21).


ويعلق الإمام ابن السبكي في كتابه "طبقات الشافعية" بعد أن يورد هذه الرواية فيخاطب القارئ:


"تأمل هذه الحكاية بعين البصيرة. واعلم أن أحمد بن حنبل إنما لم ير لهذا الرجل صحبتهم لقصوره عن مقامهم. فإنهم في مقام ضيق لا يسلكه كل أحد فيخاف على سالكه وإلا فأحمد قد بكى وشكر الحارث هذا الشكر ولكل رأي واجتهاد"(22).


ولكن الخلاف بين أحمد والحارث مشهور. فقد "كان أحمد بن حنبل يكره للحارث نظره في الكلام وتصانيفه الكتب فيه"(23). بل كان الإمام "شديد النكير على من يتكلم في علم الكلام خوفاً أن يجرّ ذلك إلى ما لا ينبغي. ولا شك في أن السكوت عنه ما لم تدع الحاجة أولى. والكلام فيه عند فقد الحاجة بدعة. وكان الحارث قد تكلم في شيء من مسائل الكلام. قال أبو القاسم النصراباذي: بلغني أن أحمد بن حنبل هجره بهذا السبب. قلت: والظن بالحارث أنه إنما تكلم حين دعت الحاجة. ولكل مقصد"(24).


والذي نراه أن إنكار صاحب "المسند" وأمثاله من أهل الحديث على المحاسبي وأمثاله من الوعاظ والصوفية يرجع قسم كبير منه إلى اعتماد هؤلاء في مواعظهم وأفكارهم على الأحاديث الضعيفة الأسانيد. ذلك أن أهل الحديث يحرصون كل الحرص على صحة الرواية وأهل المواعظ قد يلجؤون إلى أحاديث مستجرحة للترغيب والترهيب ولكنها بالغة التأثير يقبلها العامة لأنها أقرب إلى التمثيل بالأشياء المحسوسة.


وعندنا أن مثل الأئمة المسلمين في مذاهبهم مثل أصحاب هندسات أقليدس وريمن ولوبتشفسكي في علومهم الرياضية. فكما أن هؤلاء بنوا هندساتهم على مصادرات واستنبطوا منها تصوراتهم كذلك كان أولئك الأئمة يعتمدون ما يمكن أن ندعوه مصادرات أو أصولاً للبحث وهذه هنا ذات مراتب وأكثر عدداً وأشد اشتباكاً. ومن الواضح أنه بعد الأصول المعتمدة الأربعة وهي القرآن والسنة والقياس والإجماع يأتي مدى الاعتماد على أحاديث الآحاد ومبدأ الاجتهاد ومبدأ المصالح المرسلة وهي الأوصاف التي تعرف علّيتها ولم يشهد لها الشرع بالاعتبار ولا بالإبطال، ولا سيما إذا كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية. وهذه أمور داخلة في مباحث أصول الدين الواسعة. وكان الأئمة القدماء يحترم بعضهم بعضاً ويقدر بعضهم جهود بعض وبحوثه وتقواه ووجهات نظره. ثم جاء المتأخرون فغلا بعضهم في تجريح الآخرين أو التشنيع عليهم وهذا ليس من عادة الأبرار ولا من شأن المفكرين الأحرار. وإذا كان الإمام السبكي قد قال في تعليقه: "ولكل مقصد" فنحن نقول: "ولكل مبادئه التي يبني عليها اعتباراته" وهكذا لا نستغرب قول أبي زرعة تلميذ ابن حنبل حين سئل عن المحاسبي وكتبه فأجاب السائل: "إياك وهذه الكتب. هذه كتب بدع وضلالات. عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة. قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق. ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع"(25).


ولد الحارث في زمن الخليفة الهادي ولما تولى هارون الرشيد الخلافة (سنة 170هـ/ 786م) كان يناهز الخامسة. وقد عاصر خلافة الأمين (193/809م) والمأمون (198/813م) والمعتصم (218/833م) والواثق (227/842م) والمتــوكل (232/847م) إذ توفي في عهده.


وهكذا كان عصر الحارث من أبهى عصور الخلافة العباسية وأكثرها غنى ووفرة وازدهاراً. كانت العلوم بأنواعها مزدهرة وكانت الزراعة والتجارة رائجين أي رواج، وكانت القوافل تجوب الطرق البرية محملة بأصناف السلع بين قطر وآخر وكانت البواخر تصل بين أقطار المعمورة مشحونة بأصناف الخيرات من لباس وطعام وتوابل وغيرها. وكانت البصرة من المرافئ المزدهرة إذ ذاك وكان الملاحون إلى جانب حمولات مراكبهم يروون للناس ما شاهدوه في الأقطار النائية كالهند والصين والجزر المنتشرة في خطوط ملاحتهم. وطفق الناس يميلون إلى استماع هذه الأخبار دقيقة أو مبالغاً فيها وإلى قراءة ما يدوّن منها وكذلك ما يترجم من لغات الأقوام الأخرى ولا سيما ما نقل عن الفرس والهند مما يمثل آداب تَيْنك الأمتين ويصف حكمة حكمائهما وأحوال رعاياهما. وشرعت تتكون طائفة من تلك الأخبار المروية والمتناقلة متعددة المصادر ومتفاوتة المقاصد بعضها للتسلية ولترويح النفس وبعضها للموعظة والاعتبار وبعضها للتبصرة والإفادة، وسوف ينضم بعضها إلى بعض في غمار السنين لتؤلف السير الشعبية المشهورة التي تأتي في طليعتها قصة "ألف ليلة وليلة" إذ كانت نواتها التي تجمعت حولها تلك القصص والأخبار رواية "هزار أفسانه" التي نقلت عن الفارسية. ولا شك في أن بعض تلك القصص من أصل بغدادي تصور جوانب الترف التي كانت تتألق في قصور الخلفاء والأمراء والتجار ورجال الجيش وكتاب الدواوين، ومن المعلوم أن الغنى الفاحش لا يأتي بالطرق المشروعة وأن الترف لا يرضى عنه أهل الورع والتقوى، كذلك هو موضع نقمة على لسان الشعراء الحساسين المحرومين مثل ابن الرومي (221/836- 283/896). ولئن بدا هذا الشاعر في بعض الأحيان راضياً عن الحياة الطبيعية المعطاء والدولة الزهراء في قصيدته التي مطلعها:


ضحك الربيع إلى بكا الديم


***فغدا يسوّي النبت بالقمم


إذ يقول:


والدولة الزهراء والزمن المز


*** هار حسبك شافيي قرم


نجدْهُ في قصائد أخرى يندب حظه ويرثي لحاله ويحسد غيره من المحظوظين في الدنيا:


أتراني دون الأولى بلغوا الآ


*** مال من شُرْطة ومن كتّــــاب


وتجارٍ مثل البهائم فــازوا


*** بالمنى في النفوس والأحباب


ثم يتفنن في وصف النعيم والملذات والمجالس والحياة اللاهية التي كان يشاهدها أو يسمع أخبارها:


درُّ صهباء قد حكى درّ بيضا


*** ء عروب كدمية المحراب


تحمل الكأس والحليَّ فتبدو


*** فتنة الناظرين والشرّاب


يا لها ساقياً تديره يداه


*** مستطاباً ينال من مستطاب


لذة الطعم في يدي لذّة الملـ


*** ثم تدعو الهوى دعاء مجاب


حولها من نجارها عِينُ رَمْلٍ


*** ليس ينفك صيدها أُسْد غاب


يونقُ العينَ حسن ما في أكف


*** ثَمَّ تسقي وحسن ما في رقاب


ففمٌ شارب رحيقاً وطَرفٌ


*** شارب ماء لبّةٍ وسخاب


ومزاج الشراب إن حاولوا المز


*** ج رضاب يا طيبَ ذاك الرضاب


من جوارٍ كأنهن جوارٍ


*** يتسلسلن من مياه عذاب(26)


لابسات من الشفوف لبوساً


*** كالهواء الرقراق أو كالسراب


ومن الجوهر المضيء سناه


*** شعلاً يلتهبن أي التهاب


فترى الماء ثمَّ والنار والآ


*** لَ بتلك الأبشار والأسلاب


ويمضي الشاعر في وصف تلك المجالس المترعة بالجمال والترف واللهو والإغراء لينتقل إلى التنديد بأربابها الذين يجلسونها والذين طاش توزيع الثروة فأصابهم منها النصيب الوفير:


فتخايلن باهتزاز غصون


*** ناعمات وبارتجاج روابي


ناهدات مطرّفات يما نعـ


*** ـنك رمانهن بالعنّاب


لو ترى القوم بينهن لأجبر


*** ت صراحاً ولم تقل باكتساب


يريد أن يقول: إن المرء لدى رؤيته ذلك يفضي إلى الجبر لا إلى الكسب والاختيار حين لا تنظم الأمور الاقتصادية تنظيماً عادلاً يمنع الاستغلال والتفاوت الكبير بين حظوظ الناس:


من أناس لا يرتَضون عبيداً


*** وهُمُ في مراتب الأرباب


ولا عجب أن يحفز على الثورة الدموية وهو الشاعر الرقيق:


لهف نفسي على مناكير للنكـ


*** ـر غضاب ذوي سيوف غضاب


تغسل الأرض بالدماء فتضحي


*** ذات طهر ترابها كالملاب


مِنْ كلابٍ نأى بها كلَّ نأي


*** عن وفاء الكلاب غدرُ الذئاب


وإثباتٍ على الظباء ضعافٍ


*** عن وِثاب الأسود يوم الوثاب...


يبدو من خلال هذه الأبيات المنددة الثائرة التهجم اللاذع على الموسرين المتمولين كما نستشف إشارة إلى قضايا الجبر والكسب والاختيار مما كان موضوع جدال بين المذاهب الفلسفية الكلامية إذ ذاك. في هذا الجو الموّار كالبحر ذي الأمواج المتلاطمة بمختلف النزعات والآراء نشأ الحارث في مجالس العلم الديني وحلقات الورع وندوات التقوى فنهض يدافع عن سلامة المجتمع إزاء الترف واللهو ويناضل الاتجاهات التي رآها منحرفة عن مصالح الشعب والرعايا وذلك بالوعظ وهو التبليغ المدقق في نزوات النفوس وفي ميول الطباع ثم بالتأليف المنافح عن صحة العقيدة كما يراها وزيادة على ذلك كله بالمثل الخلقي المتحرج العنيف الذي ضربه في سلوكه وسعيه وتزهده وتصوفه الجانح نحو التقشف الشديد كأن هذا التقشف تعديل يقابل ذلك اللهو والترف ويناقضهما.


-------------------------------


[1]- هو ثُفْل الدهن إشارة إلى التقلل




ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـ



الحارث المحاسبى....حياته و كتبه

ليس يعلم على وجه التحديد متى ولد الحارث بن اسد المحاسبى و كنيته عبد الله الا ان اغلب المؤرخون يؤكدون انه ولد فى العقد السابع من القرن الثانى الهجرى .....

وقد ولد المحاسبى فى البصرة جنوب العراق و قضى بها فترة طفولته ثم انتقل بعد ذلك الى بغداد و بقى بها حتى وافته المنية فى عام 234 من الهجرة

يروى المؤرخون عن المحاسبى انه ولد فى اسرة ميسورة الحال و قيل ان والده قد توفى و ترك خلفه ثورة كبيرة تقدر بسبعين الف درهم و قيل ايضا ان ابنه الحارث رفض ان يشترك فى ميراث والده زهدا منه و ورعا فيه لما قد تجره الثورة و تستبعه من تفكير فيها و تدبير لها و تنمية و حفظ .. و قيل انه رفض الميراث لموقفه الشخصى من والده الذى كان من من يدينون بمذهب المعتزله و كان من من يقولون بالقدر ..( القدريون او من يقولون بالقدر هم من يقولون بحرية الارادة بمعنى ان الانسان حر فيما يأتى و فيما يدع من افعال و ليس مجبورا من الله على عمل من الاعمال ) و قد عارض المحاسبى هذا الاتجاه بشده

و ليس يعنينا على وجه العموم ذلك الامر فى حياة المحاسبى بقدر ما يعنينا عطاءه الفكرى العظيم ...
و عندما حضر المحاسبى الى بغداد كانت و قتئذ مسرحا للثقافات المختلفة و تموج بالعديد من التيارات الفكرية .. ثقافة يونانية جديدة وافدة بعد ازدهار حركة الترجمة للادب و الفلسفة اليونانية .. و ثقافة فارسية تستغل ما للفرس من ثراء و نفوذ و تحاول اثبات وجودها.. و ثقافة عربية تريد ان تجد حلا للتعارض بين مختلف الثقافات .. و ثقافة اسلامية بحتة تجاهد فى ان تقود المجتمع الى الهداية ذلك بالأضافة الى نزاعات المتكلمون و الطوائف الفقهية المختلفة .... اقبل المحاسبى على العلم و الدرس اقبالا عظيما و حاول بقدر المستطاع تثقيف نفسه و اثراء عقله .. و تشعب بفكره الحى بين كافة الطرق و الاتجاهات و لكنه و قف منها جميعا موقف المتأمل المتروى ولم تطل وقفته و لم تأخذه الحيرة معاها الى ما لا يحمد عقباه فقد ربط الله على قلبه و خرج من رحلته الفكرية حاملا معه قبس الهدى ....يقول الحارث المحاسبى فى مقدمة كتابه " الوصايا " ......"اما بعد , فقد انتهى الينا: ان هذه الأمة تفترق على بضع و سبعين فرقة , فرقة منها ناجية , و الله اعلم بسائرها فلم أزل برهة من عمرى انظر اختلاف الأمة و التمس المنهاج الواضح و السبيل القاصد و اطلب من العلم و العمل و استدل على طريق الاخره بارشاد العلماء و علقت كثيرا من كلام الله عز و جل بتأويل الفقهاء و تدبرت أحوال الامة و نظرت فى مذاهبها و أقواليها فعلقت من ذلك ما قدر لى و رأيت اختلافهم بحرا عميقا قد أغرق ناس كثير و سلم منه عصابة قليلة , ورأيت كل صنف منهم يزعم ان النجاه فى تبعهم و ان الهالك من خالفهم - المحاسبى يتحدث عن اختلاف الأمة فى العصر العباسى فما بالنا لو رأى احوالنا الان !! - ثم رأيت الناس أصنافا فمنهم العالم بأمر الاخرة , لقائوة عسير ووجوده عزيز و منهم الجاهل فالبعد عنه غنيمة و منهم المتشبه بالعلماء , مشغوف بدنياه مؤثرا لها ومنهم حامل علم منسوب الى الدين ماالتمس بعلمه التعظيم و العلو, ينال بالدين من عرض الدنيا و منهم متشبه بالنساك متجر بالخير لا غناء عنده و لا بقاء لعلمه ولا معتمد على رأيه و منهم حامل علما لا يعلم تاويل ما حمل و منهم منسوب الى العقل و الدهاء , مفقود الورع و التقى و منهم متوادون على الهوى يتفقون و للدنيا يتباذلون و رياستها يطلبون و منم شياطين الانس عن الاخره يصدون و على الدنيا يتكابلون و الى جمعها يهرعون و فى الاستكثار منها يرغبون , فهم فى الدنيا احياء و عن العرف موتى بل العرف عندهم منكر و السوء معروف فتفقدت فى الاصناف نفسى و ضقت بذلك ذرعا فقصد الى هدى المهتدين بطلب السداد و الهدى و استرشدت العلم و اعملت الفكر و اطلت النظر فتبين لى فى كتاب الله تعالى و سنة نبيه و اجماع الامة ان اتباع الهوى يعمى عن الرشاد و يضل عن الحق و يطيل المكث فى العمى فبدأت باسقاط الهوى عن قلبى وو قفت عند اختلاف الامة مرتادا لطلب الفرقة الناجيه حذرا من الاهواء المردية و الفرقة الهالكة متحرزا من الاقتحام قبل البيان و التمست سبيل النجاة لمهجة نفسى ثم و جدت فى اجتماع الامة فى كتاب الله المنزل ان سبيل النجاه فى التمسك بتقوى الله و اداء فرائضه و الورع فى حلاله و حرامه و جميع حدوده و الاخلاص لله تعالى بطاعته و التأسى برسوله صلى الله عليه و سلم "

و أخذ المحاسبى يبحث عن الفقهاء التقاه فى كل مكان حتى يستزيد بعلمهم و ينهل من معارفهم بأمور الفرائض و السنن و لم بكتف بذلك فهو لم يكن ابدا بالشخص السلبى الذى يؤثر العزلة و يصمت عن الحق بل سخر كل جهده من اجل الدعوة الى الله و الحث على التمسك بدينه و تقواه و تعبيد طريق الرشاد لكل من أراد ان يسلكه .. و المحاسبى كان يتميز بقوة الشخصية و الثقة بالنفس و لم يكن ممن يخاف الفتن و الشبهات و من أقواله المأثورة " لو ان نصف الخلق تقربوا منى ما وجدت بهم انسا ولو ان النصف الاخر نأى عنى ما استوحشت لبعدهم " كما تميز بطلاق اللسان و قوة الحجة و البيان ....

اما مؤلفاته فقد قدرها البعض بنحو مأتين مؤلف أغلبها فى هدايه النفوس و تزكيتها و علوم التصوف و الكلام و طريقته فى التأليف تكون غالبا فى شكل حوار ..اسئلة و يقوم هو بأجابتها تفصيليا و لكن لم تكن كل كتبه على هذا النمط و مؤلفاته فى علم الكلام قد فقدت جميعا و تقريبا لم يصل لنا منها الا بعض الاقصوصات ..اما كتبه فى ادب النفس و تزكيتها و فىالانابة الى الله فقد بقى منها الكثير ..منها المطبوع و منها المخطوط اشهرهم كتاب " الوهم " الذى طبع بالقاهرة عام 1937 و قد الفه المحاسبى على غرار المدرسة الاصلاحية التى أنشأها و عرفت بمدرسة التخيل و فى كتابه هذا يجعلك تطلق معه خيالك الى العنان و تتدبر أحوال اهل الجنة و اهل النارو ما يلقون من سعادة و شقاء و نعيم و عذاب فتصنع بخيالك صورة حية للأخرة

و كتابه " رسالة المسترشدين " و هو رسالة يوجهها المحاسبى لمن اراد ان يكون من ذوى الالباب و منهاج ذوى الالباب كما حددته الرسالة هو رعاية حدود الشريعة من كتاب الله تعالى و سنة نبيه و ما اجتمع عليه المهتدون من الائمه و كتاب " الوصايا " الذى اوردنا جزءا من مقدمته من قبل و به مجموعة جميلة من النصائح الدينية و النفحات القدسية ان كانت بأسلوب فيه بعض الحدة اما اهم كتبه و اكثرها شهرة و انتشارا فهو كتابه العظيم " الرعاية لحقوق الله" و هو الكتاب الذى خلد زكرى الحارث المحاسبى فى التاريخ وهو من كتب التراث التى نالت اقبالا كبيرا من الأقدمين و المحدثين على السواء


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ


أئمة الزهد المرضيين الحارث المحاسبي



أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي، البصري المولد، البغدادي المنـزل والوفاة، أحد الزهاد المتكلمين بالعبادة والزهد والمواعظ، كانت وفاته ببغداد سنة (234 هـ) - رحمه الله تعالى -.

كان المحاسبي - رحمه الله - عالماً بالأصول والمعاملات، واعظاً مبكياً في وعظه، له كتب كثيرة في الزهد وفي أصول الديانات والعقائد والرد على المعتزلة والرافضة وغيرهما.

أخذ عن الإمام الشافعي، كما ذكر أبو منصور البغدادي في (أصول الدين)، وروى عنه جماعة منهم الجنيد - رحمه الله -.

من مؤلفاته رسالة المسترشدين، شرح المعرفة، البعث والنشور، التوهم، الرعاية لحقوق الله.

قال الإمام الذهبي - رحمه الله -: ((والمحاسبي العارف صاحب التواليف: صدوق في نفسه، وقد نقموا عليه بعض تصوُّفِه وتصانيفه)) (ميزان الاعتدال: 1ـ 199).

وقال الإمام أحمد بن حنبل عن الحارث المحاسبي: ((جالسه المغازلي ويعقوب وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم هلكوا بسببه. فقيل له: يا أبا عبد الله يروي الحديث وهو ساكن خاشع من قصته، فغضب الإمام أحمد وجعل يحكي ولا يعدل خشوعه ولينه ويقول: لا تغتروا بنكس رأسه فإنه رجل سوء، لا يعرفه إلا من قد خبره، لا تكلمه ولا كرامة له)). (الفروع للمقدسي: 2 ـ149) (تلبيس إبليس: 163).

وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - معللا كره الأمام أحمد لصحبة الناس للمحاسبي: ((بل إنما كره ذلك لأن في كلامهم من التقشف وشدة السلوك التي لم يرد بها الشرع، والتدقيق والمحاسبة الدقيقة البليغة ما لم يأت بها أمر، ولهذا لما وقف أبو زرعة الرازي على كتابه (الرعاية) قال: هذا بدعة. ثم قال للرجل الذي جاء بالكتاب: عليك بما كان عليه مالك والثوري والأوزاعي والليث، ودع عنك هذا فإنه بدعة)) (البداية والنهاية: 10ـ330).

قال ابن الجوزي - رحمه الله -: ((كان الإمام أحمد بن حنبل ينكر على الحارث المحاسبي خوضه في الكلام ويصد الناس عنه فهجره أحمد فاختفى في داره ببغداد ومات فيها ولم يصل عليه إلا أربعة نفر)). (المنتظم لابن الجوزي: 11 ـ309)

فالمحاسبي - رحمه الله - من العباد الزاهدين، ومن الذين تكلموا في الرقائق والمواعظ فأبكى، وشهد له كثير من معاصريه بالصلاح والتقوى، ولكن ادعى عليه المغرضون أمران أساسيان:

الأول: علم الكلام، وأخذه برأي جهم.

الثاني: إيراده الأحاديث الضعيفة والموضوعات في كتبه وتصانيفه، واعتمادُهُ عليها وجعلُها (أُصولا) يَبْني على ما تضمَّنته من المعاني والأحكام، والله أعلم.
من مواضيع : ahmed1981 0 قصة تمثال لاظوغلى
0 أغداً ألقاك
0 أقدم لكم المفاجأة الكبرى : فيلم الاسكندر الأكبر انتاج 2004 .. اتمنى لكم وقتا طيبا

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 21-03-2008, 01:15 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى متألق
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

ثامن و عشرون: شقيق البلخى

شقيق شقيق

الإمام الزاهد شيخ خراسان، أبو علي شقيق بن إبراهيم الأزدي البلخي .

صحب إبراهيم بن أدهم .

وروى عن : كثير بن عبد الله الأبلي ، وإسرائيل بن يونس ، وعباد بن كثير .

حدث عنه : عبد الصمد بن يزيد مردويه ، ومحمد بن أبان المستملي ، وحاتم الأصم ، والحسين بن داود البلخي وغيرهم . وهو نزر الرواية .

روي عن علي بن محمد بن شقيق قال : كانت لجدي ثلاث مائة قرية ، ثم مات بلا كفن ، قال : وسيفه إلى اليوم يتباركون به ، وقد خرج إلى بلاد الترك تاجرا ، فدخل على عبدة الأصنام ، فرأى شيخهم قد حلق لحيته ، فقال : هذا باطل ، ولكم خالق وصانع قادر على كل شيء . فقال له : ليس يوافق قولك فعلك . قال : وكيف ؟ قال : زعمت أنه قادر على كل شيء ، وقد تعنيت إلى هاهنا تطلب الرزق ، ورازقك ثم . فكان هذا سبب زهدي .

وعن شقيق قال : كنت شاعرا ، فرزقني الله التوبة ، وخرجت من ثلاث مائة ألف درهم ، ولبست الصوف عشرين سنة ، ولا أدري أني مراء حتى لقيت عبد العزيز بن أبي رواد ، فقال : ليس الشأن في أكل الشعير ولبس الصوف ، الشأن أن تعرف الله بقلبك ، ولا تشرك به شيئا ، وأن ترضى عن الله ، وأن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في أيدي الناس .
وعنه : لو أن رجلا عاش مائتي سنة لا يعرف هذه الأربعة ، لم ينج : معرفة الله ، ومعرفة النفس ، ومعرفة أمر الله ونهيه ، ومعرفة عدو الله وعدو النفس .

وقد جاء عن شقيق مع تألهه وزهده أنه كان من رءوس الغزاة .

وروى محمد بن عمران ، عن حاتم الأصم قال : كنا مع شقيق ونحن مصافو العدو الترك ، في يوم لا أرى إلا رءوسا تندر وسيوفا تقطع ، ورماحا تقصف ، فقال لي : كيف ترى نفسك ، هي مثل ليلة عرسك ؟ قلت : لا والله ، قال : لكني أرى نفسي كذلك ، ثم نام بين الصفين على درقته حتى غط ، فأخذني تركي ، فأضجعني للذبح ، فبينا هو يطلب السكين من خفه ، إذ جاءه سهم عائر ذبحه .

عن شقيق قال : مثل المؤمن مثل من غرس نخلة يخاف أن تحمل شوكا ، ومثل المنافق مثل من زرع شوكا يطمع أن يحمل تمرا ، هيهات .

وعنه : ليس شيء أحب إلي من الضيف؛ لأن رزقه على الله ، وأجره لي .

قال الحسين بن داود : حدثنا شقيق بن إبراهيم ، الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة ، المداوم على العبادة ، فذكر حديثا .
وعن شقيق قال : أخذت لباس الدون عن سفيان ، وأخذت الخشوع من إسرائيل ، وأخذت العبادة من عباد بن كثير ، والفقه من زفر .

وعنه : علامة التوبة البكاء على ما سلف ، والخوف من الوقوع في الذنب ، وهجران إخوان السوء ، وملازمة الأخيار .
وعنه : من شكا مصيبة إلى غير الله ، لم يجد حلاوة الطاعة .

وقال الحاكم : قدم شقيق نيسابور في ثلاث مائة من الزهاد ، فطلب المأمون أن يجتمع به ، فامتنع .

أخبرنا أحمد بن محمد بن سعد ، أخبرنا الإربلي ، أخبرنا يحيى بن ثابت ، أخبرنا علي بن الخل ، أخبرنا أحمد بن المحاملي ، أخبرنا أبو بكر الشافعي ، حدثنا الحسين بن داود ، حدثنا شقيق البلخي ، حدثنا أبو هاشم الأبلي ، عن أنس قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : يا ابن آدم ! لا تزول قدماك يوم القيامة حتى تسأل عن أربع ، عمرك فيما أفنيته ، وجسدك فيما أبليته ، ومالك من أين اكتسبته وأين أنفقته .

أبو هاشم هو كثير : واه .

وقتل شقيق في غزاة كولان سنة أربع وتسعين ومائة .



ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ



روي عن شقيق البلخي رحمه الله أنه قال لحاتم :

قد صحبتني مدة ، فماذا تعلمت ؟

قال : تعلمت منك ثماني مسائل :

أما الأولى :

فإني نظرت إلى الخلق فإذا كل شخص له محبوب فإذا وصل إلى القبر فارقه محبوبه
فجعلت محبوبي حسناتي لتكون في القبر معي .

وأما الثانية:

فإني نظرت إلى قول الله تعالى : ( ونهى النفس عن الهوى (
فأجهدتها في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى .

وأما الثالثة :

فإني رأيت كل من معه شيء له قيمة عنده يحفظه ،
ثم نظرت في قول الله سبحانه وتعالى : ( ما عندكم ينفذ وما عند الله باق (
فكلما وقع معي شيء له قيمة ، وجهته إليه ليبقى لي عنده .

وأما الرابعة :

فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف ، وليست بشيء
فنظرت في قول الله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم (
، فعملت في التقوى لأكون عنده كريما .

وأما الخامسة :

فإني رأيت الناس يتحاسدون ،
فنظرت في قوله تعالى : ) نحن قسمنا بينهم معيشتهم (
فتركت الحسد _ لأنه اعتراض على قسمة الله _.

وأما السادسة :

رأيتهم يتعادون ، فنظرت في قول الله تعالى : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا (
فتركت عداوتهم واتخذت الشيطان وحده عدوا .

وأما السابعة :

رأيتهم يذلون أنفسهم في طلب الرزق ،
فنظرت في قوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها (
فاشتغلت بما له علي ، وتركت مالي عنده _ ثقة بوعده _.

وأما الثامنة :

رأيتهم متوكلين على تجارتهم وصنائعهم وصحة أبدانهم ،
فتوكلت على الله رب العالمين
من مواضيع : ahmed1981 0 الأحقاف و الجغرافيا
0 الحقد و الحسد
0 فيلم شمشون و دليلة انتاج 1949

رد مع اقتباس
  #30  
قديم 21-03-2008, 01:16 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى متألق
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

تاسع و عشرون : أبو يزيد البسطامى

هذه القصة حدثت في مدينة البصرة في العراق وبطلها يدعى أبو اليزيد وهي مذكورة في التاريخ وذكرها الشيخ الجليل عبدالحميد كشك رحمه الله حيث رأى أبا اليزيد في منامه هاتفاً يقول له قم وتوضأ واذهب الليلة إلى دير النصارى وسترى من آياتنا عجبا فذهب ..

وهو العارف بالله ابو اليزيد البسطاني عندما سمع الهاتف بعد صلاة الفجر توضأ ودخل الدير عليهم وعندما بدأ القسيس بالكلام قال لا أتكلم و بيننا رجل محمدي قالوا له وكيف عرفت ؟

قال : سيماهم في وجوههم .. فكأنهم طلبوا منه الخروج ولكنه قال : والله لا أخرج حتى يحكم الله بيني وبينكم ..!!

قال له البابا : سنسألك عدة أسئلة وإن لم تجبنا على سؤال واحد منها لن تخرج من هنا إلا محمولاً على أكتافنا .. فوافق أبو اليزيد على ذلك وقال له اسئل ما شئت :

قال القسيس :

ما هو الواحد الذي لا ثاني له ؟

وما هما الاثنان اللذان لا ثالث لهما ؟

ومن هم الثلاثة الذين لا رابع لهم ؟

ومن هم الأربعة الذين لا خامس لهم ؟

ومن هم الخمسة الذين لا سادس لهم ؟

ومن هم الستة الذين لا سابع لهم ؟

ومن هم السبعة الذين لا ثامن لهم ؟

ومن هم الثمانية الذين لا تاسع لهم ؟

ومن هم التسعة الذين لا عاشر لهم ؟

وما هي العشرة التي تقبل الزيادة ؟

وما هم الاحد عشر أخا؟

وما هي المعجزة المكونة من اثنتى عشر شيئا؟

ومن هم الثلاثة عشر الذين لا رابع عشر لهم ؟

وما هي الاربع عشر شيئا اللتي كلمت الله عز وجل؟

وما هو الشيء الذي يتنفس ولا روح فيه ؟

وما هو القبر الذي سار بصاحبه ؟

ومن هم الذين كذبوا ودخلوا الجنة ؟

ومن هم اللذين صدقوا ودخلوا النار؟

وما هو الشيء الذي خلقة الله وأنكره ؟

وما هو الشيء الذي خلقة الله واستعظمه ؟

وما هي الأشياء التي خلقها الله بدون أب وأم ؟

وما هو تفسير الذاريات ذروا ، الحاملات وقرا ، ثم ما الجاريات يسرا والمقسمات أمرا ؟

وما هي الشجرة التي لها اثنا عشر غصناً وفي كل غصن ثلاثين ورقة وفي كل ورقة خمس ثمرات ثلاث منها بالظل واثنان منها بالشمس ؟

فقال له ابو اليزيدالواثق بالله تعالى ... الواحد الذي لا ثاني له هو الله سبحانه وتعالى ..

والاثنان اللذان لا ثالث لهما الليل والنهار ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ) ..

والثلاثة الذين لا رابع لهم أعذار موسى مع الخضر في إعطاب السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار ..

والأربعة الذين لا خامس لهم التوراة والإنجيل والزبور والقرآن الكريم ..

والخمسة الذين لا سادس لهم الصلوات المفروضة ..

والستة التي لا سابع لهم هي الأيام التي خلق الله تعالى بها الكون وقضاهن سبع سماوات في ستة ايام فقال له البابا ولماذا قال في آخر الاية (وما مسنا من لغوب) ؟

فقال له : لأن اليهود قالوا أن الله تعب واستراح يوم السبت فنزلت الاية ..

أما السبعة التي لا ثامن لهم هي السبع سموات (الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى من خلق الرحمن من تفاوت) ..
والثمانية الذين لا تاسع لهم هم حملة عرش الرحمن (ويحمل عرش ربك يومئذٍ ثمانية) ..

والتسعة التي لا عاشر لها وهي معجزات سيدنا موسى عليه السلام .. فقال له البابا اذكرها !

فأجاب أنها اليد والعصا والطمس والسنين والجراد والطوفان والقمل والضفادع والدم ..

أما العشرة التي تقبل الزيادة فهي الحسنات (من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها والله يضاعف الأجر لمن يشاء) ..

والأحد عشر الذين لا ثاني عشر لهم هم أخوة يوسف عليه السلام ..

أما المعجزة المكونة من 12 شيئاً فهي معجزة موسى عليه السلام (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنا عشر عيناً) ..

أما الثلاثة عشرة الذين لا رابع عشر لهم هم إخوة يوسف عليه السلام وأمه وأبيه ..

أما الاربع عشر شيئاً التي كلمت الله فهي السماوات السبع والارضين السبع (فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين)

وأما الذي يتنفس ولا روح فيه هو الصبح (والصبح إذا تنفس) ..

أما القبر الذي سار بصاحبه فهو الحوت الذي التقم سيدنا يونس عليه السلام ..

وأما الذين كذبوا ودخلوا الجنة فهم إخوة يوسف عليه السلام عندما قالوا لأبيهم ذهبنا لنستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ، وعندما انكشف كذبهم قال أخوهم (لا تثريب عليكم) وقال أبوهم يعقوب (سأستغفر لكم) ..

أما الذين صدقوا ودخلوا النار فقال له إقرأ قوله تعالى (وقالت اليهود ليست النصارى على شئ) (وقالت النصارى ليست اليهود على شئ) ..

وأما الشيئ الذي خلقه الله وأنكره فهو صوت الحمير (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) ..

وأما الشيء الذي خلقه الله واستعظمه فهو كيد النساء (إن كيدهن عظيم) ..

وأما الأشياءالتي خلقها الله وليس لها أب أو أم فهم آدم عليه السلام ، الملائكة الكرام ، ناقة صالح ، وكبش اسماعيل عليهم السلام .. ثم قال له إني مجيبك على تفسير الايات قبل سؤال الشجرة ..

فمعنى الذاريات ذروا هي الرياح أما الحاملات وقرا فهي السحب التي تحمل الأمطار

و أما الجاريات يسرا فهي الفلك في البحر أما المقسمات أمرا فهي الملائكة المختصه بالارزاق والموت وكتابة السيئات والحسنات ..

وأما الشجرة التي بها اثنا عشر غصناً وفي كل غصن ثلاثين ورقة وفي كل ورقة خمس ثمرات ثلاث منها بالظل واثنان منها بالشمس ، فالشجرة هي السنة والأغصان هي الأشهر والأوراق هي أيام الشهر والثمرات الخمس هي الصلوات وثلاث منهن ليلاً واثنتان منهن في النهار ..

وهنا تعجب كل من كانوا في الكنيسة فقال له ابو اليزيد إني سوف أسألك سؤالا واحداً فأجبني إن إستطعت فقال له البابا اسأل ما شئت فقال : ما هو مفتاح الجنة ؟

عندها ارتبك القسيس وتلعثم وتغيرت تعابير وجهه ولم يفلح في إخفاء رعبه ، وطلبوا منه الحاضرين بالكنيسة أن يرد عليه ولكنه رفض فقالوا له لقد سألته كل هذه الاسئلة وتعجز عن رد جواب واحد فقط فقال إني أعرف الإجابة ولكني أخاف منكم فقالوا له نعطيك الأمان فأجاب عليه ، فقال القسيس الإجابة هي : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله !!

وهنا أسلم القسيس وكل من كان بالكنيسة ، فقد من الله تعالى عليهم وحفظهم بالإسلام وعندما آمنوا بالله حولوا الدير إلى مسجد يذكر فيه اسم الله ..


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ



واسمه طيفور بن عيسى بن سروشان - وكان سروشان مجوسياً فأسلم وكان لعيسى ثلاثة أولاد: أبو يزيد وهو أوسطهم، وآدم، وهو أكبرهم، وعلي وهو أصغرهم، وكانوا كلهم عباداً زهاداً.

إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد البسطامي يقول: غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره، وأعرفه، وأحبه، وأطلبه. فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته تقدمت معرفتي، وطلبه لي أولاً حتى طلبته.

قال منصور وسمعت أبا عمران موسى بن عيسى يقول: سمعت أبي يقول: قال أبو يزيد عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئاً أشد علي من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لتعبت، واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد.
وقال أبو يزيد: لا يعرف نفسه من صحبته شهوته.

إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد البسطامي، وسئل ما علامة العارف? قال: أن لا يفتر من ذكره، ولا يمل من حقه، ولا يستأنس بغيره.

وقال: إن الله أمر العباد ونهاهم فأطاعوا فخلع من خلعه فاشتغلوا بالخلع عنه، وإني لا أريد من الله إلا الله.

وقال منصور: وسمعت موسى بن عيسى يقول: سمعت عمي يقول: سمعت أبا يزيد يقول: لو صفت لي تهليلة ما بليت بعدها بشيء.

إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد يقول: هذا فلاحي بك وأنا أخافك فكيف فرحي بك إذ أمنتك? وسئل بما نالوا المعرفة? قال: بتضييع ما لهم والوقوف مع ما له.

وقال: اطلع الله على قلوب أوليائه، فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفاً، فأشغلهم بالعبادة.

العباس بن حمزة قال: صليت خلف أبي يزيد البسطامي الظهر، فلما أراد أن يرفع يديه ليكبر لم يقدر إجلالاً لاسم الله، وارتعدت فرائصه حتى كنت أسمع تقعقع عظامه، فهالني ذلك.

عن أبي موسى عن أبي يزيد البسطامي قال: ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير؛ بل إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير.

قال: وقال أبو يزيد: لم أزل ثلاثين سنة كلما أردت أن أذكر الله أتمضمض وأغسل لساني إجلالاً لله أن أذكره.

قال: وقال أبو يزيد: إن في الطاعات من الآفات ما لا يحتاجون إلى أن يطلبوا في المعاصي.

قال: وقال أبو يزيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر.

قال: وقال أبو يزيد أشد المحجوبين عن الله ثلاثة بثلاثة، أولهم: الزاهد بزهده، والثاني: العابد بعبادته، والثالث: العالم بعلمه. ثم قال: مسكين الزاهد، لو علم أن الله عز وجل سمى الدنيا كلها قليلاً فكم ملك من الدنيا? وفي كم زهد مما ملك? وأما العابد فلو رأى منة الله عليه في العبادة عرف عبادته في المنة، وأما العالم فلو علم أن جميع ما أبدى الله عز وجل من العلم سطر واحد من اللوح المحفوظ فكم علم هذا العالم من ذلك السطر? وكم عمل مما علم? قال: سمعت أبا يزيد يقول: ما ذكروه إلا بالغفلة ولا خدموه إلا بالفترة.

وقال: أكثر الناس إشارة إليه أبعدهم منه.

وسأله رجل: من أصحب? فقال: من لا تحتاج أن تكتمه شيئاً مما علمه الله منك.

قال عبيد بن عبد القاهر: قال أبو يزيد، غبت عن الله عز وجل ثلاثين سنة وكانت غيبتي عنه ذكري إياه، فلما خنست عنه وجدته في كل حال: فقال له رجل: ما لك لا تسافر? قال: لأن صاحبي لا يسافر، وأنا معه مقيم. فقال السائل: إن الماء القائم قد كره الوضوء منه. فقال أبو يزيد: لم يروا بماء البحر بأساً، هو الطهور ماؤه الحل ميتته. ثم قال: قد ترى الأنهار تجري لها دوي وخرير حتى إذا دنت من البحر وامتزجت به سكن خريرها وحدتها ولم يحس بها ماء البحر، ولا ظهرت فيه زيادة، ولا إن خرجت منه استبان فيه.

قاسم الحداد قال: خرج أبو يزيد البسطامي في بعض سياحته فوقف على دجلة فالتقى به الشيطان فحول وجهه ثم قال: وعزتك إنك تعلم أني ما عبدتك قط لهذا، فلا تحجبني به عنك.

عبد الصمد بن محمد عن أبي يزيد أنه صعد ليلة سور بسطام فلم يزل يدور على السور إلى وقت طلوع الفجر، يريد أن يقول لا إله إلا الله فيغلبه ما يريد عليه من هيبة الاسم فلا يستطيع أن يطلق بها لسانه، فلما كان وقت طلوع الفجر نزل فبال الدم.
الحسن بن علويه قال: قال أبو يزيد: قعدت ليلة في محرابي فمددت رجلي فهتف بي هافت من يجالس الملوك فينبغي أن يجالسهم بحسن الأدب.

الحسن بن علي قال: قال أبو يزيد: أبعد الخلق من الله أكثرهم إشارة إليه.

عبيد قال: قال أبو يزيد طلقت الدنيا ثلاثاً بتاتاً لا رجعة لي فيها، وصرت إلى ربي وحدي فناديته بالاستغاثة: إلهي أدعوك دعاء من لم يبق له غيرك. فلما عرف صدق الدعاء من قلبي، اليأس من نفسي، كان أول ما ورد علي من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكلية ونصب الخلائق بين يدي مع إعراضي عنهم.

أبو الحسن المروزي قال: سمعت امرأة أبي يزيد تقول: سمعت أبا يزيد يقول: دعوت نفسي إلى الله فأبت علي واستعصت، فتركتها ومضيت إلى الله عز وجل.

أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: الناس كلهم يهربون من الحساب ويتجافون عنه، وأنا أسأل الله تعالى أن يحاسبني فقيل له: لم? قال: لعله أن يقول لي فيما بين ذلك: يا عبدي، فأقول: لبيك. فقوله لي: عبدي أعجب إلي من الدنيا وما فيها. ثم بعد ذلك يفعل بي ما يشاء.

علي بن المثنى قال: سمعت عمي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا يزيد يقول: رأيت رب العزة تبارك وتعالى في المنام، فقلت: يا بار خدا، كيف الطريق إليك? قال: اترك نفسك ثم تعال.

أبو موسى الديبلي قال: سمعت رجلاً يسأل أبا يزيد فقال: دلني على عمل أتقرب به إلى ربي عز وجل، فقال: أحبب أولياء الله تعالى ليحبوك فإن الله تعالى ينظر إلى قلوب أوليائه فلعله أن ينظر إلى اسمك في قلب وليه فيغفر لك.

عيسى بن آدم ابن أخي أبي يزيد قال: كان أبو يزيد يعظ نفسه فيصيح عليها فيقول: يا مأوى كل سوء، المرأة إذا حاضت طهرت بثلاثة أيام أو أكثره بعشرة، أنت يا نفس قاعدة منذ عشرين وثلاثين سنة بعد ما طهرت فمتى تطهرين? إن وقوفك بين يدي طاهر ينبغي أن يكون طاهراً.

أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: عرج قلبي إلى السماء فطاف ودار ورجع، فقلت: بأي شيء جئت معك? قال: المحبة والرضا.

عن أبي موسى الديبلي، عن أبي يزيد قال: نظرت فإذا الناس في الدنيا متلذذون بالنكاح والطعام والشراب، وفي الآخرة بالمنكوح والملذوذ، فجعلت لذتي في الدنيا ذكر الله عز وجل وفي الآخرة النظر إلى الله عز وجل.

أبو موسى الديبلي قال: قلت لأبي يزيد: من أصحب? قال: من إذا مرضت عادك، وإذا أذنبت تاب عليك ومن يعلم منك ما يعلمه الله منك.

جعفر بن علي الترمذي أن أحمد بن خضرويه قال: رأيت رب العزة في منامي فقال لي: يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.

ذكر أبو نعيم الأصبهاني أنه لا يعرف لأبي يزيد حديث مسند أصلاً إلا حديث واحد رواه أبو الفتح الحمصي بإسناد له عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله".

قال أبو نعيم: وهو مركب على أبي يزيد، وليس من حديثه، والحمل فيه على الحمصي فقد عثر منه على غير حديث ركبه.
قلت وهذا الحديث الذي أشار إليه أبو نعيم هو الذي ذكره له أبو عبد الرحمن السلمي، ووجدت أنا لأبي يزيد ثلاثة أحاديث أخر مسندة، منها حديثان لا يثبتان فلم أذكرهما، والثالث قريب الحال فاقتصرت عليه.

قال أبو موسى الديبلي، ابن أخت أبي يزيد البسطامي، أنبأ أبو يزيد البسطامي، يعني طيفور بن عيسى، قال: أنبأ محمد بن منصور الطوسي، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن محمد بن سوقة، عن نافع بن جبير، عم أم سلمة قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش الذي يخسف بهم، فقالت أم سلمة: لعل فيهم المكره. قال: إنهم يبعثون على نياتهم.
توفي أبو يزيد سنة إحدى وستين ومائتين، وله ثلاث وسبعون سنة.


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ


كان أبو يزيد البسطامي رحمه الله من كبار العارفين بالله ، فقد سلط الله عليه امرأته ، وكان كلما دخل البيت ، ركبت على ظهره تأمره بأن يُكنس البيت ، وأن يغسل الملابس ، وأن يُعد الطعام ، وكان بيدها حذاء كانت تضربه بها وهي فوق ظهره ، لم يطق العيش معها ؛ فخرج من البيت هاربا منها ، ومن بطشها وعدوانها ، ذهب إلى منطقة جبلية ، فرأى من بعيد عددا من الرجال معتزلين الناس ، يعبدون ربهم ، رغب أبو يزيد أن يعيش معهم ، ولكنه فكّر وقال : من أين يأكلون ويشربون ؟ وكيف لي أن أحضر الطعام والشراب كما يحضرون ؟

تمكن أبو يزيد من الوصول إليهم ، واختبأ خلفهم يراقبهم سرا ؛ ليعرف من أين يحضرون الطعام والشراب كي يحضر مثلهم ، ووجد أن رجلا منهم يصعد على أعلى مكان في الجبل ، ويصلي ركعتين ، ثم يطلب من الله الطعام والشراب قائلا : اللهم ببركة صبر أبي يزيد البسطامي على زوجته أكرمنا برزقك ، فإذا بطعام شهي يأتي به ملك من السماء ، يأخذه الرجل ثم يذهب به إلى أصحابه ، كان أبو يزيد يسمع ويرى ، وقال في نفسه : الناس تتقرب إلى الله بصبري على زوجتي وأنا هارب منها ، عاد أبو يزيد أدراجه إلى بيته مستعدا لأن تفعل زوجته به أعظم ما كانت تفعل به من قبل ، وعندما دخل بيته ، فاجأته زوجته باستقبال حافل وتكريم كبير لم يعهد مثله من قبل ، وقالت له : لقد انكشف السرُّ . ( بمعنى أنها كانت من كبار الصالحات وكانت امرأة مكاشفة بنور الله ، أراد الله أن يختبره عندما سلطها عليه )


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ


لقد كان أبو يزيد البسطامي (ت 261**ه*) من الصوفية الذين غلبت عليهم أحوال الجذب والوجد واختطفوا عن أنفسهم بالكلية. ولذا فاضت الأقوال المأثورة عنه بالتعبير عن الفناء والغيبة والسكر ونحو ذلك مما يشير الى أنه كان في أغلب أحواله مأخوذا مشغولا عن نفسه وعن كل ما سوى الله بالله وحده.

1- ذكر عن أبي يزيد أنه قال: رفعني (أي الله تعالى) مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد ان خلقي يحبون أن يروك. فقلت زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني الى أحديتك حتى اذا رآني خلقك قالوا: رأيناك فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هناك.

2- ويقول أبو نصر السراج: سمعت ابن سالم يقول في مجلسه يوما: فرعون لم يقل ما قال أبو يزيد رحمه الله لان فرعون قال: أنا ربكم الأعلى، والرب يسمى به المخلوق فيقال: رب الدار، ورب البيت، وقال أبو يزيد رحمه الله: سبحاني! سبحاني. وسبوح وسبحان اسم من اسماء الله تعالى الذي لا يجوز أن يسمى به غير الله تعالى,

3- وقيل عنه أنه اجتاز بمقبرة اليهود فقال: معذورون. ومر بمقبرة المسلمين فقال: مغرورون.

4- "طاعتك لي يارب أعظم من طاعتي لك".

5- "لان تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة".

6-"غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه. فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته سبقت معرفتي، ومحبته أقدم من محبتي، وطلبه لي أولا حتى طلبته.

7- "سبحاني، سبحاني ما أعظم شأني! ما فى الجبة إلا الله".

8- خضنا بحورًا وقفت الأنبياء بساحلها

9- خرجت من الحق إلى الحق حتى صاح فيّ : يا من أنت أنا

10- أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت يقول أحدكم: حدثنا فلان عن فلان وأين فلان قالوا مات، وأما أحدنا فيقول: قلبي عن ربي

11- وقال: ما النار؟ لاستندن إليها غداً وأقول: اجعلنى لأهلها فداء أو لأبلعنها. ما الجنة؟ لعبة صبيان.

12- ان الله جعل لى معراجا كما للنبى معراج فأخرجه أهل بسطام من المدينة

13- كنت لي مرآة فصرت أنا المرآة

وهكذا يعبر البسطامي من خلال الشطحات عن الحب الالهي في أساليب رمزية مملوءة بالالغاز كعادته في معظم أقواله. فنراه يصف الصوفي في حبه لله ومعراجه اليه بأنه طائر يسبح في فضاء اللانهائية متحرراً من قيود الزمان والمكان، يطير في سماء "الهوية" ويدخل في فلك "التنزيه" ويشاهد شجرة الاحدية (بدلا من شجرة المنتهى التي شاهدها الرسول (ص) في معراجه) له جناحان من "الديمومة" يطير بهما في ميدان "الازلية" ويعلق الدكتور عفيفي على ذلك الشطح البسطامي قائلا: ان هذا كلام رجل مأخوذ عن نفسه، مسلوب عن صفاته، خارج عن حدود ذاته الزمانية والمكانية. فزمانه في حال جذبه "الديمومة" ومكانه "اللانهاية" وسماؤه "الهوية" وشجرة منتهاه "الاحدية"، وكل هذا وصف للحال التي يسميها الصوفية بالفناء.

فضلا عن كون ظاهرة الشطح غريبة في مصدرها وغريبة في منهجها فهي كذلك غريبة بل خطيرة فيما يترتب عليها وينجم عنها من أقوال وأفعال. وتأتي خطورتها في أنها تمثل أقوالا يأباها الوجدان الديني العادي، بما فيها من عبارات أقل ما يقال عنها انها عدم تأدب مع ذات الباري العظيم، وأكثر ما يقال عنها انها كفر. ومع التسليم بكون التصوف تجربة ذوقية _ ويعتبر البعض أن الشطح داخل فيها_ إلا أنه ليس كل مسلم مطالبا بخوض تلك التجربة حتى يحكم عليها. فهي اذن تجارب يصعب الحكم عليها، ومن خلال صعوبة الحكم عليها يمكن أن تكمن بعض الاتجاهات السلبية طالما أن المسألة تجربة (نسبية) وبعيدة عن العقل والوعي، وليس لها حدود من منطق، كما أنها ليس لها محك خاص يمكن أن تقوم بواسطته سوى (الذوق) نفسه حيث "ذق مذاق القوم ثم انظر ماذا ترى!".



ما روي عن احد طلاب ابو يزيد البسطامي انه تغيب عن درس ابو يزيد ، وكان في بيته ، يقول جائني خاطر" ان ابو يزيد على الباب فقم افتح الباب " يقول فتجاوزت الخاطر الاول ، فجائني نفس الخاطر مرة آخرى "ان ابو يزيد بالباب فقم وافتح الباب " فتجاوزته مرة آخرى .. فجائني نفس الخاطر للمرة الثالثة ، فقمت ففتحت الباب ، واذا ابو يزيد البسطامي على الباب وهو يقول لي لماذا لم تفتح من الخاطر الاول ...!!!


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ



ومن أقوال أبي يزيد:

قوله ناعياً على علماء الشريعة مفاخراً لهم: ((أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان، وأين هو؟ قالوا: مات، عن فلان وأين هو؟ قالوا: مات)).

(الفتوحات المكية ج1-ص365 ، والمواهب السرمدية صفحة 49 , والأنوار القدسية 99 , وطبقات الشعراني 1ـ5 , وتلبيس إبليس صفحة 344, والرحمة الهابطة صفحة 309).

وقال الغزالي غفر الله له: ((وكان أبو يزيد وغيره يقول: ليس العالِم الذي يحفظ من كتاب، فإذا نسي ما حفظه صار جاهلاً، إنما العالِم الذي يأخذ علمَهُ من ربِّه أيّ وقتٍ شاء بلا حفظٍ ولا درسٍ!)) (الإحياء: 3ـ24).

ويحدثنا عنه أبو حامد الغزالي فيقول: ((حُكي أن شاهداً عظيم القدر من أعيان أهل (بسطام) كان لا يفارق مجلس أبي يزيد البسطامي فقال يوماً: أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر ولا أفطر، وأقوم ولا أنام، ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئاً، وأنا أصدق به وأحبه!

فقال أبو يزيد: ولو صمت ثلاثمائة سنة، وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة!! قال: ولم؟ قال: لأنك محجوب بنفسك. قال: فلهذا دواء؟ قال: نعم. قال: قل لي حتى أعمله. قال: لا تقبله. قال: فاذكره لي حتى أعمل. قال: اذهب إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك، وانزع هذا اللباس، واتزر بعباءة، وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزاً، واجمع الصبيان حولك، وقل.. كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة، وادخل السوق، وطف الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك، وأنت على ذلك!!

فقال الرجل: سبحان الله، تقول لي مثل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك.. "سبحان الله" شرك!! قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمت نفسك، فسبحتها، وما سبحت ربك. فقال: هذا لا أفعله، ولكن دلني على غيره. فقال ابتدئ بهذا قبل كل شيء. فقال: لا أطيقه. فقال: قد قلت لك.. إنك لا تقبل..!)) (إحياء علوم الدين 4 ـ 358).

ويذكر البسطامي كذلك عن نفسه ما يأتي: ((رفعني مرة فأقامني بين يديه، وقال لي: يا أبا يزيد! إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا)) (اللمع: صفحة461).

وحكى القشيري في ترجمة أبي يزيد البسطامي ((وسئل عند ابتدائه وزهد , فقال: ليس للزهد منـزلة , فقيل له: لماذا ؟ فقال: لأني كنت خلال ثلاثة أيام في الزهد , فلما كان اليوم الرابع خرجت منه , ففي اليوم الأول زهدت في الدنيا وما فيها , وفي اليوم الثاني زهدت في الآخرة وما فيها , وفي اليوم الثالث زهدت فيما سوى الله تعلى , فيما كان اليوم الرابع لم يبق لي سوى الله تعالى فَهِمْتُ , فسـمعت قائلا يقول: يا أبا يزيد لا تقو معنا , فقلت: هذا الذي أريد , فسمعت قائلا يقول: وجدت وجدت. (الرسالة القشيرية صفحة 395)

قال أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه المحن: وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول حتى إنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول: لي معراج كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم معراج فأخرجوه من بسطام، وأقام بمكة سنتين ثم رجع إلى جرجان فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام.

وقال القشيري: ((قيل لأبي يزيد: ما أشد ما لقيت في سبيل الله.؟ فقال: لا يمكن وصفه , فقيل له: ما أهون ما لقيت نفسك منك.؟ قال: أما هذا فنعم , دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني فمنعتها الماء سنة)). (الرسالة القشيرية صفحة 395)

وكان يوماً يرتدي جبة ففتحها وقال: ((سبحاني ما أعظم شاني ، ما في الجبة إلا الله)). (شذرات الذهب 2ـ142 ، وفيض القدير 1ـ456).

ونقل ابن الجوزي عن أبي يزيد أنه قال: ((إن لله عباداً لو بصقوا على جهنم لأطفؤوها ولقد وددت أن قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على جهنم , فسأله رجل: و لم ذاك يا أبا يزيد ؟ فقال: إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد فأكون رحمة الله للخلق)) ثم قال: ((اللهم إن كان في سابق علمك أن تعذب أحداً من خلقك بالنار فعظم خلقي حتى لا تسع معي غيري)) وقال: ((وما النار.؟ والله لئن رأيتها لأطفئنها بطرف مرقعتي)) ( تلبيس إبليس 341 و343 و346).
من مواضيع : ahmed1981 0 كتاب ديوان النيل
0 سدوم و عمورة المؤتفكات قوم لوط
0 مسرحية الحسين شهيدا

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أعلام, الصوفية, كبار

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة


كبار أعلام الصوفية


الساعة الآن 12:30 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.3.1 نظم للإلكترونيات والبرمجيات
قصص وروايات | اخبار الفن | صور | صور فنانات | صور فنانات | حواء | ازياء | فيديو كليب | افلام عربي | افلام اجنبي | مصارعة حرة | صور سيارات | مكياج | صور زهور | كرة مصرية | برامج جوال | اغاني عربية | اغاني اجنبية | بلوتوث | اغانى افراح | اغانى السبوع | تحميل برامج | العاب | ازياء | صور اطفال | مسجات | اغانى اطفال | العاب كاملة | ايفون | صور حب | صور رومانسيه | حب افلام وثائقية |
‎كلنا عبد الفتاح السيسى

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174