كبار أعلام الصوفية - الصفحة 8 - منتديات حب جديد

التصفح سريع


منتديات محدثة : - اغانى زمان - مصارعة محترفين - طريق الاسلام

افلام عربية | افلام مصرية | افلام عربى | فيديو مضحك | فيديو رياضي | فيديو كليب | كارتون | حوادث | مسلسلات | مسرحيات | صور | اغانى | العاب بنات | وظائف

 


مواقع ننصح بيها :   اسلاميات موقع الكوثر - افلام - اغانى - شلة بنات - نظم للإلكترونيات والبرمجيات
العودة   منتديات حب جديد > المنتديات العامة > الحوار المفتوح

الحوار المفتوح اى موضوع او حوار


الدورى الفرنسى - الدوري الالماني - الدوري الايطالي - الدوري الانجليزي - الدوري الاسباني - الدورى المصرى


كبار أعلام الصوفية

الحوار المفتوح


روابط دعائية



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #36  
قديم 21-03-2008, 01:24 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى متألق
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

جلال الدين الرومي... بالعربية!

عبده وازن

كانت السنة 2007 سنة الشاعر الفارسي الكبير جلال الدين الرومي. عواصم ومدن عديدة في العالم لبَّت دعوة منظمة اليونسكو للاحتفاء به، شاعرًا وعالِمًا ورمزًا كونيًّا، في ذكرى مرور ثمانمائة عام على ولادته في بلخ من أعمال خراسان. وكانت هذه الذكرى حافزًا على ترجمة أعماله إلى لغات شتى وعلى إعادة اكتشافه وتدوين سيرته[1] وكتابة أبحاث عنه[2]. وقد رافقت الصحافةُ العالميةُ معظمَ الاحتفالات التي أحيتْها مؤسَّساتٌ عالمية هنا وهناك وهنالك.



العالمُ العربي لم يَبْدُ معنيًّا كثيرًا بهذه الذكرى! لم تسعَ أيةُ عاصمة عربية خلال هذه السنة إلى الاحتفاء لهذا الشاعر الكبير الذي قال عنه المستشرقُ آرثر جون آربِري، أحدُ مترجميه إلى الإنكليزية: «[...] واحد من أعظم شعراء العالم، عُمْقَ فكرٍ، وابتكارَ صورٍ، وتمكنًا راسخًا من اللغة». فالقاهرة، التي كانت أولى العواصم التي عرَّبتْه، لم تكرِّمه، ولا بيروت، ولا دمشق التي قَصَدَها مرارًا، ولا بغداد التي مرَّ بها مع عائلته[3].
كان منتظَرًا أن تعمد القاهرة إلى تكريمه، هي المشغوفة به منذ الستينيات، عندما أقدم الشاعر والأكاديمي المصري محمد عبد السلام كفافي على تعريب كتابين من المثنوي، العمل الشعري الضخم ذي الأجزاء الستة، وظل هذان الكتابان المرجع اليتيم لقراءة المثنوي عربيًّا. وقد صدر الجزء الأول في العام 1966 عن «المكتبة العصرية» في لبنان، وهي الدار التي كانت تُعنى آنذاك بما يصدر عن مجلة شعر. كانت ترجمة كفافي، ولا تزال، ممتعة جدًّا، متينة وبهية في لغتها الصافية التي تنساب انسيابًا، وبدت أمينةً على اللغة الأصل، تقترب من البلاغة لتكسرها وتتحرَّر منها.

ولكن بدءًا من العام 1996، باشر الكاتب المصري إبراهيم الدسوقي شتا إصدار ترجمته الكاملة للأجزاء الستة من المثنوي؛ وقد تبنَّاها «المشروع القومي للترجمة» في القاهرة في عهدة الناقد جابر عصفور[4]. وبدت هذه الترجمة حدثًا كبيرًا، وإنْ شابتْه بضعُ هنات في اللغة والسبك أو الصوغ. وتكفي العودة إلى ترجمة محمد كفافي السبَّاقة لإدراك الاختلاف بين ترجمة المعلِّم وتلميذه. فالراحل كفافي كان أستاذ شتا، الذي رحل أيضًا بعد صدور ترجمته لـالمثنوي؛ وقد شاء شتا أن يواصل مهمة أستاذه أو «رسالته»، معيدًا تعريب المثنوي كاملاً.



لا بدَّ من الاعتراف بأن قراءة ترجمة شتا تحول دون التمتع بها «وعورةُ» لغتها تارةً وركاكةُ هذه اللغة طورًا، وكذلك التسرعُ في بناء الجمل واختيار المفردات وصوغ الأبيات المزدوجة التي تنمُّ بها تقنيةُ المثنوي الشعرية. ترجمة «نثرية» جدًّا، وربما حَرْفية، كانت تحتاج إلى قلم شاعر متمكِّن من العربية يعمل مع المترجم ويعاونه على السبك والصوغ والصهر.

إلا أن هذه المآخذ لا تنفي الجهد الجبار الذي بذله شتا، وقد أفنى حياته في سبيل هذه الترجمة، التي ألحقها بترجمة كاملة لديوان الرومي الشهير أيضًا شمس تبريز الذي يضم غزلياتٍ صوفيةً بديعة. ويذكِّر جهد شتا بالجهد الذي بذله المستشرق البريطاني رينولد نيكلسون الذي صرف خمسة وعشرين عامًا في ترجمة المثنوي كاملاً إلى الإنكليزية وباشر نشرَه في العام 1925، فغدت ترجمتُه من أروع الترجمات التي حَظِيَ بها المثنوي، علاوةً على التفاسير والحواشي المهمة التي وضعها له. والنص الفارسي الأصلُ الذي اعتمده نيكلسون اعتمده محمد كفافي بدوره، نظرًا لاكتماله وصوابيَّته.

"سلطان العاشقين"، مولانا جلال الدين الرومي (1207-1273)

أجل، كانت القاهرة مدعوَّة إلى الاحتفاء لهذا الشاعر «الأوقيانوس» الذي لا تحدُّه تخوم؛ فهي العاصمة العربية شبه الوحيدة القمينة بمثل هذه المهمة. لكنه، ربما، الاضطراب الثقافي والسياسي الذي يسودها حالَ دون قيامها بذاك الاحتفاء. لكن جريدة أخبار الأدب لم تَدَعِ المناسبةَ تفوتها، فأفردت ملفًّا شبه شامل عن صاحب المثنوي، تناولت فيه جوانب من سيرته وشعره وتجربته الفريدة.

أما البادرة العربية الوحيدة اللافتة، فهي انطلاق خمسة كتَّاب عرب برحلة إلى قونية، مدينة الرومي التي تحتضن ضريحه، يسلكون عبرها طريقه ويكتبون من بعدُ انطباعاتِهم وملاحظاتِهم. وهذه البادرة ترعاها «مؤسسة السويدي» (أبو ظبي) ضمن اهتمامها بأدب الرحلة.

تتوالى الترجماتُ الأجنبية لأعمال جلال الدين الرومي. بعضُها ينطلق من الترجمات القديمة والسابقة، مجدِّدًا إياها، وبعضُها الآخر يواجه النصَّ الأصل ويقترح صيغته الجديدة. ومديح بعض الترجمات الأجنبية، مثل ترجمة نيكلسون أو آربِري إلى الإنكليزية أو ترجمة إيڤا دو ڤيتراي مئيروڤتش إلى الفرنسية وسواها، لا ينتقص من الترجمات العربية؛ لكن قارئ هذه الترجمات الأجنبية يشعر بمتعة في قراءتها وفي متابعة الحواشي والتفاسير التي تحف بها.

وما يجب عدم تجاهُله الترجماتُ العربية الأخرى التي أنجزها، مثلاً، الكاتب السوري عيسى علي العاكوب الذي عرَّب مختاراتٍ من ديوان شمس تبريز[5] وكتاب فيه ما فيه[6] كاملاً؛ وقد بدت ترجمتُه لغزليات شمس تبريز جميلةً ومتينةً وشعريةً جدًّا[7]. وجرى الكلام أيضًا على ترجمة مختارات من رباعيات الرومي، أنجزها الكاتب العراقي عمار كاظم محمد، ولكن لم يُعرَف عن أية دار صدرت. وقد تكون هناك ترجمات أخرى لم تَرُجْ، فظلت طيَّ النسيان، خصوصًا أن حركة النشر العربي تفتقر إلى الإحصاء والفهرسة – وهذا مأخذ كبير عليها.

مضت السنة 2007، سنة جلال الدين الرومي، من غير أن يحتفي له العالمُ العربي الغارقُ في أزماته! ترى هل يمكن لمعرض القاهرة للكتاب أن يلتفت إليه، ولو متأخرًا؟ هل يمكن لدمشق، «عاصمة الثقافة العربية» للسنة 2008، أن تُفرِدَ له حيزًا من برنامجها الاحتفالي؟

*** *** ***

عن الحياة، 31/12/2007

ببليوغرافيا جلال الدين الرومي بالعربية (مختصرة)

- إبراهيم، محمد عيد، رباعيات جلال الدين الرومي، دار الأحمدي، 1998.

- أخبار جلال الدين الرومي، بترجمة أبو الفضل محمد بن عبد الله القونوي، ناشر خاص، 2000.

- الاشتهاردي، محمد حمدي، قصص المثنوي، دار المحجة البيضاء، 1998.

- الأفغاني، عناية الله إبلاغ، جلال الدين الرومي بين الصوفية وعلماء الكلام، بتقديم يحيى الخشاب، الدار المصرية اللبنانية، 1987.

- الأفلاكي العارفي، شمس الدين أحمد، المنتخب من مناقب العارفين في أخبار جلال الدين الرومي، ناشر خاص، 2004.

- الرومي، جلال الدين، ديوان شمس تبريز، مكتبة الشروق الدولية، 2005.

- الرومي، جلال الدين، الرباعيات، بترجمة وتقديم عيسى علي العاكوب، دار الفكر، دمشق، 2004.

- الرومي، جلال الدين، كتاب فيه ما فيه، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر، دمشق/دار الفكر المعاصر، بيروت، 2002.

- الرومي، جلال الدين، المثنوي، بترجمة السيد محمد جمال الهاشمي، دار الحق، 1995.

- الرومي، جلال الدين، المثنوي، بترجمة وشرح وتقديم إبراهيم الدسوقي شتا، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، ستة مجلدات، 1996-1997.

- الرومي، جلال الدين، المثنوي، بترجمة وشرح تقديم إبراهيم الدسوقي شتا، دار ومكتبة بيبليون، باريس، مجلد واحد، 2004.

- الرومي، جلال الدين، المجالس السبعة: آفاق جديدة ورائعة في الرمزية الإسلامية، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر، دمشق، 2004.

- الرومي، جلال الدين، يد العشق: مختارات من ديوان شمس تبريز، بترجمة وتقديم عيسى علي العاكوب، منشورات المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، دمشق، 2002.

- الرومي، جلال الدين، سعدي الشيرازي، حافظ الشيرازي، روائع من الشعر الفارسي، بترجمة محمد الفراتي، منشورات وزارة الثقافة، 2002.

- سقا أميني، ماهر، بصائر من وحي كلمات مولانا جلال الدين الرومي، دار النفائس، طب 2: 2007.

- شيمِّل، أنيماري، الشمس المنتصرة: دراسة آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي، بترجمة عيسى علي العاكوب، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران، 2003.

- غالب، مصطفى، جلال الدين الرومي، مؤسسة عز الدين، بلا تاريخ.

- فروزانڤر، بديع الزمان، من بلخ إلى قونية: سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر المعاصر، بيروت، 2006.

- دو ڤيتراي مئيروڤتش، إيڤا، جلال الدين الرومي والتصوف، بترجمة عيسى علي العاكوب، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران، 2000.

- الهاشمي، السيد جمال، رسالة الإلهام بين مدرسة جلال الدين الرومي وعلم النفس الحديث، دار الهادي، بيروت، 2005.




--------------------------------------------------------------------------------

[1] راجع: بديع الزمان فروزانڤر، من بلخ إلى قونية: سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر المعاصر، بيروت، 2006. (المحرِّر)

[2] راجع: أنيماري شيمِّل، الشمس المنتصرة: دراسة آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي، بترجمة عيسى علي العاكوب، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران، 2003. (المحرِّر)

[3] لا يسعنا هنا إلا أن نحيِّي الجهد المرموق الذي بذلَه ويبذله المفكر واللغوي السوري د. عيسى علي العاكوب، أستاذ البلاغة والنقد في قسم اللغة العربية ورئيس قسم اللغة العربية في جامعة قطر، في ترجمة كتب جلال الدين الرومي عن الفارسية مباشرةً ومؤلَّفات أخرى من خيرة ما كُتِبَ فيه عن الفارسية والإنكليزية (انظر الببليوغرافيا). (المحرِّر)

[4] مثنوي مولانا جلال الدين الرومي، 6 مجلدات، بترجمة وشرح وتقديم إبراهيم الدسوقي شتا، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، 1996-1997؛ هذا ويبدو أن هناك طبعةً مختصرةً للكتاب في مجلد واحد صدرت في العام 2004، أي بعد وفاة المترجم (انظر الببليوغرافيا). (المحرِّر)

[5] يد العشق: مختارات من ديوان شمس تبريز لجلال الدين الرومي، بترجمة وتقديم عيسى علي العاكوب، منشورات المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق، 2002.

[6] كتاب فيه ما فيه لمولانا جلال الدين الرومي، بترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر، دمشق/دار الفكر المعاصر، بيروت، 2002.

[7] ترجم د. عيسى علي العاكوب أيضًا الرباعيات والمجالس السبعة؛ والكتابان صدرا في دمشق في العام 2004 (انظر الببليوغرافيا). (المحرِّر)



ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ

800 عام على ميلاد جلال الدين الرومى

حسن عبد الموجود



لقبه كان خداوند كاري
ومعناه شيخنا
أو مولانا


اللقب حصل عليه صغيرا جدا. والده هو من أطلقه عليه، لأنه شعر بصلاحه المبكر وتقواه. وهذا اللقب يتبع عادة ب 'الرومي' نسبة إلي الأناضول، لأنه في تلك المنطقة أمضي جلٌ حياته، ومنها ذاع صيته إلي العالم الذي عرفه أيضا بهذا الاسم المميز، 'الرومي'.


في كتابه 'جلال الدين الرومي والتصوف' يذهب الباحث إيفادي فيتراي ميروفتش إلي أن والده كان أستاذا صوفيا وعالم دين، وواعظا بليغا التف حوله عدد كبير من المريدين، وذاع صيته باسم بهاء الدين ولد، ولقب ب 'سلطان العلماء' وكان ولد سنة 1148م وتوفي 1231 في مدينة قونية وخشية الغزو المغولي غادر بلخ سريعا مع عائلته 1219 وبعد سنة من مغادرة الأسرة أتي الغزو علي بلد الرومي تماما. توجه بهاء الدين بأسرته أولا إلي مكة لأداء فريضة الحج، وفي نيسابور التقوا بالشاعر الصوفي الكبير فريد الدين العطار.


وبحسه الكبير وخبرته في الحياة توقع العطار للصغير أن يكون صاحب منزلة رفيعة في قلوب عشاق الصوفية وقدم له كتابه 'أسرار نامه'، وهذا الموقف جعل الرومي مدينا طوال القوت للعطار وكثيرا ما كان يردد: 'لقد اجتاز العطار مدن الحب السبع بينما لا أزال أنا في الزاوية من ممر ضيق'!
ويروي الأفلاكي أنه بعد الترحال من بيت إلي بيت وصل بهاء الدين بصحبة أسرته إلي (لارندة) التابعة لقونية، وبعد أن أصبح جلال الدين الرومي شابا تزوج من ابنة خوجة شريف الدين لا لا السمرقندي. كان رجلا محترما وابنته فائقة الجمال وغاية في الثقافة والكمال تدعي (جوهر خاتون).


اشتغل بهاء الدين ولد عموما في وظيفته الخاصة بالوعظ والتعليم في قونية وعندما توفي خلفه جلال الدين (24 عاما)، وبعد عام جاء مريد قديم لوالده، وهو برهان الدين محقق الترمذي ليري شيخه القديم، وفوجيء برحيل شيخه فلازم جلال الدين وصار أستاذ الرومي علي مدي 9 سنوات، حيث أوفده إلي حلب للدراسة فقد كانت مركزا ثقافيا مزدهرا، بعدها أقام مولانا عددا من السنوات في دمشق، وهناك قابل واحدا من أعظم الصوفية والمفكرين. الشيخ محيي الدين بن عربي الذي كان يمضي السنوات الأخيرة من حياته. كان الرومي قد لقيه قبل ذلك عندما وصل إلي دمشق طفلا صغيرا بصحبة أبيه، ويقال إن ابن عربي عندما رآه يمشي خلف بهاء الدين صرخ: 'سبحان الله، محيط يمشي خلف بحيرة'!


وبعد غياب دام سبع سنوات عاد الرومي إلي قونية واستقر في مدرسته، ومن سنة 1240 إلي 1244 تولي تعليم الشريعة ومباديء الدين في هذه المدرسة كما تولي التوجيه الروحي.


كانت حياته تشي بأنها ستسير هكذا إلي أن وجد نفسه في موقف غيٌر حياته وجعله صوفيا محترقا بالمحبة الإلهية: 'كنت نيئا، ثم أنضجت والآن أنا محترق' فما الذي حدث؟


بصحبة شمس تبريزي


عندما وصل شمس تبريزي إلي قونية كان مولانا يجلس بالقرب من نافورة وقد وضع كتبه بجانبه. أشار إليها شمس وسأل: ما هذه؟
وأجاب مولانا: هذه كلمات. لماذا أنت مهتم بها؟!


وسحب شمس الكتب في حركة مفاجئة وألقي بها في مياه النافورة. وسأله مولانا ربما بجذع : 'ماذا فعلت؟ في بعض من هذه الكتب كان ثمة مخطوطات مهمة ورثتها عن والدي ولايمكن أن توجد في موضع آخر'..
وللمرة الثانية يفاجيء شمس.. مولانا، حيث مد يده إلي الماء وأخرج الكتب واحدا واحدا دون أن يصاب أحدها بالبلل.


وكان طبيعيا أن يسأل مولانا: 'ما هذا السر؟'.


وأجاب شمس: ذلك يدعي الشوق إلي الله.


وكما يقول إيفادي: شمس سأل مولانا: ما الغاية من المجاهدات والمكابدات الروحية وما الغاية من تكرار الصلاة ومن العلم؟


أجاب مولانا: 'لفهم التقليد ورسوم الدين'.


قال شمس: 'هذا كله شيء خارجي'؟


وسأل مولانا: 'فما الذي بعد ذلك؟'.


أجاب شمس: العلم أن تنتقل من المجهول إلي المعلوم، وألقي هذه الأبيات من شعر سنائي:


'اذا لم يحرر العلم النفس من النفس
فإن الجهل خير من علم كهذا'


هنا وقع مولانا علي قدمي شمس وتخلي عن تعليمه


يشير المؤلف إلي أن عمل الرومي كله وحياته كلها صارا صدي للانبهار بذلك اللقاء'.


وبعد أن أمضيا معا 16 شهرا قرر شمس الذهاب إلي دمشق لأنه كان دائما عرضة لهجمات مريدي الرومي الذين كانوا شديدي الغيرة من تأثيره في عقل شيخهم.


وقد أرسل جلال الدين الحزين ابنه سلطان ولد إلي شمس يتوسل إليه ليعود إلي قونية، ووافق شمس لكن المضايقات بدأت من جديد، واختفي شمس لتنتشر الشائعات وأكثرها قسوة أنه قتل وكان من بين القتلة أحد أبناء الرومي. علاء الدين بالتحديد.


وسافر الرومي إلي دمشق مرتين علي أمل أن يلقي 'شمس' ولكن لم يحدث. وقد نظم في ذكري شيخه مجموعة من الأناشيد تحمل اسمه: 'ديوان شمس تبريزي' (أيها السيد تعال، أيها السيد تعالي، أيها السيد عد).
مرحلة صلاح الدين فريدون


فقد مولانا كل أمل في ظهور شمس فاختار صلاح الدين فريدون زركوب صديقا وجعله شيخا لمريديه. صلاح الدين كان أيضا مريدا لبرهان الدين محقق الترمذي وكان يسكن في مدينة قونية، وفي أحد الأيام جاء إلي المدينة بينما مولانا يخطب في المسجد. تقدم ووقع علي قدمي الرومي، متلازمين حتي وفاة صلاح الدين 657 ه. وقد تزوج سلطان ولد، ابن الرومي من فاطمة خاتون ابنته.


خلال صداقة مولانا بصلاح الدين تجددت نار الغيرة في قلوب المريدين، وعاملوا صلاح الدين بشكل سييء، والرجل لم يكن سوي عامل طلاء بسيط. كانوا يحدثون أنفسهم: 'أنقذنا من الأول (يقصدون شمسا) وكل ما يقال أننا وقعنا في فخ، هذا الرجل أسوأ من صاحبه الأول، لايتمتع بمهارة الكتابة وليس عنده علم أو فصاحة، جاهل من الجهلة'.


مولانا أشار إلي عداوة مريديه لصلاح الدين في 'فيه ما فيه' كما تحدث عنه في 'ديوان شمس تبريز'. واختار مولانا حسام الدين جلبي الاستاذ التالي لمريديه، وأضفي عليه قدرا عظيما من التبجيل، وربما بسببه نظم 'المثنوي'، فقد اقترح حسام الدين أن يؤلف الرومي رسالة شعرية تتضمن آراءه وتعاليمه. وقال له الرومي انه فكر في هذا الموضوع من قبل وانه سيبدأ فعلا في هذا..


هكذا انتهي مولانا من نظم كتابه الرائع، المثنوي، هو يرتجل وحسام الدين يكتب الأبيات وينشدها، والكتابة أحيانا كانت تستغرق الليل كله وهذا يوضح إلي حد كبير الجهد الذي بذله الاثنان للانتهاء من هذا العمل. غير أن العمل توقف لمدة عامين لوفاة زوج حسام الدين، ثم استأنف الرومي نظمه حتي رحل إلي ربه.


منابعه الأولي

يذكر الدكتور عناية الله الأفغاني في كتابه 'جلال الدين الرومي بين الصوفية وعلماء الكلام' أن التربية في بلخ مسقط مولانا لم يكن لها شكل معين، بل كان الآباء ومن يحذون حذوهم يقومون بتكوين الصغار، وكانت أسرة والده بهاء الدين معروفة بالأدب وحسن الخلق، وأخذ مولانا علوم عصره من والده. كان يحضر محاضراته ومجالسه الصوفية ويدخل في مناقشات خاصة بقضايا أكبر من سنه، وبعد وفاة الوالد لم يكتف جلال الدين وبدأ في البحث عن منابع أخري للعلم، وأخذ يرتب مؤلفات الوالد: 'لا أزال بحاجة إلي الاستفادة مما تركه والدي'..


والسؤال لماذا سيطرت الصوفية علي عقل الرومي؟


يقول عناية الله: كانت هجرة أسرة جلال الدين البلخي من بلخ إلي تركيا هجرة من أرض الفكر والتصوف إلي أرض الفكر والتصوف يتوسطهما الاقامة المؤقتة ببعض البلدان العربية المعروفة بتربية الصوفية.
يقول مولانا في كتابه 'فيه ما فيه': 'لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرك وينشر برك، تعلمه شيئا من أمر دينك أو تتعلم منه في الدين' وهذا يدل علي أنه كان متأثرا بالبيئة التصوفية وبأقوال الصوفية.


حكايات مولانا


تبدو حكايات مولانا أقرب إلي الأساطير، ولكنها ذلك النوع من الأساطير النورانية التي تناسب شخصيته.


في يوم من الأيام شكل أصدقاؤه حلقة علي ضفاف بركة. يقول الأفلاكي: 'كان شيخنا المحاط ببحر من الأنوار يحكي لنا حقائق عالم الظاهر، وبالمصادفة أخذت كل الضفادع في البركة في النقيق معا، صرخ بها أستاذنا بصوت مخيف: (ما هذا الضجيج؟ أمن حقك أن تتكلمي أم من حقنا؟) توقفت كلها حالا، لفها الصمت، وكل الحيوانات كانت صامتة، وعندما انتبه الشيخ مضي إلي البركة وعمل إشارة تعني (من الآن فصاعدا يسمح لك بالتحدث)، ومباشرة استأنفت الضفادع جميعا نقيقها.


كما كان مرة يخطب حول مباديء التصوف في أهل قونية الذين اجتمعوا في السوق، وفي وقت صلاة العشاء شكلت الكلاب حلقة حوله، كان يسترق النظر إليها باستمرار ثم يواصل شروحه، كانت الكلاب تهز أذنابها ببهجة. قال الشيخ: 'أقسم بالله العظيم ان هذه الكلاب تدرك معرفتنا الروحية' ثم قال: 'هذا الباب وهذا الجدار يحكيان أشياء دقيقة، النار والماء والتراب كلها تحكي حكاياتها'


وفي أحد الأيام كان صديق له يدق مسمارا في جدار واحدة من حجرات المدرسة فقال له الرومي: 'هذه الحجرة كانت حجرة شيخنا شمس الدين، ألا تخاف من دق مسمار فيها؟ لاينبغي لأحد أن يفعل هذا، أحس كأن أحدا يدق المسمار في قلبي'..
يقول إيفادي:


ولم يفرق مولانا ولامريدوه بين الأديان، وأي شخص في مقدوره أن يغدو جزءا من بطانته. وبعد وفاة زوجه الأولي، التي تركت له طفلين صغيرين، تزوج مولانا من امرأة نصرانية، هي خيرة خاتون من قونية، وقد اعتنقت الاسلام. كان محبوبا من أبناء الجالية المسيحية، ومن أبناء الأديان الأخري. وقد امتد تسامحه أيضا إلي غير المؤمنين. وكان يقول: 'الناس جميعا مصنوعون من أجزاء شخص واحد، وهو ما يمثله حديث النبي غ 'اللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون' قومي، أي، أجزائي المكونة للكل، لأنه ان لم يكن غير المؤمنين جزءا منه، فإن 'قومي' لن يكونوا الكل'.


آثر أن يستشهد بقول السنائي: 'الإلحاد والإيمان يسيران معا علي طريق الرب. ويشدد علي وحدة الهدف الذي يسعي البشر جميعا لتحقيقه. 'هناك طرق كثيرة للبحث لكن غاية البحث واحدة دائما. ألا تري أن الطرق إلي مكة مختلفة كثيرا، واحد يأتي من بيزنطة، الآخر من الشام، أخري في البر أو البحر؟ الطرق مختلفة، والهدف واحد... وعندما يصل الناس إلي هناك تحل كل الخلافات أو النزاعات أو التباينات التي حدثت في الطريق. وأولئك الذين كان بعضهم يقول لبعض في الطريق: 'أنت مخطيء'، أو 'كافر' ينسون خلافاتهم عندما يصلون لأن:


القلوب هناك تكون في انسجام'.


أمضي مولانا جلال الدين بقية حياته في قونية، يؤلف عملا ضخما وينشر تعليمه الروحي بين نظرائه وأصدقائه وتلاميذه. ويلتقي الأخيرون ضمن الطريقة الصوفية التي أوجدها والتي ظلت دائما موسومة بسماته الشخصية: الإنسانية، والأخوة، والتواضع، والسماحة.



ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
من مواضيع : ahmed1981 0 شخصيتك .. و أين تحب أن تأكل
0 الفرقان الحق.. كتاب أمريكا المزيف
0 الفنان جمال سليمان

رد مع اقتباس
روابط دعائية


  #37  
قديم 21-03-2008, 01:30 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى متألق
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

كتاب جلال الدين الرومي و التصوف
أحمد الحسين - باحث من سورية.‏

مقدمة:‏

صدر هذا الكتاب القيم للمستشرقة الفرنسية المعاصرة ايفا دي فيتراي –ميروفيتش بترجمته العربية سنة 2000 عن مؤسسة الطباعة والنشر في وزارة الثقافة الإيرانية، وكان قد تُرجم إلى الانكليزية سنة 1987 ثم قام بترجمته من الانكليزية إلى العربية الدكتور عيسى علي العاكوب.‏

يقع الكتاب في 232 صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من مقدمة للمترجم ومدخل للمؤلفة وأربعة مباحث أساسية هي:‏

-الشيخ وحياته وطريقته وآثاره.‏

-الطريق الروحي أو التصوف عند جلال الدين الرومي.

-التعليم الصوفي.‏

-حضور التصوف؛ بالإضافة إلى ثبت بالمراجع وبعض الصور والرسوم الإيضاحية.‏

أولاً –الشيخ: حياته، طريقته، آثاره.‏

في عصر كان يمور بالاضطرابات والصراعات الداخلية والخارجية ولد جلال الدين الرومي، وكانت ولادته سنة 1207 م في مدينة بلخ، التي نسب إليها كبار العلماء والفلاسفة والفقهاء، كالفردوسي وابن سينا، والغزالي، وقد غادرها أبوه بهاء الدين وَلَد، الملقب بـ "سلطان العلماء"، وهو صوفي وعالم دين سنة 1219م، هرباً من الغزو المغولي القادم من الشرق، والذي دمّر المدينة بعد عام وأتى عليها.‏

توجه بهاء الدين إلى مكة لأداء فريضة الحج، وفي نيسابور التقى الشاعر الصوفي المشهور فريد الدين العطار، الذي أهدى إلى جلال الدين الرومي كتابه "أسرار نامه".‏

لقد ظل الرومي معجباً بالشاعر الصوفي طوال عمره، وكان يردّد القول "لقد اجتاز العطار مدن الحب السبع بينما لا أزال أنا في الزاوية من ممر ضيق".‏

بعد العودة من مكة استقرت عائلة الرومي في أَرْزَنْجان وهي مدينة في أرمينيا، احتلها علاء الدين كَيْقُباذ السلجوقي، ومنها دعا بهاء الدين ولَد، والد جلال الدين إلى قونية، ولما وصل إليها استقبلّه بالتبجيل والاحترام ورحب به، وبنى لـه مدرسة في وسط البلدة، وكان بهاء الدين رفض عرض كيقباذ بأن يقيم معه في قصره.‏

كان جلال الدين يدعى عادة "خداوندكار" ومعناه مولانا أو شيخنا، أطلق عليه ذلك والده بهاء الدين مذ كان صغيراً، وبذلك كان ابنه "سلطان ولد" يخاطبه، وبهذا الاسم عرف بتركيا، وفي أصقاع العالم الإسلامي كافة.‏

أما الرومي فهي نسبة إلى إقامته في الأناضول، فيقال مولانا: جلال الدين الرومي. ويروى أن جلال الدين تزوج من ابنة خوجه شريف الدين لالا السمرقندي سنة 623ه* (1226) فأنجب منها سلطان ولد، وعلاء الدين جلبي.‏

وبعد وفاة بهاء الدين ولد سنة 1231م في قونيه حل ابنه جلال الدين الرومي مكانه في منزلته العلمية والدينية، وهو آنذاك ابن أربع وعشرين سنة.‏

تتلمذ الرومي على يد برهان الدين محقِّق الترمذي، ثم توجه إلى حلب للدراسة ومنها انتقل إلى دمشق، وكان الشيخ محيي الدين بن عربي يمضي بها السنوات الأخيرة من حياته، ويروى أن ابن عربي رأى الرومي من قبل يمشي خلف والده بهاء الدين، فقال: "سبحان الله محيط يمشي خلف بحيرة".‏

عاد جلال الدين إلى قونيه، واستقر في مدرسته، وتولى تعليم الشريعة ومبادئ الدين والتوجيه الروحي، حتى عرض له حادث غيّر مجرى حياته، وجعله صوفياً محترقاً بالمحبة الإلهية، كما عبّر عن حاله بالقول: "كنت نيئاً، ثم أنضجتُ، والآن أنا محترق".‏

ترجع بداية ذلك عندما التقى جلال الدين الرومي بشمس تبريز، الدرويش الجوال، الذي وصل قونية سنة 1244م، وأقام في أحد خاناتها منقطعاً إلى نفسه، وذات يوم تعرّض شمس لموكب الرومي وتلامذته، وجرت بينهما محاورة قصيرة، أغمي فيها على "مولانا" جلال الدين، وعندما استعاد وعيه أخذ شمساً إلى المدرسة. وهنالك اعتزلا الناس في خلوة لمدة أربعين عاماً، صار بعدها "شمس" الأستاذ الروحي للرومي، والذي ظل يحتفظ لأستاذه طوال حياته بحب وعرفان للجميل لا حدود لهما. وبلغ من تأثير شمس أنه استحوذ على روح الرومي ومشاعره، ولم يعد يصبر عنه مما دفع مريديه إلى اغتياله سنة 1247م.‏

وبعد اختفاء شمس أنشأ الرومي الحفل الموسيقي الروحي، المعروف بالسماع، ثم نظم في ذكرى شيخه وأستاذه الروحي مجموعة من الأناشيد حملت اسمه "ديوان شمس تبريزي"، وهي مجموعة أناشيد وقصائد تمثل الحب والأسى، وإن كانت في جوهرها تنشد الحب الإلهي المقدس.‏

بعد ذلك اختار الرومي صديقاً وشيخاً لمريديه، هو "صلاح الدين فريدون زركوب" وكان هو الآخر مريداً لبرهان الدين محقق الترمذي، وكان صلاح الدين صانعاً بسيطاً، عمله الزخرفة والطلاء بالذهب "زَرْكُوب"، ولكنه كان "يمتلك العلم الحقيقي الذي هو العلم بأمور الله".‏

لقد أثار ذلك غيرة مريدي الرومي، الذين فكرّوا بالتخلّص من صلاح الدين، لكنه توفي سنة 1258م. بعدها اختار الرومي حسام الدين جلبي أستاذاً لمريديه، وأضفى عليه قدراً عظيماً من الاحترام والتبجيل، وقد اقترح حسام الدين أن يؤلف الرومي رسالة شعرية تتضمن آراءه وتعاليمه، فأجابه إلى ذلك، وبدأ بنظم المثنوي. وكان الرومي يرتجل وحسام الدين يكتب الأبيات وينشدها، وقد استمر ذلك إلى أن وافت المنية الرومي سنة 672ه* /1273م.‏

* طريقة الدراويش الدّوارين "المولوية":‏

أسس جلال الدين الرومي في تركيا الطريقة المولوية، ونظّمها بعد وفاته ابنه الأكبر سلطان وَلَد. ومن سماتها وخصائصها التي عرفت بها "الرقص المعروف، أو السماع" الذي أعطى الأعضاء اسم الدراويش الدوارين.‏

كانت قونيه المقّر الأول للطريقة، ومنها انبثقت التكايا التي هي بمثابة فروع للمركز وصار السلاطين والأمراء هم الذين يبنون التكايا منذ القرن العاشر الهجري، وفي عهد السلطان سليم الثالث شهدت الطريقة أوج مجدها، وانتشارها.‏

لم تكن الطريقة في بداية حياة الرومي مركزية تماماً، فهنالك المقر في قونيه وله فروع من التكايا في المناطق الأخرى. وكانت بطانة الرومي تتألف من الفنانين والحرفيين والصناع المهرة، الذين كانوا يقومون بكل الأعمال.

لم تكن المولوية تميز بين الأديان والطوائف، بل ترفض التعصب وتنبذه. وكان أعضاؤها ينطلقون في جماعات إلى القرى، لمساعدة الفقراء، وإقامة حفلات السماع التي تعزي القلوب الحزينة.‏

وبدءاً من القرن العاشر الهجري، السادس عشر للميلاد، تغيرت الطريقة فأصبح التنظيم مركزياً، وتولت الأوقاف تنظيمه، والإشراف عليه وضبط الهبات والأعطيات لـه، مما أفقده طابعه الشعبي، وصار أرستقراطياً، يبتعد شيئاً فشيئاً عن روح مؤسسه جلال الدين الرومي.‏

ويبدو أن خوف السلاطين العثمانيين من مواقف بعض الفرق الصوفية جعلهم يدعمون المولوية في مواجهة الحركات والفرق الأخرى، ومن هنا أصبحت المولوية في القرن الثامن عشر جزءاً من مؤسسات الدولة العثمانية.‏

وفي سنة 1925م قمع أتاتورك كل الطرق في تركيا، فأصبحت تكية حلب مركزاً للتكايا الأخر بعد قونيه، ثم استولت الأوقاف التركية على ممتلكاتها، وتحولت أكثر التكايا إلى متاحف، ورغم ذلك فما زال هنالك مراكز مولوية في مصر، وقبرص وليبيا وغيرها.‏

* تأثير الطريقة المولوية:‏

انتشر تأثير الطريقة المولوية في رقعة شاسعة من الأرض، تمتد ما بين أذربيجان إلى فينا ومع انتشار التكايا انتشر المثنوي، وأصبح له شعراؤه العظام، ومنهم:‏

إبراهيم بك، وسلطان ديواني، وأرزي وديدي، وشيخ غالب وسواهم. كما انتشرت الموسيقى المولوية، ورقص السماع، وأثرت التقاليد الفنية للطريقة في فني الرسم والخط.‏

ويعد السماع، أو الرقص الكوني للدراويش الدوارين، من أشهر فنون الطريقة المولوية. وهو طقس له رمزيته، فالثياب البيض التي يرتديها الراقصون ترمز إلى الأكفان، والمعاطف السود ترمز إلى القبر، وقلنسوة اللباد ترمز إلى شاهدة القبر، والبساط الأحمر يرمز إلى لون الشمس الغاربة، والدورات الثلاث حول باحة الرقص ترمز إلى المراحل الثلاث في التقرب إلى الله، وهي طريق العلم، والطريق إلى الرؤية والطريق المؤدي إلى الوصال. وسقوط المعاطف السود يعني الخلاص، والتطهر من الدنيا، وتذكر الطبول بالصور يوم القيامة. ودائرة الراقصين تقسم على نصفي دائرة، يمثل أحدهما قوس النزول أو انغماس الروح في المادة، ويمثل الآخر قوس الصعود، أي صعود الروح إلى بارئها. ويمثل دوران الشيخ حول مركز الدائرة الشمس وشعاعها، أما حركة الدراويش حول الباحة فتمثل القانون الكوني، ودوران الكواكب حول الشمس وحول مركزها.‏

* وفاة الرومي وآثاره:‏

توفي جلال الدين الرومي سنة 1273م، تاركاً ديوان شعر ضخماً يضم نحواً من خمسة وأربعين ألف بيت، مقسم على ستة أجزاء، وقد جاء اسمه (المثنوي) من الوزن العروضي الخاص المستخدم في نظمه، ويتألف من أبيات مفردة مقسمة على شطرين مقفّيين، ينطوي كل منهما على عشرة مقاطع، ومضمون المثنوي حكايات وأحاديث نبوية وأساطير، وموضوعات من التراث الشعبي، ومقتبسات قرآنية، وهو ملحمة صوفية.‏

كما ترك الرومي ديوان شعر عنوانه "شمس تبريزي"، وله كتاب نثري عنوانه "فيه ما فيه"، ويتألف من أحاديثه التي دونها ابنه الأكبر سلطان وَلَد، وهو على قدر كبير من الأهمية لفهم فكر الرومي والتصوف بشكل عام، ومن مؤلفاته الأخرى: "المجالس السبعة"، وهو مجموعة من النبوءات الشهيرة، وله كذلك "خوابنامه": وهو كتيب في تفسير الرؤيا، بالإضافة إلى رسائل الرومي: التي تكشف عن حياته الخاصة والمرحلة التي عاش فيها.‏

ثانياً –الطريق الروحي –التصوف:‏

يقول سنائي "إذا سألتني يا أخي ما علامات الطريق فسأجيبك بوضوح لا لبس فيه: الطريق أن تنظر إلى الحق وتزهق الباطل ولا يكون التصوف حقيقياً ما لم يحقق بطريقتين: التزام الشرع والبحث عن المعنى الباطني. فالشريعة تختص بالشعائر والأعمال التعبدية، بينما تتعلق الحقيقة بالرؤية الباطنية للعظمة الإلهية. وتوجه الشريعة من أجل عبادة الله، بينما توجه الحقيقة من أجل التفكير فيه، وتوجد الشريعة لكني نطيع أوامره، بينما تجعلنا الحقيقة نفهم أوامره.‏

وقد أكد الرومي في مثنوياته التلازم الوثيق بين الشريعة والحقيقة، فقال:‏

"الشرع مثل قنديل يضيء الطريق، فإذا كنت لا تحمل القنديل لا تستطيع أن تمشي، وعندما تتقدم في الطريق تكون رحلتك هي الطريقة، وعندما تكون قد وصلت إلى الهدف تكون قد بلغت الحقيقة".‏

وبمعنى آخر "تشبه الشريعة تعلّم الكيمياء من أستاذ أو كتاب. وتُشبه الطريقة استخدام منتجات الكيمياء، أو فَرْك النحاس بالحجر الكيميائي. وتشبه الحقيقة تحول النحاس فعليّاً إلى ذهب، والشريعة تمثل الطريق الواسع المعد للناس جميعاً، في حين أن الطريقة مسلك ضيق من نصيب العدد القليل من أولئك الذين يريدون تحقيق مرتبتهم الكاملة بوصفهم أناساً كُملاً".‏

ولما كانت طبائع الأفراد والشخصيات وقدراتهم الروحية متباينة، فإنه يمكن القول بأن هنالك طرقاً فردية بقدر ما أن هنالك أفراداً يبحثون عن الله. ومن هذا المنطلق لا يستطيع المتصوفة تقديم تفسير عقلاني للطريقة، لأن المعرفة التي ينشدونها يتم بلوغها والتوصل إليها فقط بفضل من الله، وبمساعدة التعاليم الروحية، وتوجيهات شيخ الطريقة.‏

لهذه الأسباب ليس ثمة إجماع على تعريف التصوف، فقد يعود معنى التصوف إلى الصوف أو الصفاء أو إلى أصحاب الصَّفَة من أصحاب النبي (، ورغم ذلك فثمة تعريفات مختلفة تشرح التصوف وتعرِّف به، من ذلك ما قاله بذو النون:‏

"الصوفي هو الذي عندما يتكلم يعكس كلامه حقيقة وجوده". وقال أبو الحسن النوري: "الصوفي هو من لا يملك شيئاً ولا يمتلكه شيء"، كما قال النيسابوري: "التصوف أن لا يهتم الإنسان بظاهره وباطنه، بل ينظر إلى كل شيء على أنه لله".‏

*الدربة على الطريق:‏

إن بداية الطريق، كما يذكر جلال الدين الرومي، تقتضي تغييراً في الإدراك، وتحولاً في المعرفة، ودأباً في السؤال. والبحث الذي يهدف إلى إغناء التجربة الروحية للصوفي، وعروج الروح إلى ربها في رحلة إسراء، يتطلب من السالك محاولة تسلق سُلم السلسلة الكونية للوجود، حيث يخاطب الإنسان نفسه فيقول:‏

في اللحظة التي دخلتَ هذا العالم‏

وُضع أمامك سلمٌ ليمكنك من النجاة.‏

في الأول كنت جماداً ثم صرت نباتا،‏

ثم بعدئذ صرت حيواناً: كيف يمكن أن تتجاهله؟‏

ثم جُعلت إنساناً موهوباً معرفةً وعقلاً وإيماناً.‏

انظر إلى هذا الجسد المصنوع من التراب أي كمالٍ اكتسب،‏

وعندما تتجاوز شرط الإنسانية لا شك في أنك ستغدو ملاكاً،‏

بعدئذ ستنتهي من هذه الأرض، وإقامتك ستكون في السماء.‏

ويتبّين مما سبق أن السير على طريق الصوفية يتطلب لدى المولوية إعداداً خاصاً، يخضع المبتدئ بموجبه إلى تدريب روحي يستمر ثلاث سنوات. فإن استجاب لكل ما يطلب منه شيخه قبُل في الطريقة، وأصبح واحداً من أعضائها.‏

ويقوم المبتدئ في السنة الأولى بخدمة الناس، وفي الثاني بخدمة الحق، وفي الثالثة بمراقبة قلبه. ولا يستطيع المريد المبتدئ خدمة الناس إلا إذا نظر إليهم على أنهم أسياد وخير منه، ورأى واجباً عليه خدمتهم جميعاً. ولا يستطيع خدمة الحق إلا إذا تخلّى عن كل غرض ذاتي، سواء أكان من أجل هذه الحياة الحاضرة أو الحياة الآجلة. أي التأكيد على أنه إنما يعبد الله حبّاً لله فقط. وليس في مقدوره أن يحرس قلبه إلا عندما يجمع أفكاره، ويكون قد تخلى عن كل شاغل على نحو يبقى فيه في حديث ودي مع الله في قلبه، مواجهاً هجمات الغفلة. فإن بلغ المبتدئ تلك المؤهلات يستطيع ارتداء المرقعة على أنه صوفي حقيقي وليس مقلداً.‏

* تجربة الطريق:‏

وخلال رحلة المريد إلى التحقّق الروحي، وبلوغ الفضائل التي لا بد من تمثلّها والحصول عليها، يجب عليه أن يخضع لتهذيب الطريقة، في التواضع والمحبة والإخلاص. وينشأ التواضع عن إدراك الوحدانية، فالله وحده كائن، وكل شيء سواه تابع له أو خاضع. وإذا كان التواضع يعني موت شيء ما في النفس أو انقباضها فإن المحبة الروحية انبساط يأذن للإنسان أن يحقق الوحدة مع الناس جميعاً. ويعد الإخلاص أو الصدق قمة الفضيلتين الأخريين، ويبنى عليهما. والإخلاص يعني رؤية الأشياء على طبيعتها الحقيقية. والفضائل الروحية تماثل الأحوال، وتتصف بالسرعة والزوال، أما المقامات فهي منازل دائمة، والأحوال عطايا، أما المقامات فهي اكتساب.‏

وعلى هذا النحو سيرى السالك أحواله تتغير وتصير أسهل عليه، ومن أجل كل مقام يتحمله حبّاً لله راجياً فضله، سيجازى صلاحاً وإحساناً، وقبولاً.‏

* ذكر الله:‏

ويعد الذكر المنهج الرئيسي للتصوف، ويتكون من دعاء لا يتوقف، عدا الصلوات المفروضة، وقد ذكر الرومي في المثنوي: "إن المريد في الطريق لا ينبغي أن يدعو الله في الخلوة حتى يصير كيانه كلُّه صلاة، فالذكر هو المحور الأساسي للتصوف، والدعاء في جوهره ذكر الله، قال تعالى: فاذكروني أذكركم" وقال سبحانه: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".‏

وحسب درجة المريد يكون الذِكر، وقد يكون فردياً، كما يكون جماعياً، حيث يجلس الدراويش حول شيخهم، ويبدؤون الذكر بتلاوة القرآن. ثم تلقى بعض القصائد الصوفية، ويعزف بالناي، ويتم الترنّم ببعض الأسماء الحسنى لله. ثم يأخذ الحال بعض الصوفية فيبدأ الرقص أو السماع، وتؤدي الموسيقى دوراً هاماً في التأثير، وبلوغ تلك الحال.‏

* الحب ونهاية الطريق:‏ على أن كل شيء في الصوفية، يقوم على الحب ويبنى عليه. يقول جلال الدين الرومي:‏

الحب هو ذاك اللهب الذي عندما يتأجج يحرق كل شيء، ولا يبقى إلا الله، "ويضيف العطار: "للحب ثلاثة طرق: النار والدمع والدم". ويقول صوفي آخر: "سبب الخلق الجمال، وأول الخلق الحب".‏

والحب عند الصوفية يمثل روح الكون، وسبب الحب توق الإنسان للعودة إلى منبع وجوده، والموسيقى والرقص ودوران النجوم وحركة الذرات، وصعود الحياة على سلم الوجود من جماد إلى نبات، ومن حيوان إلى إنسان وملاك وما بعده، كل ذلك مبعثه الحب، الذي هو سبيل إلى اكتشاف الأسرار.‏

والروح الذي أبعد عن حقيقته الجوهرية يحن إلى اللقاء الذي سيُظهر له أن العاشق والمعشوق شيء واحد. يقول الرومي:‏

جاء الحب. هو مثل الدم في عروقي وفي لحمي‏

وقد أفناني، وملأني بالمعشوق‏

والمعشوق تخلل كل خلية في جسدي‏

ومني لم يبق سوى اسم، وكل شيء آخر هو هو‏

إن طريق الحب "في الصوفية يؤدي إلى بلوغ السالك مرحلة الإنسان الكامل أو الإنسان الكلي، الذي هو قلب الكون، والذي يكون بتخليه عن الوجود الجسدي قادراً على أن يكتشف في نفسه ذلك الكنز المخفي الذي يبحث عنه الإنسان في مكان آخر عبثاً، وهو في داخله.‏

ثالثاً –المتعلم بالسؤال:‏

سبقت الإشارة إلى أن المتصوفة لم يُقدِّموا نظرية عقلانية للتصوف، وفي ضوء ذلك لم يقدم الرومي نظرية ميتافيزيقية، بل قدّم منظوراً وسبيلاً للنجاة. وكان يعي أن مسؤوليته هي إنقاذ النفوس من التيه، إذ يقول: "إن سمحنا لأنفسنا بأن تخلد إلى الراحة، فمن سيأتي بالعلاج لهؤلاء النيام البائسين؟". ومن هنا كان يلحّ على اصطحاب المرشد في الرحلة الروحية إذ يقول: اختر لك شيخاً لأنه من دون الشيخ تكون الرحلة حافلة بالمحن والمخاوف والأخطار. ومن دون مرافق ستضيع في طريق كنت قد سلكته من قبل. لا تسافر وحدك في الطريق.‏

وفي التصوف يكون الرباط بين الشيخ والمريد أساسياً، ترسخه معاهدة بين إرادتين حرتين. والشيخ الحقيقي سيعمل كل ما بوسعه في سبيل مساعدة هذه النفوس النائمة على اكتشاف الحق الذي تمتلكه في أعماقها، وفي نهاية الإعداد الذي يقوم به الشيخ تبدأ عين الباطن بالكشف، الذي يعدّ المعرفة الحقيقية الوحيدة، وإلى هذه الغاية تتوجه كل الطرق.‏

ناهج التعليم:‏

ولتحقيق ذلك يستخدم شيوخ التصوف وسائل كثيرة لتهيئة المريد كي "يصير على ما هو عليه، ولمساعدته على ولادة "الروح الكامن في نفسه الباطنة" وهو ما سماه جلال الدين الرومي الإنسان الصغير أو الفقير والروح السامي، الذي هو حقيقته العميقة.‏

ولا شك أن التناغم الروحي، وتعلّق الشخص بالشخص بين الشيخ والمريد، ورمزية الحكايات الأخلاقية المغزى التي تكشف البعد بين الإشارة المدركة والحقيقة المدلول عليها، والجدل الذي يستكشف به الطالب نفسه، والأسئلة والإجابات والحقائق التي اعتقد أنه قد جهلها، هذه جميعاً بعض من هذه المناهج أو الطرق.‏

ما السماع فهو طقس ديني، يبعث في المؤدي حالاً يكون قادراً فيه على سماع ذلك النداء المرسل منذ زمن بعيد خارج الزمان، مذكراً بعالم الألحان الأزلية. والمنطلق في ذلك هو أن نفترض أن المريدين يتمتعون بقدرات متباينة، مما يستلزم أن يتمثل عمل الشيخ في الكيف مع قابلياتهم وطاقاتهم الذاتية.‏

لتعليم بالرمز:‏

وفي هذا المنحى، على الشيخ أن يضع نفسه في مستوى المريد ليساعده على الظفر بالمعرفة. وعند جلال الدين تتباين درجات النفوس تبعاً لمقدار ما تتذكر، ذاك لأنها وجدت قبل حياتها الأرضية، وترتبط روحية الرقص الديني بذلك التذكر، قال مولانا: عندما يعرف روحُك روحي معرفة تامة، فإن كلا الروحين يتذكر أنهما كانا روحاً واحداً في الماضي، والنفس التي تسبّح الله في هذه الدنيا تعقل ذلك، لأنها قد فعلته إبّان وجودها الأول، وبفعلها ذلك، تذّكر النفوس الأخرى بيوم اللقاء الأول.‏

وعلى الشيخ أن يغذّي مريده بلبَن المعرفة إلى أن يكون في مقدور المريد الاستغناء عنه، ولعل التعليم بالرمز والصور والإيحاءات أحد وسائل الشيوخ في تدريب المريد، وتوجيه مسيرة السالك الذي يجيب داعي الله نحو التدرج والانتقال، من الظاهر إلى الحقيقي، ومن المرئي إلى غير المرئي، ومن الإشارة إلى المدلول.‏

وفي ذلك يؤكد المتصوفة أن قراءة القرآن وتلاوته تعطي المسلم النقي مصدراً للروحانية متجدداً على الدوام، وإذ ينشد المريد المعنى الخفي بحدسه وكشفه الذاتي، سيدرك أن الحكايات مثل المكيال، والمعنى كالحبّ الذي يحتويه والعاقل من يأخذ حَبّ المعنى، ولا يتوقف عند المكيال، ويوضح ذلك قول جلال الدين الرومي: "لم أنظم لك المثنوي لتحفظه أو تعيده، بل ابتغاء أن تضعه تحت قدميك لتستطيع الطيران"، فالمثنوي هو سُلّم العروج نحو الحقيقة. وإذا كان الصوفية يستخدمون التمثيلات والصور، فذلك لمساعدة الإنسان ذي القلب الهائم والعقل الضعيف على إدراك الحقيقة. فالحق كما يقول الرومي: وصفه نفسه بالظاهر والباطن، وقد جلّى العالم بوصفه باطناً وظاهراً، بحيث نستطيع إدراك المظهر الداخلي للحق سبحانه بباطننا، والمظهر الخارجي بظاهرنا.‏

هير النفس:‏

ولبلوغ ذلك يؤكد المتصوفة أن تجلّي الله للعالم لا تدركه إلا العين المطهّرة، والعين المطهّرة المفتوحة هي التي ترى أن الكون هو كتاب الحقيقة العليا، والقلب الذي صقلته المجاهدات وحده يمكن أن يغدو المرآة الصقيلة التي ستعكس الصفات الإلهية.

والصفة المطلوبة في المرآة هي تشبعها بالإيمان، ولكي تعكس الصورة تماماً، يجب أن يكون سطحها صقيلاً جداً. يقول الرومي: قلبي صاف كالسماء، وفي مرآة الماء، ينعكس ضياء القمر. ويشبه التأثير، الذي تتركه الذنوب في القلب، بالتراكم البطيء للصدأ على المعادن، أما المجاهدات فتشبه بفعلها الصقل. والقلب الطاهر المصفى من حب الدنيا ومباهجها، في مقدوره أن يتذكر الله عه، مما يعطي للوجود بعداً آخر، ويعطي للحياة غاية أساسية هي الحنين إلى الحالة الروحية الأولى وبلوغ المعرفة الحقيقة والكلية.‏

حضور التصوف:‏

ومن الجلي أن الصوفية، وإن كانت مسلكاً ذاتياً لاكتمال مسيرة الروح وتطهيرها، فإن حضور التصوف كان واسعاً في مجالات الفن والثقافة والحياة الاجتماعية. وفي الحديث "إن الله جميل، ويحب ما هو جميل". ويعلق ابن عربي على ذلك قائلاً: "إذا كان الله يحب جمال الصور فذلك لأنها تعكس جماله، على النحو نفسه الذي تعكس فيه الوجود" ويضيف الرومي: الجمال مقدس، وتأمله يجعل المرء يشارك في القداسة. وقد أشار الرومي كثيراً إلى أهمية التأثير الروحي للجمال الذي يُلقي بالناظر في متاهات الحيرة والدهشة، وقدرة الفن على إيجاد المقدس تتمثل في الإعادة، والإنسان المبدع يعيد الخلق بمساعدة الشعائر. وكل صلاة تعني أن يكون الإنسان في تناغم مع كون مقدس، يصلي فيه الطائر عندما ينشر جناحيه، والشجرة عندما تقدم ظلاً.‏

ومن المؤكد أن عدداً كبيراً من الصوفية لم يكونوا مجرد نُساك زهاد، بل شعراء يتغنون بالمحبة الإلهية، منهم: عمر بن الفارض، العطار، سنائي، جامي، وغيرهم ممن أعطوا العديد من الدواوين الشعرية، والكتب والرسائل.‏

كما ألهم التصوف المبدعين في فنون الموسيقى والغناء. وكانت الطرق الصوفية جسراً بين عقلانية المراتب الصوفية العالمية والتدين الشعبي، وشعراء التصوف هم الذين نظموا أناشيد الحب المخلص والتوسل في اللهجات المختلفة للجماعات، مما غدا سبيلاً لتثقيف هذه الجماعات، ومن المفيد أن نشير إلى أن الطرق الصوفية أدت مهمة كبيرة في المجتمعات التقليدية في العالم الإسلامي، كان الناس خلالها يعيشون في ظلال الزوايا، ويستمعون إلى القرآن، وإلى أناشيد المتصوفة، ويشاهدون رقصاتهم، وبذلك تؤدي الطرق الصوفية وظيفة تثقيفية، واجتماعية، حيث لا فوارق طبقيّة بين أبناء الطريقة وأتباعها.‏

وفي النهاية فللتصوف مسيرة طويلة، وتاريخ طويل، ذلك أن انطلاقة التصوف تعود إلى القرون الإسلامية المبكرة. لكنه أخذ طابعاً مؤسّسياً في وقت متأخر، حيث لازم ذلك ظهور الأربطة والخانقاه والزوايا التي انتشرت منذ القرن الثاني للهجرة. وصارت فيما بعد مدارس الطرق الصوفية، تتولى تقديم الطعام والمبيت، وتقوم على نظام يكون بين أعضاء الجماعة من جهة، وبين الشيخ والمريد من جهة ثانية.

أما أشهر الطرق الصوفية إلى جانب المولوية فهي: السُّهْرَوَردية، الشاذلية، الكُبروية، النقشبندية، الرفاعية، القادرية، الخلوتية.‏

* كلمة أخيرة:‏

بقي أن نشير إلى أن هذا الكتاب بمادته وأفكاره، يعد من الدراسات الهامة التي يحتاجها القارئ، سواء أكان هذا القارئ يهتم بالمعرفة الروحية في الإسلام، أم كان يتطلع إلى قراءة أدب إسلامي في نماذجه الرفيعة، أو كان له اهتمام بعلم النفس، وقضايا التحليل النفسي.‏

إنه كتاب غني بمعلوماته، ورموزه، وإشاراته، التي تمثل في جوهرها "رسالة لحقيقة متقدة قائمة على التجربة الشخصية" لجلال الدين الرومي، الرجل الذي كان الشاعر الصوفي الأعظم في كل الأزمان.‏

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ

جلال الدين الرومي: ضوء النهار

ترجمة- عمار كاظم محمد

ولد جلال الدين الرومي عام 1207 في (بلخ) التي تدعى اليوم أفغانستان، وفي سن مبكرة تركت عائلته بلخ بسبب الغزو المغولي واستقرت في (قونية) التركية والتي كانت عاصمة الإمبراطورية السلجوقية. كان والده رجل دين وأستاذ حيث درس في جامعة قونية.

تلقى جلال الدين تعليمه الروحي المبكر تحت إشراف والده بهاء الدين وبعد ذلك تحت إشراف صديق والده سيد برهان الدين البلخي.

كانت الظروف التي أحاطت بمشروع بهاء الدين في تعليم ابن صديقه الحميم طريفة، كان برهان الدين في بلخ حينما أحس بموت صديقه بهاء الدين ولذلك أدرك بأنه يجب عليه الذهاب إلى قونية لكي يضطلع بتربية جلال الدين الروحية.

لقد وصل إلى قونية حينما كان جلال الدين في الرابعة والعشرين من العمر وقد استمر بتدريسه لتسع سنوات (علم النبوات وأحوالهم) ابتداء بأربعينيات صارمة من الرياضات والصوم، خلال هذه الفترة قضى جلال الدين أكثر من أربع سنوات في دمشق وغيرها حيث درس مع نخبة من أعظم العقول الدينية في ذلك الوقت. بمرور السنين تطور جلال الدين في كلا الجانبين، جانب المعرفة وجانب العرفان.

في النهاية أدرك برهان الدين انه أكمل مسؤولياته تجاه جلال الدين وأراد أن يمضي البقية الباقية من سنواته الأخيرة في عزلة وقد اخبر جلال الدين بذلك قائلاً : (أنت مستعد الآن يا ولدي وليس لك نظير في أي من حقول المعرفة، لقد أصبحت أسد المعرفة، وأنا أسد نفسي وكلانا غير محتاج هنا، ولذلك أريد الذهاب، وأكثر من ذلك سيأتي إليك صديق عظيم، وسوف يكون أحدكما للأخر كالمرآة، سوف مثلما ستقوده إلى من العالم الروحي مثلما ستقوده أنت، كل واحد منكم سيكمل الآخر، وسوف تكونان أعظم صديقين في هذا العالم.

وتلك إشارة بقدوم شمس الدين التبريزي الحدث المركزي في حياة جلال الدين. في عمر السابعة والثلاثين التقى مولانا بالدرويش الجوال شمس الدين التبريزي وقد كتب الكثير عن هذه العلاقة وقبل هذا اللقاء كان جلال الدين أستاذا بارزا في العلوم الدينية وعلى درجة عالية من التصوف وبعد هذا اللقاء أصبح شاعرا ملهما وعاشقا كبيرا للإنسانية.

لقد كان شمس الدين الحريق وكان جلال الدين من امسك النار، لقد كانت صحبته قصيرة على الرغم من أن كلا منهما كان مرآة حقيقية للآخر لكن شمس الدين قد اختفى لمرتين، ففي المرة الأولى عثر عليه سلطان ولد ابن جلال الدين في دمشق والمرة الثانية كانت الأخيرة، والحقيقة انه ربما يكون قد قتل على يد البعض من تلامذة جلال الدين الذين كانوا مستاءين من تأثيره على جلال الدين.

لقد كان جلال الدين رجل علم وقداسة قبل التقائه بشمس الدين التبريزي لكن بعد كيمياء تلك العلاقة أصبح قادرا على تنفيذ نبوءة أستاذه برهان الدين بأنه أصبح (يغمر أرواح الرجال بحياة جديدة من الذوبان اللانهائي في الله وان يعيد إلى الحياة ما هو ميت في هذا العالم الخاطئ، من خلال المعنى والحب).

بعد أكثر من عشر سنين على لقاء شمس الدين استطاع جلال الدين أن يؤلف الغزليات تلك التي جمعت في مجلد كبير سمي بـ (الديوان الكبير).

في تلك الأثناء تطورات علاقته الروحية بأحد تلاميذه ويدعى حسام الدين، في احد الأيام وحينما كانا يتجولان في احد بساتين الكروم في قونية طرح حسام الدين الفكرة على جلال الدين قائلاً ( لو استطعت كتابة كتاب مثل الهي نامه لسنائي أو منطق الطير لفريد الدين العطار فسوف تكون مصاحبا للكثير من الغجر الرحل (التور بادور)

فسوف يملأون قلوبهم بأشعارك ويؤلفون الموسيقى في مصاحبتها.

عند ذلك ابتسم جلال الدين واخرج من عمامته قطعة من الورق مكتوب عليها أول ثمانية عشر بيتا من المثنوي والذي يبدأ بـ.....

أصغ إلى الناي وهو يقص قصته

وكيف يغني الم الفراق...

لقد بكى حسام الدين من الفرح وتوسل بجلال الدين أن يكتب أكثر وقد رد عليه قائلاً (إذا وافقت أن تكتب لي فسوف انشد) وهكذا كان فقد ابتدأ مولانا في بداية الخمسينيات من عمره يملي هذا العمل الضخم كما وصفه حسام الدين قائلاً (انه- أي جلال الدين - لم يمسك أبدا بقلم في يده حين تأليف المثنوي وأينما أراد أن يملي سواء في المدرسة أو في ساحات قونية أو في بساتين الكروم فكنت اكتب ما يملي علي وبالكاد أستطيع ملاحقته لأنها تستمر ليلا ونهارا ولبضعة أيام وفي أوقات أخرى لا يؤلف شيئا لعدة اشهر ومرة استمر الحال لمدة سنتين لم يؤلف شيئا وفي كل مرة يكتمل جزء كنت أعيد قراءته عليه لكي يستطيع تصحيح ما كتب. يعتبر المثنوي أفضل عمل روحي كتبه إنسان، فمحتوياته تتضمن كل أطياف الحياة على الأرض، كل فعالية من فعاليات الإنسان، الدين، الثقافة، السياسة، الجنس، الأسرة.

كل نوع من شخصية الإنسان، من المتشرد إلى صفوة القوم، كذلك يتميز بالغزارة والتفاصيل الدقيقة في العالم الطبيعي من التاريخ والجغرافيا.

وكذلك فهو يمثل البعد العمودي من الحياة من هذا العلم الرتيب إلى أعلى مستويات الميتافيزيقيا والمعرفة الجمالية.

توفي مولانا جلال الدين الرومي في 17 ديسمبر عام 1273 وقد تبعه خمسة من أصدقائه المخلصين وقد سميت تلك الليلة ليلة الاتحاد ومنذ ذلك الحين ودراويش المولوية يحتفلون بتلك الليلة بالأذكار وقراءة المثنوي الذي سماه الشاعر الفارسي عبد الرحمن الجامي (قرآن الفارسية).



رباعيات جلال الدين الرومي

ترجمة- عمار كاظم محمد

(1)

الزمن يجلب النهاية الخاطفة

لما تبقى من الرجال المندحرين

وذئب الموت سيمزق عما قريب

هذه الخراف المسكينة...

(2)

شاهد، كم بفخر يذهلون

برأس مرفوع

حتى يأتي مصيرهم بضربة مفاجئة

تلقيهم أمواتا....

(3)

أنت الذي أحببت حياة الغراب

برد الشتاء وثلج الشتاء

منفي أبدا من وديان

الورود الحمر، والعنادل....

(4)

خذ هذه اللحظة إلى قلبك

وعندما ستغادرك

ستظل تبحث عنها طويلا

كما لو أنها تختفي

مع مئات المصابيح والعيون.

(5)

الراكب السماوي مر

ارتفع الغبار في الهواء

لقد أسرع، لكن الغبار الذي اختاره

مازال معلقا هناك.

مستقيمة ستكون رؤيتك

ولن تلتفت يمينا أو يساراً

غباره هنا وهو في الأبدية.

(6)

من الذي قال أن الروح الخالدة تموت

ومن يجرؤ على القول

إن شمس الأمل تغيب

عدو الشمس هو فقط

من يقف على رأسه

رابطا كلتا عينيه صارخاً

انظروا، الشمس تموت

(7)

من الذي أطلق الروح

قل لي، من هو؟

من أعطى في البدء

هذه الحياة لي؟

من يتلبس، حياة الصقر

ووهبني لبرهة عيوني

فسوف يطلقني

لاصطاد جائزتي

(

كملح يذوب في المحيط

ابتلعت في بحر الله

الأيمان الماضي، الكفر الماضي

الشك الماضي واليقين الماضي

وفجأة أشرق في صدري نجم لامع

واختفت في ضوء ذلك النجم

كل شموس السماء.

(9)

الزهور تتفتح كل ليلة في السماء

والسلام في الأبدية في سلامي مع نفسي

مئات الحسرات تظهر من قلبي

وقلبي، مظلم وبارد

يضطرم من تنهداتي.

(10)

انه راحة روحي

ويحل طائفا حول قلبي

حول قلبي يدور روح الرحمة

ضاحك من سريري الترابي

كالشجرة ارفع رأسي

لينبوع المرح الحي

يغسل حولي الأرض.

(11)

نسيم الصباح

يجرجر مسكه بأذياله

عبير ولد من حبي الجميل قبل أن يبور العالم

لا مزيد من النوم: فلتنهض

القافلة تسرع

والعطر الجميل يموت.

(12)

إذا رحلت الحياة

فالله يعطيك حياة جديدة

الحياة الأبدية تتجدد

فهذه الحياة من الموت

ينبوع الفساد يوجد في الحب

يجيء، وفي هذا البحر اللامتناهي من الحب يغرق.

لقد كنت سعيداً

ارقد في قلب اللؤلؤ

إلى أن ضربت بإعصار الحياة

فركضت في موجها المندفع

نطقت عاليا سر البحر

ورقدت مثل غيمه مستنفدة على الشاطئ بلا حراك.

(13)

انه يوقد العالم لهبا

ويضعني فوق مئة من السنة النيران

تلتف حول محرقتي

وعندما ابتلعني المد المشتعل تنهدت

لكنه وضع يده على فمي بسرعة.

(14)

مع ذلك جربت كل الطرق لأرضي هواه

كل كلمة من جوابه تشهر سيفا

انظر كيف يقطر الدم من أطراف أصابعه

فلماذا يجد من الجيد أن يغتسل بدمي.

(15)

متذكرا شفتك، اقبل الياقوت الأحمر

لا املك أن ارتشف، شفتاي لا تمس هذا

يدي المبتهلة لا تصل إلى سماك البعيدة

ولذا فانا راكع اعتنق الأرض.

(16)

بحثت عن الروح في البحر

ووجدت المرجان هناك

وتحت الرغوة

كان كل المحيط يرقد عاريا لأجلي

في ليل قلبي وعلى طول الطريق الضيق

شعرت بالضوء

ارض أبدية من النهار.
من مواضيع : ahmed1981 0 حمل كتاب ( سر قوة الهرم الأكبر )
0 كل شئ عن برج السرطان
0 فيلم كليوباترا .. حمل بسرعة

رد مع اقتباس
  #38  
قديم 21-03-2008, 01:30 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى متألق
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

جلال* الدين* مولوي ( الشهير بجلال الدين الرومى فهو مؤسس الطريقة المولوية التى لا يزال منها أثر لليوم )

* الباحث*عن* الله في* شعره* وسلوكه*

كان* جلال* الدين* مولانا او مولوي*، من* الشعراء العرفاء او علي* قول* البعض* من* العرفاء الشعراء الذين* لم* يكن* الشعر عندهم* مهنةً او وسيلة* لبلوغ* مأرب* او تحقيق* هدف* ، بل* كان* الشعر جزءاً من* وجودهم*، وخفقة* من* خفقات* قلوبهم*، وانعكاساً طبيعياً لمشاعرهم* وضمائرهم*، وفيضاً من* فيوض* ارواحهم* التي* يملاها حب* المطلق* وتنطلق* في* آفاق* التكامل*.

الهجرة* مع* ابيه*
اشتهر جلال* الدين* محمد البلخي* بمولوي*، ومولوي* الروم*، وجلال* الدين* الرومي* وذلك* لطول* اقامته* في* آسيا الصغري* او ماكان* يسمي*' بامبراطورية* الروم* الشرقية*. وُلد في* السادس* من* ربيع* الاول* عام* 604 هـ في* مدينة* بلخ* التابعة* لاقليم* خراسان* آنذاك*، وتوفي* بقونية* في* تركيا الحالية* عام* 673 هـ ودفن* فيها.

ابوه* بهاء الدين* محمد بن* الحسين* كان* يلقب* بـ«سلطان* العلماء» ويُعرف* بـ«مولانا الكبير» ويُعدّ من* كبار الصوفية* في* ايران*، وتربي* علي* يد الشيخ* نجم* الدين* احمد بن* عمر الخوارزمي* المعروف* بـ«كبري*».

وفي* خضم* النزاع* الذي* كان* محتدماً بين* الصوفية* والفلاسفة*، كان* سلطان* العلماء يشن* في* مجالسه* الخاصة* ومن* علي* المنابر هجوماً عنيفاً متواصلاً علي* الفلاسفة* والحكماء ويتهم* اتباع* الفلسفة* اليونانية* بشكل* خاص* بالضلال* والانحراف*، ويوجه* نقده* اللاذع* نحو الامام* فخر الدين* محمد بن* عمر الرازي*، الذي* كان* يعد من* كبار الحكماء والمتكلمين* في* ذلك* العصر، ويقيم* في* خوارزم* مصاحباً السلطان* علاء الدين* محمد خوارزم* شاه*.

وطبقاً لما اورده* الافلاكي* في* مناقب* العارفين* فقد شعر سلطان* العلماء بالاستياء من* الوضع* العام* السائد في* بلخ* ومن* المواقف* التي* لاتتسم* بالتأييد للتصوف* التي* كان* يتخذها بعض* زعمائها، لهذا قرر ان* يهاجر منها الي* بلاد اخري* ذات* ظروف* افضل*.

وفي* طريق* هجرته* عرّج* علي* نيشابور والتقي* بعارفها الشيخ* العطار، فوجد الشيخ* في* ابن* سلطان* العلماء ـ اي* مولانا الذي* كان* له* من* العمر خمس* سنوات* ـ طاقة* عرفانية* كامنة*، وتوسم* فيه* الخير والصلاح*، فوهب* له* كتاب* «اسرارنامه*»، لاعتقاده* انه* سيقدم* اليه* الكثير مما يحتاج* اليه* في* المستقبل* خلال* عملية* السلوك*. وانطلق* الوالد والولد بعد ذلك* نحو بغداد بهدف* السفر من* هناك* الي* الديار المقدسة* لاداء فريضة* الحج*. وحينما اشرف* علي* بغداد سألهما جماعة*: من* اين* اتيتما والي* اين* تريدان*؟ فاجاب* والد مولانا: من* الله والي* الله ولاقوة* الا بالله ووصلت* هذه* الاجابة* الي* مسامع* العارف* الشهير الشيخ* شهاب* الدين* السهروردي* فقال*: ماهذا الا بهاء الدين* البلخي*، فخرج* لاستقباله*.

ولم* يقم* سلطان* العلماء وابنه* الصغير في* بغداد سوي* ثلاثة* ايام* فخرجا في* اليوم* الرابع* الي* الحجاز. وبعد اداء مناسك* الحج* وزيارة* قبر النبي* (ص*) خرجا الي* بيت* المقدس* حيث* استقبلهما اهله* بحفاوة* بالغة*، ثم* توجه* نحو «ارزنجان* » فاقاما فيها مدة* اربعة* اعوام*، ولقيا ترحاباً من* قبل* حاكمها فخر الدين* بهرام* شاه* وابنه* علاء الدين* داود.

التوطن* في* قونيه*

نزح* الاب* والابن* بعد ذلك* نحو ملاطيه* ولارنده*، وتزوج* جلال* الدين* بجوهر خاتون* بنت* الخواجه* لالاي* السمرقندي* في* مدينة* لارده* وله* من* العمر (1[IMG]file:///F:/Porn/الموسوعة%20العربية%20%20اطلع%20 على%20الموضوع%20-%20طبقات%20الصوفية%20ذ4_files/icon_cool.gif[/IMG] عاماً، وانجبت* له* ولديه* محمد المعروف* بـ«سلطان* ولد» وعلاء الدين* محمد.

وبعد اقامة* دامت* (4) سنوات* في* ملاطيه* و(7) سنوات* في* لارنده* رحل* الاب* والابن* الي* قونيه* عاصمة* سلاجقة* الروم* نزولاً عند رغبة* ملكها علاء الدين* كيقباد. ولم* تمر علي* هجرة* الوالد الي* قونيه* سوي* سنتين* حتي* توفي* في* عام* 628 هـ وتاثر اهل* قونيه* لوفاته*، واقيمت* مجالس* الحداد في* كل* مكان* واخذ الخطباء يتحدثون* بفضله* وزهده*.

وخلف* مولانا جلال* الدين* والده* بناءً علي* رغبة* السلطان* علاء الدين* والامراء والحاح* مريدي* ابيه*، فصار اماماً للناس* وواعظاً ومرشداً.

وبعد عام* من* ذلك* وصل* الي* قونيه* السيد بهاء الدين* المحقق* الترمذي*، وكان* من* سابق* تلامذة* سلطان* العلماء وخواص* المتصوفة*. فانبري* للارشاد والوعظ* في* هذه* المدينة*، واجتمع* بمولوي* وخاطبه* قائلاً: «ان* اباك* كان* كاملاً في* علم* القال* وعلم* الحال*، واليوم* وقد خلفته* في* علوم* الشريعة* والفتوي*، فلابد لك* ان* تسلك* في* علم* الحال* سلوكاً يجعل* منك* نعم* الخلف* لابيك*. واذا اردت* ان* تكون* مريداً فعليك* ان* تجد المراد، وما وصل* من* ابيك* الي*ّ اشياء تري* ولا تُعلّم*». وكانت* هذه* الكلمات* بمثابة* الشرارة* التي* اججت* شوقة* ولهفته* للحصول* علي* تلك* الاشياء واختراق* الحجب* التي* تحجب* من* لايعايش* اسرار العرفان* ورموز السلوك*، فاندفع* نحوه* واقبل* بروحه* وجسمه* عليه* ولازمه* مدة* (9) سنوات* كان* يخضع* خلالها لتوجيه* استاذه* وتربيته*.

رحلة* علمية*

وطبقاً لرواية* الافلاكي* فقد رحل* مولوي* الي* الشام* باشارة* من* استاذه* الترمذي* لتلقي* المزيد من* علوم* الظاهر فنزل* اول* الامر بحلب* في* المدرسة* الحلاوية* واخذ عن* عالمها كمال* الدين* ابو القاسم* عمر بن*احمد المعروف* بابن* العديم* .ثم* غادر حلب* الي* دمشق* بعد (3) سنوات* من* الدراسة* فاستقبله* علماوها واعيانها، فنزل* في* المدرسة* القدسية*، وقدم* خدمات* جليلة*.

وامضي*' جلال* الدين* الرومي* مدة* (4) سنوات* في* عاصمة* الشام* التي* كانت* آنذاك* مركز الفضلاء وجامعة* العلم* والعرفان*، حيث* انصرف* خلالها الي* الزهد والرياضية* والاغتراف* من* منهل* المعارف* الدينية*. وقرأ خلال* هذه* المدة* ايضاً كتاب* الهداية* لشيخ* الاسلام* برهان* الدين* علي* بن* ابي* بكر المرغيناني* علي* اساتذة* بارعين*، وهو كتاب* جامع* في* الفقه* الحنفي* ذو شروح* وتعاليق* وحواش* كثيرة*. كما نال* شرف* الالتقاء بالعارف* الشهير محيي* الدين* ابن* عربي* وفضلاء المدينة*.

وبعد (7) سنوات* من* السفر، عاد شاعرنا العارف* الي* قونية*، وانصرف* الي* التصوف* والرياضة* تحت* اشراف* السيد الترمذي*. وبوفاة* هذا الاخير تمكن* مولانا من* مسند الارشاد والتدريس* وبذل* اقصي* الجهود لتربية* اصحاب* الاستعداد وكسب* خلال* ذلك* الكثير من* المريدين* والانصار الذين* اعتبروه* امام* دينهم* ومفتي* شريعتهم* ودليل* طريقتهم*.

التحول* الكبير

و فيما كان* مولوي* منهمكاً بتدريس* القيل* والقال* وكتابة* الفتاوي* الشرعية*، والتحدث* عما يجوز ومالايجوز، وفيما كان* الناس* يتقاطرون* عليه* من* كل* حدب* وصوب* للاخذ عنه*، جابه* حادثة* قلبت* وضعه* راساً علي* عقب* وغيرت* مجري* حياته*، واخذ يعيد حساباته* مع* نفسه* والا´خرين*، فقد دخل* حياته* شخص* جديد بعث* التلاطم* في* محيط* نفسه* الهادي*، وسطعت* به* ـ علي* حد تعبير العرفاء ـ شمس* العشق* والحقيقة* علي* روحه*. وكان* هذا الشخص* هو شمس* الدين* محمد التبريزي*، احد شيوخ* الصوفية* ورجال* العرفان*، ذو النفس* الحار والجاذبية* القوية* والبيان* الموثر.

وطبقاً لرواية* الافلاكي*: تتلمذ الشيخ* شمس* التبريزي* علي* الشيخ* ابي* بكر زنبيل* باف* الذي* كان* وحيد عصره* في* كشف* القلب*. وحينما وصل* الي* درجة* رفيعة* في* السير والسلوك*، انطلق* لطلب* الكمال* الاسمي*، وامضي* السنوات* بين* البلدان* منتقلاً من* مدينة* لمدينة* وملتقياً باهل* السر والرياضة*، مرتدياً اللباس* الاسود.

ووصل* شمس* الدين* التبريزي* الي* قونيه* في* 26 جمادي* الا´خرة* عام* 642 هـ وهناك* تضارب* في* الطريقة* التي* تم* فيها اللقاء بينه* وبين* مولانا. فذكر محيي* الدين* عبد القادر المصري* مولف* الكواكب* المضيئة* في* طبقات* الحنفية* ان* مولانا كان* جالساً يوماً في* حجرته* والكتب* مكدسة* بين* يديه* وطلابه* يحيطون* به*، اذ دخل* عليه* رجل* غريب* فسلم* ثم* اشار الي* الكتب* وقال*: ماهذه*؟ فردّ عليه* مولانا: انت* لاتعلم* ماهذه*! فلم* يكد يتم* اجابته* حتي* اشتعلت* النار في* الكتب*. فسأله* مولانا بتعجب*: ماهذا؟ فأجابه*: انت* لاتعلم* ما هذا! ثم* قام* وانصرف*.

وبهذا اللقاء المثير المكتنز بالرموز، ادرك* مولانا انه* لازال* متخلفاً كثيراً عن* الركب* العرفاني* وان* امامه* طريق* طويلة* لبلوغ* مابلغه* غيره* من* العرفاء امثال* شمس* الدين*، وشعر بان* شمس* هذا الشيخ* قد اشرقت* علي* روحه* واشعلت* النار في* بيدر وجوده* بحيث* لم* يبق* يشغله* احد سوي* المعشوق*. وبعد ان* كان* يعد نفسه* مستغنياً عن* الاخذ عن* احد اوملازمة* الغير، ادرك* انه* بحاجة* ملحة* لملازمة* هذا الشيخ* الجديد والارتواء من* منبع* علمه* وعرفانه*. فاقبل* عليه* والتصق* به* التصاق* الرضيع* بامه*، بل* وهام* في* حبه* واصبح* اسير سلوكه* ومعرفته* وطريقته*، لهذا انقطع* عن* الدروس* ومجالس* الوعظ* والارشاد، وهجر الطلاب* والمريدين*، وانقطع* عن* الاهل* والاحباب*، واختلي* بهذا المراد الجديد بعد ان* وجد فيه* ضالته* المنشودة*.

واخذ تلامذة* مولانا ومريدوه* ينظرون* الي* شمس* الدين* التبريزي* بعين* الريبة* والغضب*، وادركوا بانه* يقف* خلف* هذا التغير الذي* طرأ علي* شيخهم*، بل* وعده* البعض* ساحراً ومشعوذاً فاخذوا يشنّعون* عليه* ويكيلون* له* التهم*، وقد شاركهم* في* ذلك* ايضا فقهاء قونيه* وعلماوها، وربما كان* دافعهم* في* ذلك* الحسد او الجهل*.

وحينما ادرك* شمس* التبريزي* ان* الافكار بشكل* عام* متألبة* عليه*، والاوضاع* لاتسير لصالحه*، والذهنية* العامة* عاجزة* عن* فهمه* وتفسير الطريقة* التي* هو عليها خرج* من* قونيه* سراً دون* ان* يعلم* به* احد حتي* مولانا. فتألم* مولانا لذلك* وانقبض* صدره* وشعر بانه* قد فقد جزءاً مهماً من* حياته* فاخذ يبحث* عنه* وستجلي* اخباره* حتي* علم* انه* قد استقر في* دمشق*، فاندفع* يبعث* اليه* الرسائل* والقصائد التي* تحثه* علي* العودة* وتكشف* عن* مدي* تالمه* لفراقه*. فلان* قلبه* وطاب* خاطره*، فعاد الي* قونيه*، وبعودته* عادت* الحياة* الي* قلب* مولانا و ضحكت* له* الشمس* من* جديد، فلازمه* ملازمة* اعظم* من* الاولي* والتصق* به* التصاقا اشدّ وطال* اختلاوه* به*، وطالما خرجا معاً الي* البوادي* والبراري* لاداء مراسم* التعبّد علي* طريقتهما الخاصة*.



لوعة* الحزن*

وتوترت* الاجواء ثانية*، ولم* يطق* فقهاء المدينة* وتلامذة* الشيخ* وحتي* العوام* مثل* تلك* الممارسات* والتصرفات* التي* كان* عليها الشيخ* مولوي*، واخذوا يتهمونهما بالسحر والجنون*، وانقلب* علي* عارفنا حتي* اولئك* المريدون* الذين* جاءوا معه* من* بلخ* الي* قونيه* وقرر بعض* المناوئين* الحاق* الاذي* بالشيخ* التبريزي*، فاتصل* ذلك* به* فخرج* من* قونيه* سراً الي* بلاد اخري* دون* ان* يخبر احداً بذلك*.

وحزن* مولانا لخروجه* حزناً شديداً حيث* ادرك* ان* شمس* الحقيقة* قد اختفت* تحت* سحب* الاسرار، وغضب* غضباً شديداً علي* اولئك* الذين* لم* يدركوا حقيقته*، واساءوا اليه* عن* جهل* وحسد. ولم* يقف* المناوئون* عند هذا الحد، بل* انبروا ايضا لخوض* حرب* نفسية* مع* مولانا فاخذوا يشيعون* الاكاذيب* ويلفقون* الاخبار ضده* وضد الشيخ*. وكانت* تصل* اليه* في* كل* يوم* اخبار متضاربة* حول* الشيخ*، فكان* يعيش* بين* الامل* واليأس* والحيرة* القاتلة*، وعلي* حد قول* احدهم*: كان* يحترق* في* امل* شمس* الدين* ويصوغ* الاشعار في* فراقه*.

خيفته*

ونظراً لاستغراقه* في* الكمال* المطلق* وجلوات* جمال* الربوية*، وشعوره* بان* ذلك* يستوجب* انقطاعه* عن* الناس*، قرر ان* يختار احد انصاره* ومريديه* خليفة* له* لارشاد الطالبين* وهداية* الراغبين* فاختار لهم* صلاح* الدين* فريدون* زركوب* القونوي*. وبما ان* مريديه* لم* يذوبوا بعد في* نار العشق* ولم* ينصهروا في* بوتقة* الرياضة* والسلوك*، ولم* يهذبوا انفسهم* من* غش* الهوي* والوهم*، فقد رفضوا الانصياع* لهذا الرجل* لانهم* كانوا ينظرون* اليه* من* منظار ظاهري* اي*، كرجل* امي* يعمل* صائغاً في* سوق* قونيه*. وانبروا لمعاداة* صلاح* الدين* واخذوا يتهجمون* عليه*، وخططوا للتخلص* منه*، ورغم* ذلك* اصر مولانا علي* رأيه* فيه* وطلب* من* اولاده* وخلص* اصحابه* الالتفاف* حوله* وموازرته* وبلغ* حبه* له* واهتمامه* به* ان* زوج* ابنه* سلطان* ولد من* ابنته* فاطمة* خاتون*. واثر ذلك* الموقف* المزري* للناس* عليه*، فمرض* مرضاً شديداً وتوفي* عام* 657 هـ .
من مواضيع : ahmed1981 0 مسرحية مأساة الحلاج
0 الإسلام و الغناء
0 مؤلفات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر

رد مع اقتباس
  #39  
قديم 09-09-2008, 09:31 PM
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 1
افتراضي

ماهو نسب مخدوم اعظم كاساني سيد احمد بن جلال الدين بن جمال الدين ؟
حسب ما اعرف هو ينتسب للامام علي موسى رضا
من مواضيع : قصي الحسيني

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أعلام, الصوفية, كبار

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة


كبار أعلام الصوفية


الساعة الآن 01:51 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.3.1 نظم للإلكترونيات والبرمجيات
قصص وروايات | اخبار الفن | صور | صور فنانات | صور فنانات | حواء | ازياء | فيديو كليب | افلام عربي | افلام اجنبي | مصارعة حرة | صور سيارات | مكياج | صور زهور | كرة مصرية | برامج جوال | اغاني عربية | اغاني اجنبية | بلوتوث | اغانى افراح | اغانى السبوع | تحميل برامج | العاب | ازياء | صور اطفال | مسجات | اغانى اطفال | العاب كاملة | ايفون | صور حب | صور رومانسيه | حب افلام وثائقية |
‎كلنا عبد الفتاح السيسى

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174