قريبا نيو حب بشكل جديد
fashion
جديداجعل التصفح سريع


منتديات محدثة : - اغانى زمان - مصارعة محترفين - طريق الاسلام
منتديات حب جديد

افلام عربية | افلام مصرية | افلام عربى | فيديو مضحك | فيديو رياضي | فيديو كليب | كارتون | حوادث | مسلسلات | مسرحيات | صور | اغانى | العاب بنات

 

مواقع ننصح بيها :  اسلاميات موقع الكوثر - افلام - اغانى - dirlive
العودة   منتديات حب جديد > المنتديات العامة > الحوار المفتوح

الحوار المفتوح اى موضوع او حوار

الدورى الفرنسى - الدوري الالماني - الدوري الايطالي - الدوري الانجليزي - الدوري الاسباني - الدورى المصرى


كبار أعلام الصوفية

الحوار المفتوح




إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
قديم 21-03-2008, 01:52 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي كبار أعلام الصوفية

تراجم و سير المتقدمين

أولا: الإمام الحسن البصرى

الحسن البصري



التابعى الجليل

وصف بأنه من كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة ومن القلائل الذين أجرى الله الحكمة على ألسنتهم فكان كلامه حكمة وبلاغة إنه التابعي الجليل الحسن البصري.


نسبه ونشأته:

هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، ولد الحسن في أواخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة، وأبوه مولى زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي وكانت أمه ربما غابت في حاجة فيبكي فتعطيه أم سلمة رضي الله عنها ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمه فدر عليه ثديها فشربه فيرون أن تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك.

ونشأ الحسن بوادي القرى وكان من أجمل أهل البصرة حتى سقط عن دابته فحدث بأنفه ما حدث.

وحكى الأصمعي عن أبيه قال ما رأيت أعرض زندا من الحسن كان عرضه شبرا. وقال أبو عمرو بن العلاء ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج ابن يوسف الثقفي فقيل له فأيهما كان أفصح قال الحسن.




مواقف من حياته:

كان الحسن يقص (يحكى القصص) في الحج فمر به علي بن الحسين فقال له يا شيخ أترضى نفسك للموت قال لا قال فلله في أرضه معاد غير هذا البيت قال لا قال فثم دار للعمل غير هذه الدار قال لا قال فعملك للحساب قال لا قال فلم تشغل الناس عن طواف البيت قال: فما قص الحسن بعدها.

***

وقيل إن رجلا أتى الحسن فقال يا أبا سعيد إني حلفت بالطلاق أن الحجاج في النار فما تقول أقيم مع امرأتي أم أعتزلها فقال له قد كان الحجاج فاجرا فاسقا وما أدري ما أقول لك إن رحمة الله وسعت كل شيء وإن الرجل أتى محمد بن سيرين فأخبره بما حلف فرد عليه شبيها بما قاله الحسن وإنه أتى عمرو بن عبيد فقال له أقم مع زوجتك فإن الله تعالى إن غفر للحجاج لم يضرك الزنا ذكر ذلك.

***

وكان في جنازة وفيها نوائح ومعه رجل فهم الرجل بالرجوع فقال له الحسن يا أخي إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا أسرع ذلك في دينك

****

وقيل له ألا ترى كثرة الوباء فقال أنفق ممسك وأقلع مذنب واتعظ جاحد.

****

ونظر إلى جنازة قد ازدحم الناس عليها فقال ما لكم تزدحمون ها تلك هي ساريته في المسجد اقعدوا تحتها حتى تكونوا مثله.

***

وحدث الحسن بحديث فقال له رجل يا أبا سعيد عن من فقال وما تصنع بعن من أما أنت فقد نالتك موعظته وقامت عليك حجته.

***

وقال لفرقد بن يعقوب بلغني أنك لا تأكل الفالوذج فقال يا أبا سعيد أخاف ألا أؤدي شكره قال الحسن يا لكع هل تقدر تؤدي شكر الماء البارد الذي تشربه.

***

وقيل للحسن إن فلانا اغتابك فبعث إليه طبق حلوى وقال بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فكافأتك بهذا

***

ولما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق وأضيفت إليه خراسان وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وذلك في سنة ثلاث ومائة فقال لهم إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده وأخذ عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة وقد ولاني ما ترون فيكتب إلي بالأمر من أمره فأنفذ ذلك الأمر فما ترون؟! فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية فقال ابن هبيرة ما تقول يا حسن فقال يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة الحسن فقال الشعبي لابن سيرين سفسفنا له فسفسف لنا.


من كلماته:

ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه إلا الموت.

ورأى الحسن يوما رجلا وسيما حسن الهيئة فسأل عنه فقيل إنه يسخر للملوك ويحبونه فقال لله أبوه ما رأيت أحدا طلب الدنيا بما يشبهها إلا هذا.


من خطب الحسن البصري .. رحمه الله:

خطب الناس فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه

با ابن آدم: بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا, ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا.

يا ابن آدم! اذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه, واذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم فيه. الثواء ههنا قليل, والبقاء هناك طويل. أمتكم آخر الأمم, وأنتم آخر أمتكم, وقد أسرع بخياركم, فماذا تنتظرون؟ المعاينة؟ فكأن قد! هيهات هيهات, ذهبت الدنيا بحال بالها, وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم.

فيا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة! أما انه والله لا أمّة بعد أمتكم, ولا نبي بعد نبيكم, ولا كتاب بعد كتابكم! أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم, وانما ينتظر بأولكم أن يلحقه آخركم. من رأى محمدا صلى الله عليه وسلم, فقد رآه غاديا ورائحا, لم يضع لبنة على لبنة, ولا قصبة على قصبة, ورفع له علم فشمّر اليه, فالوحاء الوحاء! والنجاء النجاء! علام تعرجون؟ أتيتم, ورب الكعبة, قد أسرع بخياركم, وأنتم كل يوم ترذلون, فماذا تنتظرون؟.

ان الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على علم منه, اختاره لنفسه, وبعثه برسالته, وأنزل عليه كتابه, وكان صفوته من خلقه, ورسوله الى عباده, ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر اليه أهل الأرض, وآتاه منها قوتا وبلغة, ثم قال" لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" فرغب أقوام عن عيشه, وسخطوا ما رضي له ربه, فأبعدهم الله وسحقهم.

يا ابن آدم: طأ الأرض بقدمك, فانها عن قليل قبرك, واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك. رحم الله رجلا نظر فتفكّر, وتفكّر فاعتبر, وأبصر فصبر, فقد أبصر أقوام ولم يصبروا, فذهب الجزع بقلوبهم, ولم يدركوا ما طلبوا, ولم يرجعوا الى ما فارقوا.

يا بن آدم! اذكر قول الله تعالى " وكلّ انسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" , عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. خذوا صفاء الدنيا وذروا طدرها, فليس الصفو ما عاد كدرا, ولا الكدر ما عاد صفوا. دعوا ما يريبكم الى مالا يريبكم, ظهر الجفاء, وقلّت العلماء, وعفت السنّ’, وشاعت البدعة, لقد صحبت أقواما ما كانت صحبتهم الا قرّة العين, وجلاء الصدور. ولقد رأيت أقواما لحسناتهم لأشفق من أن ترد عليهم منكم من سيئاتكم أن تعذبوا عليها, وكانوا فيما أحل الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرّم الله عليكم منها.

مالي أسمع حسيسا, ولا أرى أنيسا! ذهب الناس, وبقي النسناس. لو تكاشفتم ما تدافنتم. تهاديتم الأطباق, ولم تتهادوا النصائح.

قال ابن الخطاب: رحم الله امرأ أهدى الينا مساوينا.

أعدّوا الجواب فانكم مسؤولون. المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه, ولكنه أخذه من قبل ربّه. ان هذا الحق قد جهد أهله, وحال بينهم وبين شهواتهم, وما يصبر عليه الا من عرف فضله ورجا عاقبته. فمن حمد الدنيا ذمّ الآخرة, وليس يكره لقاء الله الا مقيم على سخطه.

يا ابن آدم! الايمان ليس بالتحلي ولا بالتمني, ولكنه ما وقر في القلب وصدّقه العمل.

قالوا عنه :

رجل هو الزهد، والزهد هو.

غير أنه لم يدرك النبي وإنما كان على درجة من الفطنة والزكاة، والخشية والإنابة والعقل والورع، والزهد والتقوى ما جعله يشبه الصحابة الكرام بل قال عنه علي بن زيد لو أدرك أصحاب رسول الله وله مثل أسنانهم ما تقدّموه.

قال عنه أحد العلماء: كان جائعاً عالماً عالياً رفيعاً فقيها ثقة مأموناً عابداً ناسكاً كبير العلم فصيحاً جميلاً وسيماً.

قال عنه أحد الصحابة: لو أنه أدرك أصحاب رسول الله لاحتاجوا إلى رأيه.

كانت أمه خيرة مولاة لأم سلمة زوج النبي وكان مولده قبل نهاية خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بسنتين.

وكانت أمه تخرج إلى السوق أحياناً فتدعه عند أم سلمة فيصيح جوعاً فتلقمه أم سلمة ثديها لتعلله به، إلى أن تجيء أمه – وإذا برحمة الله تنزل على الثدي فيدر لبناً فيرضع الطفل حتى يرتوي.

فإذا هو يرتوي حكمة وفصاحة وتقى، فما إن شب صاحبنا إلا وينابيع الحكمة تنبع من لسانه وجمال الأسلوب ورصانة العبارة وفصاحة اللسان تتحدر من كلامه.

إنه الحسن بن أبي الحسن يسار، الإمام شيخ الإسلام أبو سعيد البصري المشهور بالحسن البصري، يقال: مولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى جميل بن قطبة.

وأمه خيرة مولاة أم سلمة، نشأ إمامنا في المدينة النبوية وحفظ القرآن في خلافة عثمان. وكانت أمه وهو صغير تخرجه إلى الصحابة فيدعون له، وكان في جملة من دعا له عمر بن الخطاب.

قال: اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس.

فكان الحسن بعدها فقيهاً وأعطاه الله فهماً ثابتاً لكتابه وجعله محبوباً إلى الناس.

فلازم أبا هريرة وأنس بن مالك وحفظ عنهم أحاديث النبي ، فكان كلما سمع حديثاً عن المصطفى ازداد إيماناً وخوفاً من الله.

إلى أن أصبح من نساك التابعين ومن أئمتهم ومن وعاظهم ودعاتهم، وصار يرجع إليه في مشكلات المسائل وفيما اختلف فيه العلماء، فهذا أنس بن مالك ، سُئل عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن، قالوا: يا أبا حمزة نسألك، تقول: سلوا الحسن؟ قال: سلوا مولانا الحسن. فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا.

وقال أنس بن مالك أيضاً: إني لأغبط أهل البصرة بهذين الشيخين الحسن البصري ومحمد بن سيرين.

وقال قتادة: وما جالست رجلاً فقيهاً إلا رأيت فضل الحسن عليه، وكان الحسن مهيباً يهابه العلماء قبل العامة، قال أيوب السختياني: كان الرجل يجالس الحسن ثلاث حجج (سنين) ما يسأله عن مسألة هيبة.

وكان الحسن البصري إلى الطول أقرب، قوي الجسم، حسن المنظر، جميل الطلعة مهايباً.

قال عاصم الأحول: قلت للشعبي: لك حاجة؟ قال: نعم، إذا أتيت البصرة فأقرئ الحسن مني السلام، قلت: ما أعرفه، قال: إذا دخلت البصرة فانظر إلى أجمل رجل تراه في عينيك وأهيبه في صدرك فأقرئه مني السلام، قال فما عدا أن دخل المسجد فرأى الحسن والناس حوله جلوس فأتاه وسلّم عليه.

وكان الحسن صاحب خشوع وإخبات ووجل من الله، قال إبراهيم اليشكري: ما رأيت أحداً أطول حزناً من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة.

وقال علقمة بن مرثد: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، فأما الحسن بن أبي الحسن البصري. فما رأينا أحداً من الناس كان أطول حزناً منه، وكان يقول أي الحسن: نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا.

فقال: لا أقبل منكم شيئاً، ويحك يا ابن آدم، هل لك بمحاربة الله طاقة؟ إن من عصى الله فقد حاربه، والله لقد أدركت سبعين بدرياً، لو رأيتموهم قلتم مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا ما لهؤلاء من خلاق، ولو رأوا شراركم لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب.

قال مطر الوراق: الحسن كأنه رجل كان في الآخرة ثم جاء يتكلم عنها، وعن أهوالها. فهو بخبر عما رأي وعاين.

وقال حمزة الأعمى: وكنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه فقلت له يوماً: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني، ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبكِ؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة. فإن استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل، لعله تعالى أن يرحمك.

ثم ناد الحسن: بلغنا أن الباكي من خشية الله لا تقطر دموعه قطرة حتى تعتق رقبته من النار.

وقال حكيم بن جعفر قال لي من رأى الحسن: لو رأيت الحسن لقلت: قد بث عليه حزن الخلائق، من طول تلك الدمعة وكثرة ذلك النشيج.

قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهماً.

وعن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا يبالي. لله ما أطهر هذه القلوب، ولله ما أزكى هذه النفوس، بالله عليك قل لي: هل أرواحهم خلقت من نور أم أطلعوا على الجنة وما فيها من الحور أو عايشوا النار وما فيها من الدثور أم إنه الإيمان يكسى ويحمل فيكون كالنور نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء.

وكان الحسن البصري صاحب مواعظ وتذكير، ولكلامه أثر في النفوس وتحريك للقلوب.

قال الأعمش: ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها.

وكان أبو جعفر الباقي إذا ذكره يقول: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء.

ومن كلامه رحمه الله:

روى الطبراني عنه أنه قال: إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة، رجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة.

يقول أحدهم: إني لحسن الظن بالله وأرجو رحمة الله، وكذب، ولو أحسن الظن بالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة (الصحراء) من غير زاد ولا ماء أن يهلك.

عن حميد قال: بينما الحسن في المسجد تنفس تنفساً شديداً ثم بكى حتى أرعدت منكباً ثم قال: لو أن بالقلوب حياةً، لو أن بالقلوب صلاحاً لأبكتكم من ليلةٍ صبيحتها يوم القيامة، إن ليلة تمخض عن صبيحة يوم القيامة ما سمع الخلائق بيوم قط أكثر من عورة بادية ولا عين باكية من يوم القيامة.

وجاء شاب إلى الحسن فقال: أعياني قيام الليل (أي حاولت قيام الليل فلم استطعه)، فقال: قيدتك خطاياك.

وجاءه آخر فقال له: إني أعصي الله وأذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح علي من الدنيا، ولا أجد أني محروم من شيء فقال له الحسن: هل تقوم الليل فقال: لا، فقال: كفاك أن حرمك الله مناجاته.

وكان يقول: من علامات المسلم قوة دين، وجزم في العمل وإيمان في يقين، وحكم في علم، وحسن في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة (جوع) وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورع في رغبة، وتعفف وصبر في شدة.

لا ترديه رغبته ولا يبدره لسانه، ولا يسبقه بصره، ولا يقلبه فرجه، ولا يميل به هواه، ولا يفضحه لسانه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نغيته.

وقال له رجل: إن قوماً يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلاً (أي يتصيدون الأخطاء).

فقال: هون عليك يا هذا، فإني أطمعت نفسي في الجنان فطمعت، وأطعمتها في النجاة من النار، فطمعت، وأطمعتها في السلامة من الناس فلم أجد إلى ذلك سبيلاً، فإن الناس لم يرضوا عن خالقهم ورازقهم فكيف يرضون عن مخلوق مثلهم؟

وسُئل الحسن عن النفاق فقال: هو اختلاف السر والعلانية، والمدخل والمخرج، ما خافه إلا مؤمن (أي النفاق) ولا أمنة إلا منافق، صدق من قال: إن كلامه يشبه كلام الأنبياء.

توفي الإمام الحسن البصري وعمره 88 سنة عام عشر ومائة في رجب منها. بينه وبين محمد سيرين مائة يوم.




وفاته:

وتوفي بالبصرة مستهل رجب سنة عشر ومائة رضي الله عنه وكانت جنازته مشهودة قال حميد الطويل توفي الحسن عشية الخميس وأصبحنا يوم الجمعة ففرغنا من أمره وحملناه بعد صلاة الجمعة ودفناه فتبع الناس كلهم جنازته واشتغلوا به فلم تقم صلاة العصر بالجامع ولا أعلم أنها تركت منذ كان الإسلام إلا يومئذ لأنهم تبعوا كلهم الجنازة حتى لم يبق بالمسجد من يصلي العصر وأغمي على الحسن عند موته ثم أفاق فقال لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم.

وقال رجل قبل موت الحسن لابن سيرين رأيت كأن طائرا أخذ أحسن حصاة بالمسجد فقال إن صدقت رؤياك مات الحسن فلم يكن إلا قليلا حتى مات الحسن.

ولم يشهد ابن سيرين جنازته لشيء كان بينهما ثم توفي بعده بمائة يوم.



عنه أيضا:


عظيم أن يولد الإنسان في بيت تقى وصلاح ، وأعظم منه أن يكون البيت بيت علم وهداية ، فما بالك أخي القارئ لو كان البيت بيـًتا قرآنيـًا ، فيه القرآن تلي وقرأ ،وعلى أصحابه تنزل ، وما بالك لو كان البيت لإحدى أمهات المؤمنين ؟ هكذا ولد صاحب هذه الترجمة ، فقد كان مولده في بيت أم سلمة رضي الله عنها ، إذ كانت أمه مولاة لها ، وزاده قدر الله ميزة أخرى ، فلم يكن بيت أم سلمة رضي الله عنها مولده فحسب ، بل لقد كان حجرها غطاءه ، وصدرها سقاءه ، فأدفته بصدرها ، وأرضعته لبنها ، وشاء الله أن يدر له منها لبنـًا ، فكان لبنـًا مباركـًا ، غدى به ذرب اللسان ، قوي الحجة والبيان ، إن تحدث فجدير لأن يسمع له ، وإن سئل فجدير بأن يجيب ، إن وعظ علا صوته ، وجرى دمعه ، وبدا إخلاصه ، فيظهر على الناس الأثر ، يسبق فعله كلامه ، كما يسبق ضوء الفجر وهج الشمس .

أمور كثيرة هي التي منَّ الله عليه بها فرفع بين الناس ، وإن لم يكن ذا نسب رفيع ، لكنه رفعه علمه وفضله وتقاه ، طلب الحكام منه النصيحة فنصحهم ، والعظة فوعظهم ، وأعطوه أجرًا فرده وزجرهم ، فهو لا يريد من البشر أجرًا إنما كان شعاره " إن أجري إلا على الله "(هود/9) ، فنعم الأجر هو ، ونعم الرجل كان ، أتدري من هو صاحب هذه الترجمة ؟ إنه حليف الخوف والحزن ، أليف الهم والشجن ، إنه الحسن ،وما أدراك ما الحسن ؟* إنه الحسن البصري .

نسبه :

هو أبو سعيد ، الحسن بن أبي الحسن بن يسار ، كان أبوه مولى لزيد بن ثابت الأنصاري ، وكان يسار من سبي حسان ، سكن المدينة ، وأعتق وتزوج في خلافة عمر رضي الله عنه بأم الحسن وأسمها خيرة، كانت مولاة لأم المؤمنين أم سلمة المخزومية .

نشأته :

ولد الحسن رحمه الله لسنتين بقيتا من خلافه عمر رضي الله عنه وذهب به إلى عمر فحنكه ، ولما علمت أم المؤمنين أم سلمة بالخبر أرسلت رسولاً ليحمل إليها الحسن ، وأمه لتقضي نفاسها في بيت أم سلمة رضي الله عنها ، فلما وقعت عينها على الحسن وقع حبه في قلبها ، فقد كان الوليد الصغير قسيمـًا وسيمـًا ، بهي الطلعة ، تام الخلقة ، يملأ عين مجتليه ، ويأسر فؤاد رائيه ، ويسر عين ناظريه ، وسمته أم المؤمنين رضي الله عنها بالحسن ، ولم تكن البشرى لتقتصر على بيت أم سلمة رضي الله عنها فحسب ؛ بل عمت الفرحة دار الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه ، فهو مولى أبيه .

وكان كرم الله على الحسن أن نشأ في بيت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ، وكانت أمه تتركه عند أم المؤمنين ، وتذهب لقضاء حوائجها ، فكان الحسن إذا بكى ألقمته أم المؤمنين ثديها ، فيدر عليه لبنـًا بأمر الله ، على الرغم من كبر سنها فضلا عن أنه لم يكن لها ولد وقتها ، فكانت أم سلمة رضي الله عنها أمـًا للحسن من جهتين : الأولى كونها زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، فهي أم له وللمؤمنين ، والثانية كونها أمـًا له من الرضاعة .

ولم يكن الحسن رضي الله عنه قاصرًا في نشأته على بيت أم سلمة رضي الله عنها فحسب ؛ بل كان يدور على بيوت أمهات المؤمنين رضي الله عنهنَّ ، وكان هذا داعيـًا لأن يتخلق الغلام الصغير بأخلاق أصحاب البيوت ، وكان هو يحدث عن نفسه ، ويخبر بأنه كان يصول ويجول في داخل بيوتهنَّ رضي الله عنهنَّ حتى أنه كان ينال سقوف بيوتهنَّ بيديه وهو يقفز فيها قفزًا .

زهده :

عاش الحسن رضي الله عنه دنياه غير آبه بها ، غير مكترث لها ، لا يشغله زخرفها ولا يغويه مالها ، فكان نعم العبد الصالح ، حليف الخوف والحزن ، أليف الهم والشجن، عديم النوم والوسن، فقيهـًا زاهدًا، مشمرًا عابدًا، وفي هذا يقول : إن المؤمن يصبح حزينـًا ويمسي حزينـًا وينقلب باليقين في الحزن، ويكفيه ما يكفي العنيزة، الكف من التمر والشربة من الماء، وقال عنه إبراهيم بن عيسى اليشكري : ما رأيت أحدًا أطول حزنـًا من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة، وقال عنه علقمة بن مرثد : انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين ، فمنهم الحسن .

ولقد شهد له أهل البصرة بذلك، حدث خالد بن صفوان، وكان من فصحاء العرب، فقال لقيت مسلمة بن عبد الملك فقال لي : أخبرني عن حسن البصرة ، فقال خالد : أنا خيرٌ من يخبرك عنه بعلم، فأنا جاره في بيته وجليسه في مجلسه وأعلم أهل البصرة به، إنه امرؤٌ سريرته كعلانيته ، وقوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أعمل الناس به ، وإذا نهى عن منكر كان أترك الناس له، ولقد رأيته مستغنيـًا عن الناس زاهدًا بما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه طالبين ما عنده، فقال مسلمة : حسبك يا خالد حسبك ** كيف يضل قوم فيهم مثل هذا ؟**!!

الحسن والحكام :

لما كان الحسن رضي الله عنه قد طلّق الدنيا برمتها ، وقد رخصت في عينه، فقد هان عنده كل شيء، فلم يكن يعبأ بحاكم ظالم، ولا أمير غاشم، و لا ذي سلطة متكبر، بل ما كان يخشى في الله لومة لائم، ومن ذلك أن الحجاج كان قد بنى لنفسه قصرًا في " واسط " فلما فرغ منه نادى في الناس أن يخرجوا للفرجة عليه، وللدعاء له، فخرج الحسن، ولكن لا للدعاء، بل انتهازًا للفرصة حتى يذكر الناس بالله ويعظ الحجاج بالآخرة، فكان مما قال : ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض غروه، ولما حذره أحد السامعين من بطش الحجاج رد عليه الحسن قائـلاً : لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وفي اليوم التالي وجه الحجاج إلى الحسن بعض شرطه ثم أمر بالسيف والنطع( البساط من الجلد يوضع تحت المحكوم عليه بقطع الرأس)، فلما جاء الحسن أقبل على الحجاج وعليه عزة المسلم، وجلال المسلم، ووقار الداعية إلى الله، وأخذ يحرك شفتيه يدندن بكلام ويتمتم ببعض الحروف، فلما رآه الحجاج هابه أشد الهيبة، وما زال يقربه حتى أجلسه على فراشه، وأخذ يسأله في أمور الدين، ثم قال له : أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، ثم طيبه وودعه، فتعجب الناس من صنيع الحجاج فقالوا : يا أبا سعيد ماذا قلت حتى فعل الحجاج ما فعل؟ وقد كان أحضر السيف والنطع، فقال الحسن : لقد قلت : يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي ، اجعل نقمته بردًا وسلامـًا علي كما جعلت النار بردًا وسلامـًا على إبراهيم .

وكتب إلى عمر بن عبد العزيز لما ولي كتابـًا جاء فيه : إن الدنيا دار مخيـفة ، إنما أهبط آدم من الجنة إليها عقوبة ، واعلم أن صرعتها ليست كالصرعة، من أكرمها يهن، ولها في كل حين قتيل، فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه يصبر على شدة الدواء خيفة طول البلاء .

ودعاه يومـًا ابن هبيرة ،وكان يزيد بن عبد الملك قد ولي ابن هبيرة العراق وخراسان ، وكان مع الحسن الشعبي ،فسألهما ابن هبيرة في كتب تصل إليه من أمير المؤمنين فيها ما يغضب الله ؛فتكلم الشعبي فتلطف في الكلام، فلما تكلم الحسن زأر كالأسد ،وانطلق كالسهم ،وانقض كالسيف ، قائلاً : يا ابن هبيرة :خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، واعلم أن الله يمنعك من يزيد، وأن يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره، فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد، يا ابن هبيرة، إنك إن تك مع الله وفي طاعته، يكفك بائقة ( أذى ) يزيد، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوقٍ كائنـًا من كان في معصية الخالق .

مكانته العلمية وأسبابها :

كان رضي الله عنه جامعـًا، عالمـًا ، فقيهـًا ، ثقة ، حجة مأمونـًا فصيحـًا، ويعد الحسن رضي الله عنه سيد أهل زمانه علمـًا وعملاً، وأشدهم فصاحة وبيانـًا، وقد برع ـ رحمه الله ـ في الوعظ والتفسير براعة لا تفاق، حتى كان فارس الميدان، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها :
نشأته في بيت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ، فقد رضع من ثديها، كما رضع منها علمـًا وفقهـًا .

قربه من بيوت أمهات المؤمنين ، فكان ذلك داعيـًا لأن يتعلم منهنَّ .

لزومه حلقة ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ ، فقد أخذ عنه الفقه والحديث والتفسير والقراءات واللغة .
ولوعه بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ فقد راعه فيه صلابته في الدين وإحسانه في العبادة، وزهده في الدنيا، وقوته في الفصاحة والبيان .

من روى عنهم :

وقد روى الحسن رضي الله عنه عن عدد كبير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هؤلاء :عمران بن حصين ، والمغيرة ، وعبد الرحمن بن سمرة ، والنعمان بن بشير ، وجابر ، وابن عباس ، وابن سريع ، وأنس ، كما رأى عثمان وطلحة، وكان يحدث هو فيقول أنه أدرك سبعين بدريـًا .

ما قيل فيه :

قال أبو بردة : ما رأيت أحدًا أشبه بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم منه
وقال أبو قتادة : ما رأيت أحدًا أشبه رأيـًا بعمر منه .
وقال قتادة : ما جمعت علم الحسن إلى علم أحد من العلماء إلا وجدت له فضلاً عليه ، وما جالست فقيهـًا قط إلا رأيت فضل الحسن .
وقال الأشعث : ما لقيت أحدًا بعد الحسن إلا صغر في عيني .
وقال عطاء : ذاك إمام ضخم يقتدى به .

من كلامه رضي الله عنه :

كان الحسن رضي الله عنه يتكلم بالحكمة ، قال أبو جعفر الباكر : إن كلامه أشبه بكلام الأنبياء ، وقال حماد بن زيد : سمعت أيوب يقول : كان الحسن يتكلم بكلام كأنه الدر ، وكان من كلامه :

- ابن آدم : إنما أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك .
- فضح الموت الدنيا ، فلم يترك فيها لذي لب فرحـًا .
- ضحك المؤمن غفلة من قلبه .



من مواعظ الحسن البصري:




من مواعظ الحسن البصري رضي الله عنه كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: "إعلم أنّ التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى وإن كان كثيرا يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزا، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة التي قد تزينت بخدعها وغرت بغرورها وقتلت أهلها بأملها وتشوفت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوة، العيون إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة ولألبابها دامغة وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي مُعتبر، ولا الآخر بما رأى من الأول مُزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع.



فاحذرها الحذر كله فإنها مثل الحية لين ملمسها وسمها يقتل، فاعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما عانيت من فجائعها، وأيقنت به من فراقها، وشدد ما اشتد منها الرخاء ما يصيبك، وكن ما تكون فيها احذر ما تكون لها فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له، أشخصته عنها بمكروه، وكلما ظفر بشيء منها وثنى رجلا عليه انقلبت به، فالسار فيها غار، والنافع فيها غدا خار، وصل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، سرورها مشوب بالحزن، وءاخر الحياة فيها الضعف والوهن، فانظر اليها نظر الزاهد المفارق ولا تنظر نظر العاشق الوامق، واعلم أنها تزيل الثاوي الساكن وتفجع الغرور الآمن، لا يرجع ما تولى منها فأدبر ولا يدري ما هو ءات فيها ينتظر".



وقال رضي الله عنه: "إن الدنيا دار عمل من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها سعد بها نفعته صحبتها، ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقي بها وأسلمته إلى ما لا صبر له عليه ولا طاقة له به من عذاب الله، فأمرها صغير ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله تعالى ولي ميراثها، وأهلها محولون عنها إلى منازل ومنها يخرجون، فاحذروا ذلك الموطن وأكثروا ذلك المنفلت، واقطع يا ابن ءادم من الدنيا أكثر همك، ولا تميل إلى الدنيا فترديك منازل سوء مفضية بأهلها إلى ندامة طويلة وعذاب شديد، فلا تكونن يا ابن ءادم مغترا، ولا تأمن ما لم يأتك الأمن منه فإن الهول الأعظم ومفظعات الأمور أمامك لم تخلص منها حتى الآن، ولا بد من ذلك المسلك وحضور تلك الأمور إما يعافيك من شرها وينجيك من أهوالها، وإما الهلكة وهي منازل مخوفة محذورة مفزعة للقلوب، فلذلك فاعدد ومن شرها فاهرب، ولا يلهينك المتاع القليل الفاني، ولا تربص بنفسك فهي سريعة الانتقام من عمرك فبادر أجلك، ولا تقل غدا غدا فإنك لا تدري متى إلى الله تصير فان الحجة لله بالغة، والعذر بارز، وكل مواف الله عمله، ثم يكون القضاء من الله في عباده على أحد أمرين: فمقضي له رحمته وثوابه فيا لها نعمة وكرامة، ومقضي سخطه وعقوبته فيا لها من حسرة وندامة، ولكن حق على من جاءه البيان من الله بأن هذا أمره هو واقع أن يصغر في عينيه ما هو عند الله صغير، وأن يعظم في نفسه ما هو عند الله عظيم".


رسائل مبكية من كلام الحسن البصري رحمه الله :


من الحسن البصري إلى كل ولد آدم

• يا ابن آدم عملك عملك فإنما هو لحمك و دمك فانظر على أي حال تلقى عملك .

• إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها :صدق الحديث ووفاء بالعهد و صلة الرحم و رحمة الضعفاء وقلة المباهاة للناس و حسن الخلق وسعة الخلق فيما يقرب إلى الله

• يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك غدا يوزن خيره وشره فلا تحقرن من الخير شيئا و إن صغر فإنك إذا رأيته سرك مكانه. ولا تحقرن من الشر شيئا فإنك إذا رأيته ساءك مكانه.
فإياك و محقرات الذنوب.

• رحم الله رجلا كسب طيبا و أنفق قصدا و قدم فضلا ليوم فقره و فاقته.

• هيهات .. هيهات ذهبت الدنيا بحال بالها وبقيت الأعمال قلائد في أعناقكم

• أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم و قد أسرع بخياركم فماذا تنتظرون ؟!!

• يا ابن آدم بع دنياك بآخرتك .. تربحهما جميعا و لا تبيعن آخرتك بدنياك .. فتخسرهما جميعا.

• يا ابن آدم إنما أنت أيام ! كلما ذهب يوم ذهب بعضك فكيف البقاء ؟!

• لقد أدركت أقواما .. ما كانوا يفرحون بشئ من الدنيا أقبل و لا يتأسفون على شئ منها أدبر لهي كانت أهون في أعينهم من التراب فأين نحن منها الآن ؟!

• إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه يقول : ما أردت بكلمتي ؟ يقول : ما أردت بأكلتي ؟
يقول : ما أردت بحديث نفسي ؟ فلا تراه إلا يعاتبها

• أما الفاجر :نعوذ بالله من حال الفاجر.فإنه يمضي قدما و لا يعاتب نفسه .. حتى يقع في حفرته وعندها يقول : يا ويلتى يا ليتني .. يا ليتني .. و لات حين مندم !!!

• يا ابن آدم إياك و الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة و ليأتين أناس يوم القيامة
بحسنات أمثال الجبال فما يزال يؤخذ منهم حتى يبقى الواحد منهم مفلساً
ثم يسحب إلى النار ؟

• يا ابن آدم إذا رأيت الرجل ينافس في الدنيا..فنافسه في الآخرة

• يا ابن آدم نزّه نفسك فإنك لا تزال كريما على الناس و لا يزال الناس يكرمونك ..
ما لم تتعاط ما في أيديهم فإذا فعلت ذلك : استخفّوا بك و كرهوا حديثك و أبغضوك

• أيها الناس:أحبّوا هونا و أبغضوا هونا فقد أفرط أقوام في الحب..حتى هلكوا
و أفرط أقوام في البغض ..حتى هلكوا .

• أيها الناس لو لم يكون لنا ذنوب إلا حب الدنيا لخشينا على أنفسنا منها إن الله عز وجل يقول :{تريدون عرض الدنيا و الله يريد الآخرة }( الأنفال : 67 ) فرحم الله امرءاً ..أراد ما أراد الله عزّ و جلّ .

• أيها الناس لقد كان الرجل إذا طلب العلم : يرى ذلك في بصره و تخشّعه و لسانه ويده
وصلاته و صلته وزهده أما الآن .. !! فقد أصبح العلم ( مصيدة ) و الكل يصيد أو يتصيد إلا من رحم ربك و قليل ما هم.

• توشك العيـن تغيـض و البحيرات تجفّ.
بعضنا يصطاد بعضاً و الـشباك تختلف.
ذا يجئ الأمر رأسـا ذا يدور أو يلف.
و الصغير قد يعــف و الكبير لا يعف.
و الإمام قد يســــــف والصغير لا يسف.
و الثياب قد تصــــون و الثياب قد تشف .
و البغي قد تـــــداري سمــها و تلتـــحف.
و الشتات لا يزال .. يأتلف و يختلف .
و الخطيب لا يزال .. بالعقول يستخف .
و القلـــوب لا تزال.. للشمال تنحرف .
و الصغير بات يدري.. كيف تؤكل الكتف .
لا تخادع يا صـديقي بالحقيقة اعتـــرف.

• لقد رأيت أقواما..كانت الدنيا أهون عليهم من التراب و رأيت أقواما ..يمسي أحدهم و ما يجد إلا قوتا فيقول : لا أجعل هذا كله في بطني ! لأجعلن بعضه لله عز وجل !
فيتصدق ببعضه وهو أحوج ممن يتصدق به عليه !

• يا قوم إن الدنيا دار عمل من صحبها بالنقص لها و الزهادة فيها سعد بها و نفعته صحبتها .ومن صحبها على الرغبة فيها و المحبة لها شقي بها . و لكن أين القلوب التي تفقه ؟ و العيون التي تبصر ؟ والآذان التي تسمع ؟

• أين منكم من سمع ؟!! لم أسمع الله عزّ و جلّ.. فيما عهد إلى عباده و أنزل عليهم في كتابه : رغب في الدنيا أحدا من خلقه و لا رضي له بالطمأنينة فيها و لا الركون إليها
بل صرّف الآيات و ضرب الأمثال : بالعيب لها و الترغيب في غيرها

• أفق يا مغرور تنشط للقبيح و تنام عن الحسن و تتكاسل إذا جدّ الجد !!!

• القلب ينشط للقبيح .. وكم ينام عن الحسن
يا نفس ويحك ما الذي .. يرضيك في دنيا العفن ؟!
أولى بنا سفح الدموع .. و أن يــجلبــبنا الحـــزن
أولى بنا أن نرعــوي أولى بنا لبس ( الكفــــن)
أولى بنا قتل ( الهوى ) في الصدر أصبح كالوثن
فأمامنا سفر طويل .. بــــعده يأتــــي الســــكن
إما إلى ( نار الجحيم ) .. أو الجنان : ( جنان عدن )
أقسمت ما هذي الحياة.. بها المقام أو ( الوطـــن)
فلم التلوّن و الخداع ؟ لم الدخول على ( الفتن ) ؟!
يكفي مصانعة الرعاع .. مع التقلـــب في المحن
تبا لهم مــن مــــعشر ألفوا معاقرة ( النــــتن)
بينا يدبّر للأمــــــين أخو الخيانة ( مؤتمن ) !
تبا لمن يتمـــــــلقون و ينطوون على ( دخن )
تبا لهم فنفـــــــــاقهم قد لطّخ ( الوجه الحسن)
تبا لمن باع ( الجنان ) لأجـــــل ( خضراء الدمن)

• أفيقوا يا أهل الغفلة فالقافلة قد تحركت و عند الصباح ..و يحمد القوم السّرى
{أفأمن أهل القرى أن يأتيها بأسنا بياتاّ وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } ( الأعراف : 97-99)

• لا يزداد المؤمن صلاحا..إلا ازداد خوفا حتى يقول : لا أنجو ! أما الفاسق فيقول : الناس مثلي كثير و سيغفر لي ، و لا بأس علي ، فرحمة الله واسعة والله غفور رحيم !
أكمل يا مغرور ولا تقل : فويل للمصلين ! {قال عذابي أصيب به من أشاء و رحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة و الذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة و الإنجيل يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه و اتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } ( الأعراف : 156-157)
واقرأ يا مغرور ! { إن رحمة الله قريب من المحسنين } ( الأعراف : 56 )
و اقرأ يا مغرور : { و إني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحاً ثم اهتدى }( طه : 82 ) و اقرأ يا مغرور : { فاغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم } ( غافر : 7 ) و لكن الفاسق المغرور يخدع نفسه فيؤجل العمل و يتمنى على الله تعالى.

• تباً لطلاب الدنيا وهي دنيا !!! و الله لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم للرحمن و ذلك بحبهم للدنيا

• و الله ما صدّق عبد بالنار..إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت و إن المنافق المخدوع :لو كانت النار خلف هذا الحائط لم يصدق بها ..حتى يتهجم عليها فيراها !

• القلوب .. القلوب إن القلوب تموت و تحيا فإذا ماتت : فاحملوها على الفرائض
فإذا هي أحييت : فأدبوها بالتطوع .

• المؤمن !!! ما المؤمن ؟ و الله ما المؤمن بالذي يعمل شهراً أو شهرين أو عاماً
أو عامين لا و الله ما جعل الله لمؤمن أجلا .... ( دون الموت )

• الذنوب و هل تتساوى الذنوب؟ إن الرجل ليذنب الذنب فما ينساه وما يزال متخوفا منه أبدا حتى يدخل الجنة

• الدنيا .. وهموم الدنيا و التحسر على ما فات يجعل الحسرة حسرات.

• إن المؤمن إذا طلب حاجة فتيسرت ..قبلها بميسور الله عزّ و جلّ و حمد الله تعالى عليها و إن لم تتيسر .. تركها و لم يتبعها نفسه

• ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير و ليس ذلك لأحد إلا المؤمن إن أصابته سراء شكر: فكان خيرا له و إن أصابته ضراء صبر : فكان خيرا له ) .

• نعمت الدار كانت ( الدنيا ) للمؤمن و ذلك أنه عمل قليلاً و أخذ زاده منها إلى ( الجنة ) .و بئست الدار كانت للكافر و المنافق ذلك أنه تمتع ( ليالي ) و كان زاده منها إلى ( النار ) .{ فمن زحزح عن النار و أدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور }( آل عمران : 185 )

• إن المؤمن قوّام على نفسه يحاسب نفسه لله عزّ و جلّ و إنما خفّ الحساب يوم الحساب ..على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا و إنما شق الحساب ..على قوم أخذوها من غير محاسبة .

• يا قوم تصبروا و تشددوا فإنما هي ليالٍ تعد و إنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب فيذهب به و لا يلتفت فانقلبوا بصالح الأعمال .

• إن هذا الحق قد أجهد الناس و حال بينهم وبين شهواتهم و إنما صبر على الحق :
من عرف فضله و رجا عاقبته.

• أفق يا مغرور من غفلتك و ابك على خطيئتك.إذا خاف ( الخليل ) ..و خاف ( موسى ) ..كذا خاف ( المسيح ) ..و خاف ( نوح ) ..وخاف ( محمد) خير البرايا
فمالي لا أخاف و لا أنوح ؟!

• و يحك يا ابن آدم هل لك بمحاربة الله طاقة ؟! إنه من عصى ربه فقد حاربه !

• يا هذا أدم الحزن على خير الآخرة لعله يوصلك إليك .وابك في ساعات الخلوة
لعل مولاك يطلع عليك فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين .

• يا هذا رطّب لسانك بذكر الله وندّ جفونك بالدموع ..من خشية الله فوالله ما هو إلا حلول القرار :في الجنة أو النار ليس هناك منزل ثالث من أخطأته الرحمة صار و الله إلى العذاب .

• السنة .. السنة وطّنوا النفوس على حبها وتعظيمها و الحنين إليها فقد جاء في الأثر :
لما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم المنبر ..حنّت الجذع ..كما يحنّ الفصيل إلى أمه
و بكت بكاء الصبي !! يا عباد الله ! الخشبة تحنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
شوقاً إليه !فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه .

• و اعلم يا هذا أن خطاك خطوتان : خطوة لك و خطوة عليك فانظر أين تغدو ؟
و أين تروح ؟

• الموت .. الموت { كل نفس ذائقة الموت } ( آل عمران : 185 ) ( الأنبياء : 35 ) ( العنكبوت : 57 ) يحق لمن يعلم : أن الموت مورده و أن الساعة موعده
و القيام بين يدي الله تعالى مشهده يحق له أن يطول حزنه .

• يا هذا صاحب الدنيا بجسدك وفارقها بقلبك و ليزدك إعجاب أهلها بها ..زهدا فيها
و حذرا منها فإن الصالحين كانوا كذلك .

• { كل نفس ذائقة الموت } فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فرحا .

• و اعلم يا هذا أن المؤمن في الدنيا كالغريب لا يأنس في عزها و لا يجزع من ذلها
للناس حال و له حال .

• و احذر ( الهوى ) فشرُ داء خالط القلب : الهوى

• و احرص على العلم و أفضل العلم : الورع و التوكل

• و اعلم أن العبد لا يزال بخير ما إذا قال.. قال لله و إذا عمل .. عمل لله

• واعلم أن أحب العباد إلى الله ..الذين يحببون ( الله ) إلى عباده و يعملون في الأرض نصحا .

• و احذر الرشوة فإنها إذا دخلت من الباب ..خرجت الأمانة من النافذة

• و احذر الدنيا فإنه قلّ من نجا منها وليس العجب لمن هلك ..كيف هلك ؟
و لكن العجب لمن نجا ..كيف نجا ؟! فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة و إلا فإني لا أخالك ناجيا .ورغم هذا فالدنيا كلها : أولها و آخرها ما هي إلا كرجل نام نومة
فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه !!!

• كيف نضحك ؟ و لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا فقال : لا أقبل منكم !!

• يا هذا بع دنياك بآخرتك ..تربحهما جميعا .و لا تبع آخرتك بدنياك .. فتخسرهما جميعا .

• يا هذا كفى بالموت واعظا و رب موعظة دامت ساعة ثم تنقضي و خير موعظة ما دام أثرها

• نراع إذا ( الجنائز ) قابلتنا و يحزننا بكاء الباكيات كروعة ثلة لمغار سبع
فلما غاب : عادت راتعات !!





وفاته رضي الله عنه :

في العام العاشر بعد المائة الأولى وفي غرة رجب ليلة الجمعة وافقت المنية الحسن رضي الله عنه ،فلما شاع الخبر بين الناس ارتجت البصرة كلها رجـًا لموته رضي الله عنه ، فغسل وكفن ، وصلى عليه في الجامع الذي قضى عمره فيه ؛داعيـًا ومعلمـًا وواعظـًا ، ثم تبع الناس جنازته بعد صلاة الجمعة ، فاشتغل الناس في دفنه ولم تقم صلاة العصر في البصرة لانشغال الناس بدفنه .

رحم الله أبا سعيد ، وتقبله في الصالحين ، وجمعنا الله به في دار كرامته
من مواضيع : ahmed1981 0 التدخين و المخدرات .. آفتان متى يتخلص منهما الشباب العربى؟
0 الأعمال الكاملة للحلاج
0 قصة أبو رجل مسلوخة


رد مع اقتباس


  #2  
قديم 21-03-2008, 01:53 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

ثانيا: السيدة رابعة العدوية


رابعة العدوية البصرية.. قديسة عراقية..
صبيحة ثويني / السويد




رابعة (رسم شريفة السديري)



يضطلع البحث في سيرة السيدة( رابعة العدوية) بمتعة إستثنائية، لما ترسيه على شاطىء العاطفة في ميناء الحب الإلهي، وما تركبه من قارب التضحية وبذل الذات والزهد والسمو فوق بريق الدنيا ومتعها. ودرجات الحب التي عرجت عليها ما هي إلا محاولة الوصول إلى رضا ورحابه ليس لها حدود.. وهكذا فأن التعايش مع سيرة رابعة سباحة في تيارات من أضواء وألوان وعطور روحانية، تشغل الأحداث الخارجية في كنفها شحيح الخبر، لكن أحداث حياتها الروحية لا تحصر.

كنيت بـ"قديسة الإسلام" وهي من قلائل أقطاب التصوف العراقي، ممن أطلعنا على سيرهم، من خلال عمل درامي الذي وسع دائرة معرفتنا بهم.و بالرغم من العمق الزمني البعيد لمجريات حياتها، فأن فيلم (رابعة العدوية) المنتج في بواكير ستينات القرن العشرين، لم يلمس الكثير من حقائق الفكر والتأثير والبيئة الحضارية.




ان ( رابعة) مكناة ب(أم الخير)، وهي بنت إسماعيل العدوي، ولدت في مدينة البصرة، ويرجح مولدها حوالي(100 هـ -718م)، وكانت لأب عابد فقير. ومات الأب و(رابعة) لم تزل طفلة دون العاشرة. ولم تلبث الأم أن لحقت به. فوجدت الفتيات(رابعة واخواتها) أنفسهن بلا عائل يُعانين الفقر والجوع والهزال. فذاقت (رابعة) مرارة اليتم الكامل، دون أن يتركا والديها من أسباب العيش لها سوى قارب ينقل الناس بدراهم معدودة(معيبر) في إحدى أنهار البصرة. خرجت لتعمل مكان أبيها ثم تعود بعد عناء تهون عن نفسها بالغناء. وبذلك أطلق الشقاء عليها وحرمت من الحنان والعطف الأبوي. وبعد وفاة والديها غادرت رابعة مع أخواتها البيت بعد أن دب البصرة جفاف وقحط أو وباء وصل إلى حد المجاعة ثم فرق الزمن بينها وبين أخواتها، وبذلك أصبحت رابعة وحيدة مشردة.. وأدت المجاعة إلى انتشار اللصوص وقُطَّاع الطرق.. وقد خطف رابعة أحد اللصوص وباعها بستة دراهم لأحد التجار القساة من آل عتيك البصرية، وأذاقها التاجر سوء العذاب.. ولم تتفق آراء الباحثين على تحديد هوية رابعة، البعض يرون أن (آل عتيق) هم (بني عدوة) ولذا تسمى العدوية.




البصرة



ونقل البعض أن أسمها (رابعة) جاء بسبب ولادتها بعد ثلاث بنات، لكننا نعتقد بأن أسم (رابعة) يمت لدلالات رمزية ترد من الوضوح والتوسط كما في (رابعة النهار)، ولا نستبعد أن يكون استرسالا من حظوة المربع والأربعة والتربيع و المرابع والربع (الجماعة) التي وردت في الثقافة العراقية، ونجدها صريحة لدى الآشوريين في (أربع أيل) أو ( أربيل اليوم)، وهو ما يوحي بدلالات الاتزان والعدل والوسطية والاستقرار والتكافؤ، التي تأخذها صفة المربع الهندسي. ومازال أسم (رابعة أو ربيعة) تطلق في العراق على النخلة إذا ارتفعت وطالت ولم تنل ثمارها.

بدأت "رابعة" بحفظ القرآن والعبادة والتهجد في الليل، و اختلفت الآراء حول طبيعة حياتها، وقيل أنها عاشت حياتها بلا بيت، وبلا مال، وبلا زواج، غير أنه يبدو أن رابعة كانت مولاة، وكانت تعزف الناي ثم كانت مغنية، (هذا ما قاله العطار)، وأنها كانت على قدر من الحسن والجمال.حدث ذلك بعد أن أعتقها سيدها بما لمسه من جفاء لديها، وشرود وإنشغال روحاني ثم منام، فأمر بإعتاقها. وعزاه آخرون ومنهم العطار إلى أنه سمعها تقول مخاطبة الله: (إلهي أنت تعلم أن قلبي يتمنى طاعتك، ونور عيني في خدمتك، ولو كان الأمر بيدي لما انقطعت لحظة عن مناجاتك، ولكنك تركتني تحت رحمة هذا المخلوق القاسي من عبادك). وجعلت المساجد دارها واحترفت العزف على الناي والأناشيد في حلقات الذكر وساحات المتصوفة. وعزف الناي عند المتصوفة ليس نكرًا ولا بدعًا. وكانت حينئذ في الرابعة عشر من عمرها. لكنها اشتاقت للدنيا الخلاء والانقطاع عن الناس، فانقطعت وتبتلت..




وتقول دائرة المعارف الإسلامية (المجلد التاسع-العدد 11 ص 440) :" إن رابعة أقامت أول أمرها بالصحراء بعد تحررها من الأسر، ثم انتقلت إلى البصرة حيث جمعت حولها كثيرًا من المريدين والأصحاب الذين وفدوا عليها لحضور مجلسها، وذكرها لله والاستماع إلى أقوالها، وكان من بينهم مالك بن دينار، والزاهد رباح القيسى، والمحدث سفيان الثورى، والمتصوف شفيق البلخي". وتضيف دائرة المعارف الإسلامية: ( رابعة تختلف عن متقدمي الصوفية الذين كانوا مجرد زهاد ونساك، ذلك أنها كانت صوفية بحق، يدفعها حب قوي دفاق، كما كانت في طليعة الصوفية الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيده رغبة سوى حب الله وحده، وكانت طليعتهم أيضًا في جعل الحب مصدرًا للإلهام والكشف". وكانت متواصلة البكاء على فقدان الحبيب الوحيد "الله عز وجل" فقضت ترغب في الوصال معه. وعاشت ضياء نفس بين عتمة الأنفس، وزيت إيمانها كان يحترق في محرابها ثم زهدت وورعت وجاهدت نفسها و علمت قصدها ومارسته بسلوكها الإيماني بيقين تام.


الزهد الإسلامي

لا يمكن أخذ ظاهرة (رابعة العدوية) ومذهبها في هذا السياق بعيدا عن الدفق الفكري والحضاري المتراكم في البيئة البصرية العراقية، الحبلى بمآثر وفلسفة، يمتد شوطها بين سومر حتى آرام ثم الإسلام.

وترجع الباحثة نظلة الجبوري الفكر الصوفي وممارسة الزهد إلى جذوره الرافدية، حيث تذكر بأن التاريخ سجل للإنسان العراقي القديم في بلاد سومر وبابل وآشور أول صلة بينه و الآلهة والطبيعة في الألف الخامس ق. م. ويبدو ذلك واضحاً في أسطورة الخليقة البابلية السومرية (كلكامش) وعنوانها البابلي (حينما في العلى) ومجازا تعني (أيام السماء). ففي هذه الأسطورة بدايات الفكر التأملي الواعي للإنسان القديم في معرفة أصل الوجود والإنسان والأشياء فصارت من ثم نظرية كونية لاهوتية روحية تنطوي على ايمان راسخ ومبدأ عقائدي ثابت.

ونظرا لبعد زمانها عنا، وبعد أن أطلعنا حديثا على بحوث الحفريات في حضارات العراق القديمة، وكذلك الأديان، على مآثر( ماني البابلي)(213-277م) مؤسس الديانة المانوية(الثنوية). كل تلك المعطيات تقلل العجيب في أمر رابعة، حينما مارست العشق بصورة غريبة في الإسلام، وربما لم تكن غريبة في المانوية مثلا. ونرجح أن يكون قد بعث أو نضج فيها فكر محلي هو امتداد للعرفانية المتمثلة بالصائبية والزهد الرهباني المسيحي، حيث شكلت شرارته التغيير الجذري الذي أحدثه شعاع الإسلام. ثم أخذ الأمر مداه الوقتي في الإستيعاب والتقمص. فظهرت المحاكاة، وطفح الموروث إلى السطح بعد حين، بما ندعوه (الثابت والمتغير) في كنف الثقافة الواحدة. وهكذا نلمس محاكاة وتطابق مع سيرة الداعية (ماني البابلي). أو لتقريب الصورة نجدها إستنساخ لظاهرة (هند) بنت المنذر ملك الحيرة التي ترهبت وتبتلت وزهدت نصرانيا. وهكذا فأن (رابعة) لم تبعد عن بيئة ماني، وربما من قبله، ثم هند من بعده؛ سوى أن وسيلتها هذه المرة كانت الإسلام؛ وغاياتها كان صفاء النفس و عودة لنقاء الروح الذي أفتقدته الحياة في مد الحضارة المادية وسطوتها. وهكذا يمكن تلمس الأفق النفسي في موضوع رابعة حينما تسنى لها نقل ممارسة الزهد إلى الأفق الصوفي الإسلامي.


وظهرت في الكوفة جماعة من أهلها اعتزلوا الناس وأظهروا الندم الشديد بعد مقتل الإمام الحسين(ع)، وسموا أنفسهم بالتوَّابين أو البكَّائين. كما ظهرت طبقة من العباد غلب عليهم جانب التشدد في العبادة والبعد عن المشاركة في مجريات الدولة، مع علمهم وفضلهم والتزامهم بآداب الشريعة، واشتغالهم بالكتاب والسنة تعلماً وتعليماً. كما ظهر فيهم الخوف الشديد من الله تعالى، والإغماء والصقع عند سماع القرآن الكريم مما استدعى الإنكار عليهم من بعض الصحابة وكبار التابعين كأسماء بنت أبي بكر وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين ونحوهم، وبسببهم شاع لقب العبَّاد والزُهَّاد والقُرَّاء في تلك الفترة.

وبرزت أول طبقة للزهاد في البصرة من أمثال : إبراهيم بن ادهم، مالك بن دينار، وبشر الحافي وعبد الواحد بن زيد،ومن ضمنهم رابعة العدوية، وطفحت ظاهرة تعذيب النفس بترك الطعام، وتحريم تناول اللحوم، والسياحة في البراري والصحاري، وترك الزواج. يقول مالك بن دينار : (( لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة، ويأوي إلى مزابل الكلاب )). وفي الكوفة أخذ معضد بن يزيد العجلي هو وقبيله يروِّضون أنفسهم على هجر النوم وإقامة الصلاة، حتى سلك سبيلهم مجموعة من زهاد الكوفة، فأخذوا يخرجون إلى الجبال للانقطاع للعبادة، على الرغم من إنكار ابن مسعود عليهم في السابق.

وحدث تباعا إنفصال بين الزهد و التصوف، وما انتقال الظاهرتين إلى بغداد إلا سببا حقيقيا في اضمحلال الأولى وتطور الثانية،حيث تخلى المتصوفة بالتدريج عن لبس الصوف المقترن بكنيتها وتحمل شظف العيش، فمارس المتصوفة ضروب من العافية والتمتع بنعيم الدنيا. روى الهجوري في(كشف المحجوب) قال: "جاء أمير البصرة إلى (رابعة) يعودها وقد حمل إليها أموالاً كثيرة وسألها أن تستعين بها على حياتها، فبكت ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت: هو يعلم أني استحي منه أن أسأله الدنيا وهو يملكها فكيف آخذها ممن لم يملكها. وحذرت أمير البصرة أن يعود إلى مثلها". كانت تنام على حصيرة بالية. وكان موضع الوسادة قطعة من الآجر، وكانت تشرب من إناء مكسور، وتطوي ليلها مسهدة، تصلي لله وتناجيه. قالت عبدة خادمتها: "ولما حضرت رابعة الوفاة دعتني، فقالت: يا عبدة: لا تؤذني بموتي أحداً، ولفيني في جبتي هذه. قالت فكفنّاها في تلك الجبة وخمار صوف كانت تلبسه"..



البصرة.. مدينة رابعة



قيل عنها وقالت

ومثلما هو ديدن البشر بإلصاق المناقب بالمحبوب والمثالب بالمكروه، فقد نسج على رابعة ما يفوق العقل والمنطق، ونسب إليها ما ليس لها.وهكذا اختلفت آراء المؤرخين بخصوص حياة( رابعة)، فظهرت أساطير وحكايات عنها وأغلبها من نسج الخيال. ظهرت خلافات بين الشخصيات التي عايشت زمن (رابعة العدوية) أمثال: رياح بن عمر القيسي، سفيان الثوري، عبدالواحد بن زيد. ومن هؤلاء المؤرخون الجاحظ و العطار والمناوي. العديد منهم والمؤرخون منهم من وقف معها ومنهم من وقف ضدها، فالبعض يراها تبالغ في تصوراتها وخيالها؛ لأنها اعتبرت أن تشوقها للجنة إنما يشكل خطيئة تقترفها، كما يروي عنها المناوي.

وأستهجن أصحاب السلفية أقوال (رابعة العدوية) في الحب والعشق الإلهي للتعبير عن المحبة بين العبد وربه. وأورد محبيها وهم كثر عكس ذلك، فجاء في الدر المنثور:( كانت كثيرة البكاء والحزن)، وهذه ربما سجية عراقية مازالت ترتع بين أناسه حتى اليوم وتقمصها التشيع العراقي وسار بها قدما. وذكر أبو القاسم القشيري في الرسالة : أنّ(رابعة) كانت تقول في مناجاتها : (إلهي تحرق بالنار قلباً يحبّك).وقال ابن خلكان في ترجمتها : إنّها كانت من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة.

ومن تواضعها أن جاءها رجل يومًا يطلب منها الدعاء فقالت: ((من أنا يرحمك الله؟ أطع ربك وادعه فإنه يجيب دعوة المضطر)). وكانت تبكي في سجودها حتى يبتل موضع رأسها. ويقال عرض عليها الزواج من صاحب غنى وجاه واسع فكتبت له: "أما بعد فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، وإن الرغبة فيها تورث الهم والحزن.. فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين والسلام". وما أكثر زهد "رابعة" في حب الثناء والمديح من الناس مخافة مداخل الشيطان والرياء والسمعة والتصنع للخلق. وكانت تقول : (ما ظهر من أعمالي لا أعدّه شيئا)ً. ومن وصاياها : (اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم).

وكان من سمات "رابعة" أنها لا تتعجل الانصراف من وقوفها بين يدي الله، بل تحب طول المقام لما يحيط بها من نفحات وفيوضات ورحمات وطمأنينة ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ... ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس: من الآيات 62-64). وقيل أيضاً : إن سفيان الثوري قال لها ذات يوم : ( صفي لي درجة ايمانك واعتقادك باللّه جلّ وعلا، فقالت رابعة : إنّي لا أعبد اللّه شوقاً إلى الجنة، ولا خوفاً من جهنم، وإنما اعبده لكمال شوقي إليه، و لإداء شرائط العبودية ). و قال خالد بن خداش : سمعت رابعة صالحاً المريّ يذكر الدنيا في قصصه فنادته : يا صالح، من أحب شيئاً أكثر من ذكره.


و قال ابن كثير): أثنى عليها أكثر الناس، وتكلم فيها أبو داود السجستاني، واتهمها بالزندقة، فلعله بلغه عنها أمر. وقال ابن كثير أيضاً : وقد ذكروا لها أحوالاً وأعمالاً صالحة، وصيام نهار وقيام ليل، ورؤيت لها منامات صالحة، فالله أعلم). وقال الإمام الذهبي في السير :قال أبو سعيد بن الأعرابي : أما رابعة فقد حمل الناس عنها حكمة كثيرة، وحكى عنها سفيان وشعبة وغيرهما ما يدل على بطلان ما قيل عنها.

ومن أقوالها في الحب الإلهي(إلهي أنارت النجوم، ونامت العيون، وغلَّقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك.. إلهي هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت منى ليلتي فأهنأ، أم رددتها على فأعزى، فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني، وعزتك لو طردتني عن بابك ما برحت عنه لما وقع في قلبي من محبتك). وقالت رابعة( لو كانت الدنيا لرجل ما كان بها غنيًّا..!، قالوا : لماذا ؟ قالت : لأنها تفنى!).




ومن أدعيتها :

ـ إلهي.. أنا فقيرة إليك.. سوف أتحمل كل ألم و لكن عذابا أشد من هذا العذاب يؤلم روحي ويفكك وصال الصبر في نفسي.. منشورة ريب في خلدي..هل أنت راض عني، تلك هي غايتي.

ـ اللهم اجعل الجنة لأحبائك.....والنار لأعدائك..أما أنا فحسبي أنت.

ـ اللهم إن كنت أعبدك خوفا من نارك فاحرقني بنار جهنم وإذا كنت أعبدك طمعا في جنتك فاصرفني منها.. أما إذا كنت أعبدك من أجل محبتك فلا تحرمني من رؤية وجهك الكريم.

ـ إلهي.. أنارت النجوم ونامت العيون و غفل الغافلون وغلقت الملوك أبوابها وخلا كل حبيب بحبيبه، و هذا مقامي بين يديك.

ـ إلهي..ما أصغيت إلى صوت حيوان ولا حفيف شجر ولا خرير ماء ولا ترنيم طير و لا تنعم ظل و لا دوي ريح ولا قعقعة رعد إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك. على أنه ليس كمثلك شيء.
ـ إلهي.. بك تقرب المتقربون في الخلوات، ولعظمتك سبحت الحيتان في البحار الزاخرات ولجلال قدسك تصافقت الأمواج المتلاطمات.. أنت الذي سجد لك سواد الليل و ضوء النهار والفلك الدوار والبحر الزهار،وكل شيء عندك بمقدار..لأنك الله، العلي القهار.
ـ إلهي.. إن رزقي عندك وما ينقصني أحد شيئا ولا يسلبه مني إلا بقضائك.. والرزق منك.. فاللهم أسألك الرضا بعد القضاء.

ـ إلهي.. هذا الليل قد أدبر.. والنهار قد أسفر.. فليت شعري.. هل قبلت مني ليلتي فأهنأ أم رددتها على فأعزى، فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني..

ـ اللهم إني أعوذ بك من كل ما يشغلني عنك.. ومن كل حائل يحول بيني وبينك..إلهي إن لم يكن بك غضب علي بلا أبالي).




شعرها

ولم تشذ رابعة عن بيئتها الاجتماعية،المحبة للشعر، فنظمت،ونقل عنها الكثير، وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب عوارف المعارف هذين البيتين :

إنّي جَعلتكَ في الفؤاد محدّثي وأبحتُ جسمي مَنْ أراد جلوسي

فالجسمُ مني للجليس مؤانس وحبيبُ قلبـي فـي الفؤاد أنيس

ومن شعرها:

راحتي يا إخوتي في خلوتي وحبيبي دائماً في حضرتي

لم أجد لي عن هواه عوضا وهواه في البرايا محنتي

حيثما كنت أشاهد حسنه فهو محرابي، إليه قبلتي

إن أمت وجداً وما ثم رضا وأعنائي في الورى! وأشقوتي

وقد أكدت خادمتها التي لازمتها طوال حياتها، عبدة بنت أبي شوّال، إذ قالت: " كانت لرابعة أحوال شتى: فمرة يغلب عليها الحب، ومرة يغلب عليها اليأس، وتارة يغلب عليها البسط، ومرة يغلب عليها الخوف"... ولكن العشق الإلهي كما رأينا يبقى طابعها المميز، ورائدها في تصوفها. فهذه أبيات في إنشادها العشق الإلهي:

فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

وكانت أشعارها تثير لغطا وشكوكا بشأن عمق التدين لديها، ولاسيما بالنسبة للسلفيين اللذين ظنو أنها مجرد أداء للشعائر، دون الالتزام الكامل بمنهج الله تعالى. وقد تنبهت لذلك رابعة العدوية فقالت :

تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في الفعال بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيعٌ




خاتمتها

خرجت "رابعة" من الحياة بعد أن بلغت الثمانين من عمرها، وكانت وفاتها في سنة( 135هـ -751م)، ذكره ابن الجوزي في شذور العقود، وهو غير دقيق، وقال غيره سنة ثمانين ومائة أو حتى سنة ( 185هـ- 801م) وهو الأرجح، وقبرها يزار، وهو بظاهر مدينة القدس من شرقيه على رأس جبل يسمّى الطور وقد ذاقت البلاء، لكنها تمتعت بالأنس بالله والفرح بطاعته، وكانت ترى أنه لا راحة للمؤمن إلا بعد الموت على الإيمان، وقد كفنت في جبة من شعر.

وفي سيرة رابعة الكثير من العبر، التي نحتاجها في أيامنا هذه كونها أمرأة، بدأت بسيطة، لكنها أثبتت جدارتها في العلم والعمق الروحي الذي أقتصر على الرجال، ولم تظهر بعدها ما يدانيها في منزلتها، والأهم في تقصي طبعها الذي كان بوتقة مهدية أمتزج في كنفها الإيمان والعقل ووسع الأفق، مع غريزة الأمومة الحنون، الصادر من باطن نفسها الأنثوية. لقد تسنى لها أن تحول الزهد من الخوف إلى الحب، ومن المجهول إلى المعرفة، ومن الحرمان إلى الرضا، ومن القسوة إلى الإشراق، وهي أول من جعلته شرعة ذات ألوان روحية، وأهداف وجدانية، وأطلقت فيه تيار التسامي والتصعيد، والتحليق إلى الأفق الأعلى. وتعلمت رابعة من درس الزهد، أن قلباً أضاءه حب الله، لا ينشغل بالدنيا، فأعرضت عنها وترفعت وأخذت نفسها بعظائم الأمور، وهي ما نسميه المضمون بعيدا عن الشكل، وهي إشكالية فلسفية بين(الشكل والمضمون) مازالت تطرق أبواب حياتنا في شتى مناكبها.

وما ينفعنا من ذكرها أن (السيدة رابعة ) أمة الله البصرية، أبدلت الخوف بالحب والخشية بالتقرب، والزهد ببهرج الدنيا، والأهم أنها حلت المحبة والتسامح والمسالمة محل العدوانية والعنف في سجايا البشر. فقد دعت إلى قبول الأعداء ومسامحتهم، ونبذ الضغينة، بعد أن أمتلئ كيانها وقلبها بالحب لله ومخلوقاته، ولم تعد تجد في هذا النابض مكانا للكراهية... فأين نحن منها؟.



المصادر

1. القرآن الكريم

2. البداية والنهاية للامام اسماعيل بن كثير الدمشقي الجزء 10/ 186

3. دائرة المعارف الإسلامية (المجلد التاسع-العدد 11 ص 440)

4. الدكتور عبد الرحمن بدوي - "رابعة العدوية شهيدة العشق الإلهي" 1948

5. رشيد سليم الجراح- ( الزاهدة التائبة رابعة العدوية، شهيدة الحب الإلهي) بغداد1988م - دار التربية

6. الشيخ عبدالرحمن السحيم- مقال (رابعة العدوية)

7. طه عبد الباقي سرور " رابعة العدوية والحياة الروحية في الإسلام" (دار الفكر العربي- الطبعة الثالثة 1957

8. عبد الباقي سرور " رابعة العدوية والحياة الروحية في الإسلام" (دار الفكر العربي- الطبعة الثالثة 1957)

9. مريم سليم - و خالد خميس فــرَّاج- مقال العابدة الزاهدة رابـــعة العدويــة

10. نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي الجزء 2/635،.دار الأندلس-جدة

11. نظلة أحمد الجبوري –مقال ( الخطاب الصوفي والروحي في التراث الرافديني) مجلة الفي ياء- بغداد





رابعة العدوية.. رائدة التصوُّف الإسلامي


كانت نموذجاً فريداً للمرأة المسلمة الصالحة.. فكانت رأس العابدات، ورئيسة الخاشعات، وزعيمة الناسكات حتى عُرفت في زمانها بعظيم فضلها ومزيد علمها وكمال أدبها.. كانت تصلِّي مئات الركع في اليوم والليلة، وإذا سُئلت: ما تطلبين من هذا؟ قالت: لا أريد ثواباً بقدر ما أريد إسعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقول لإخوته من الأنبياء: انظروا هذه امرأة من أمتي.. هذا عملها.

وكانت أول من استعمل كلمة “الحب الإلهي” استعمالاً صريحاً فيما تناجي به الله عز وجل وإقبالها عليه وإيثارها له سبحانه.. إنها رابعة العدوية البصرية وهي البنت الرابعة في الترتيب للرجل الصالح إسماعيل. وُلدت في البصرة بالعراق، ولذلك سُمِّيت بالبصرية، وانتسبت إلى سيدها “عتيك” من بني عدوة فسُمِّيت بالعدوية، ولُقِّبت بأم الخير لسعيها في أوجه الخير.

عمل وتأمُّل


عاشت رابعة العدوية يومها وليلها بوجدان الحاسة لا بإحساس الغريزة، فكانت دائماً في تسامٍ وتصعيد وتحليق كما في ذكر وابتهال وتسبيح وفي تأمل وتفكُّر وتدبُّر مناجاة لله لم تأت من رجل من أئمة الفقه المعروفين في عصرها، ولا من عالم من العلماء المشهود لهم بالعلم، إنما جاءت من امرأة أنجبتها أمة فحملت في يمينها عبء رسالة التصوُّف في الإسلام.

كان تصوُّفها سلوكاً وشعوراً.. فهو سلوك حيث تتجنَّب الشهوات والملذات، وترمي إلى طهارة الجسم وصفاء النفس، وهو شعور حيث تشعر بالغبطة والسعادة عندما تصل إلى هذه الطهارة وهذا الصفاء. كما ان التصوُّف عندها عمل وتأمل، عمل حيث يقوم على المجاهدة، وقيام الليل وصيام النهار، وبذل النفس والتضحية بالنفيس، وهو تأمل حيث تفكِّر في آيات الله في خلقه فتتجاوز عالم الظاهر إلى الباطن وتتحقق لها تلك الشفافية النورانية التي تميِّزها عن غيرها من عباد الله.

والتصوُّف عندها أيضاً عدم ووجود.. عدم للعاجل ووجود للآجل، عدم للفاني ووجود للباقي، عدم للعبد ووجود للرب. وبهذا السلوك الصوفي العظيم، أصبحت أمَّة بنفسها وبجهادها، ومعارفها.. أمَّة بما تركت من تراث روحي عميق، ومن أدب مثالي رفيع، ومن هدى مشرق مبين. وهي فوق هذا رائدة لأكبر منهج روحي في تاريخ الروحانيات وزعيمة لأكبر وثبة وجدانية للقلوب في تاريخها العريض، ومنشئة لأول مذهب في التصوُّف حيث كانت صاحبة شرعته ومفجِّرة ينابيعه وفاتحة آفاقه.

بيئة صالحة


وُلدت رابعة في القرن الثاني الهجري بالبصرة التي أنشأها المسلمون فكانت ملتقى العلماء والمفكِّرين وأيضاً المترفين والأثرياء.. وُلدت في “كوخ العابد” إسماعيل، إشارة إلى أن والدها كان رجلاً بسيطاً، لكنه كثير العبادة والتقرُّب إلى الله.. حتى انها عند ولادتها لم يكن في البيت شيء يصلح للوليدة ولا حتى خرقة تُلف بها.. فيضطر الأب العابد العازف عن مدّ يد الحاجة للآخرين لأن يسألهم، لكن أحداً لم يجبه. ومع ذلك لم يقنط من رحمة الله، بل أقبل على صلاته وتوكله على الله حتى إذا أخذته سنَة من النوم رأى فيما يرى النائم النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه ويقول له ما قصَّه في الصباح: “لا تحزن فهذه الوليدة جليلة، وإن سبعين من أمَّتي ليرجون شفاعتها”.

ثم أمره بالتوجه إلى أمير البصرة وأن يكتب له رقعة من ورق يخبره فيها أن النبي زاره في منامه وأمره بأن يذهب إليه ويقول له: إنك تصلِّي مائة ركعة كل ليلة وفي ليلة الجمعة أربعمائة، ولكنك في الجمعة الأخيرة نسيت فلتدفع كفَّارتها لصاحب هذه الرقعة.

في هذه البيئة الإسلامية الصالحة وُلدت رابعة العدوية وحفظت القرآن الكريم وتدبَّرت آياته وقرأت الحديث وتدارسته وحافظت على الصلاة وهي في عمر الزهور. وعاشت طوال حياتها عذراء بتولاً برغم تقدم أفاضل الرجال لخطبتها لأنها انصرفت إلى الإيمان والتعبُّد ورأت فيه بديلاً عن الحياة مع الزوج والولد. وليس كما يحاول بعض المستشرقين تشويه سيرتها ووصمها بالانحراف والرذيلة.

في قيود الرِّق

صحيح أنها وقعت في الرِّق بعد وفاة والدها ووالدتها وما أصاب البصرة من قحط ومجاعة وتفرُّقها عن شقيقاتها الثلاث وهي ما زالت صغيرة، حتى انها بيعت بستة دراهم لرجل غليظ القلب قاسي المشاعر أذاقها العذاب ألواناً، وظلَّت تنتقل من هوان إلى هوان، غير ان هذا لم يطفئ ذلك القَبَس الإيماني في قلبها مصداقاً لقوله تعالى: “ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان وزيَّنه في قلوبكم” فكانت تهرب من شظف العيش وضيق الدنيا إلى سعة الإيمان ورحمة الله.

فكانت تناجي ربها باكية: إلهي.. أنا يتيمة معذَّبة أرسف في قيود الرِّق وسوف أتحمَّل كل ألم وأصبر عليه، ولكن عذاباً أشدّ من هذا العذاب يؤلم روحي ويفكِّك أوصال الصبر في نفسي، منشؤه ريب يدور في خَلَدي: هل أنت راضٍ عنِّي؟ تلك هي غايتي.

وكانت تؤدي عملها في بيت سيدها بما يرضي ضميرها وتؤدي فريضة ربِّها في إخلاص وتفانٍ حتى إذا استيقظ سيدها ذات ليلة سمعها تناجي وهي ساجدة فتقول: إلهي أنت تعلم أن قلبي يتمنَّى طاعتك، ونور عيني في خدمتك، ولو كان الأمر بيدي لما انقطعت لحظة عن مناجاتك.. لكنك تركتني تحت رحمة مخلوق قاسٍ من عبادك.

وبينما هو يراقبها، إذ يخطف انتباهه انبلاج ضوء حولها يفزع له فتعرف الرحمة طريقها إلى قلبه، وفي الصباح يدعوها: أي رابعة، وهبتك الحرية فإن شئت بقيت هنا ونحن جميعاً في خدمتك، وإن شئت رحلت أنَّى رغبت. فما كان منها إلا أن ودَّعته وارتحلت لتبدأ مرحلة جديدة. وهي المرحلة التي يحاول المستشرقون تشويهها والإساءة فيها إلى سيرتها، فقد احترفت مهنة العزف على الناي حيناً من الزمن، وهي مهنة لم تكن فيها شبهة، ولكنها سرعان ما اعتزلتها واعتزلت الناس جميعاً وبنت لنفسها خلوة انقطعت فيها للعبادة. وقد استوعب حب الله لذاته كل خلجات قلبها حتى قالت فيه لما سُئلت عن حبها للرسول الكريم: إني والله أحبه حباً شديداً ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوقين.

الحب الإلهي

وأجملت نظرتها إلى هذا الحب الإلهي شعراً رقيقاً تقول فيه:

أحبك حبين حب الهوى

فأما الذي هو حب الهوى

وأما الذي أنت أهل له

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي

وحباً لأنك أهل لذاكا

فشغلي بذكرك عمَّن سواكا

فكشفك للحجب حتى أراكا

ولكن لك الحمد في ذا وذاكا





رابعة .. رابحة

التعايش مع سيرة السيدة رابعة العدوية سباحة في تيارات من أضواء وألوان وعطور روحانية.. الأحداث الخارجية في حياتها قليلة.. لكن أحداث حياتها الروحية بلا حصر.. ودرجات الحب التي عرجت عليها محاولة الوصول إلى رضا محبوبها ورحابه بلا حدود..

ولدت رابعة في عصر كانت سمته الأولى الترف.. فالمسلمون فتحوا معظم بقاع الأرض المعروفة حينئذ.. وأصبح خراج الدنيا يُجبى إليهم.. بعُدت المسافة الزمنية بينهم وبين عصر النبوة وعصر الخلافة الراشدة.. فساد الترف والركون إلى الحياة الدنيا وزخرفها وزينتها.. واحتاج الزمان والناس إلى صوت يردد نغمة أخرى -النغمة الصحيحة..

في مدينة البصرة .. وفى مطلع القرن الثاني الهجري (حوالي سنة 100 هجرية) ولدت رابعة العدوية لأب عابد فقير لديه ثلاث بنات.. ومات الأب ورابعة لم تزل طفلة دون العاشرة.. ولم تلبث الأم أن لحقت به.. فوجدت الفتيات أنفسهن بلا عائل يُعانين الفقر والجوع والهزال.. فتفرقن لتبحث كل واحدة منهن عن طريقها..

كانت مدينة البصرة في ذلك الوقت تعاني من وباء اجتاحها وأصابها بالقحط.. مما أدى إلى انتشار اللصوص وقُطَّاع الطرق.. وقد خطف رابعة أحد هؤلاء اللصوص وباعها بستة دراهم لأحد التجار القساة..

كان التاجر يحمَّل رابعة فوق طاقتها كطفلة لم تشب عن الطوق بعد.. لكنها كانت تختلي بنفسها في الليل لتستريح من عناء النهار وعذابه.. ولم تكن راحتها في النوم أو الطعام.. بل كانت في الصلاة والمناجاة؛ فكانت ممن تنطبق عليهم الآية الكريمة "وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ"(الحجرات:7).. ما الذي جعل تلك الطفلة تتجه إلى العبادة.. قد يكون التأثر بأبيها الصالح العابد سببًا، لكن السبب الأساسي في رأيي هو طبيعة شخصيتها، وطبيعة الدور الذي اختارتها السماء لتؤديه في البصرة في تلك الفترة، وفى التاريخ الإسلامي كله بعد ذلك.

وذات ليلة استيقظ سيدها من نومه فسمع صلاتها ومناجاتها فنظر من خلال الباب -يقول فريد الدين العطار كاتب سيرتها: " فرأى رابعة ساجدة تصلى وتقول: إلهي أنت تعلم أن قلبي يتمنى طاعتك، ونور عيني في خدمتك، ولو كان الأمر بيدي لما انقطعت لحظة عن مناجاتك، ولكنك تركتني تحت رحمة هذا المخلوق القاسي من عبادك. وخلال دعائها وصلاتها شاهد قنديلاً فوق رأسها يحلق، وهو بسلسلة غير معلق، وله ضياء يملأ البيت كله، فلما أبصر هذا النور العجيب فزع، وظل ساهدًا مفكرًا حتى طلع النهار، هنا دعا رابعة وقال: أي رابعة وهبتك الحرية، فإن شئت بقيت ونحن جميعًا في خدمتك، وإن شئت رحلت أنى رغبت، فما كان منها إلا أن ودعته وارتحلت".

وجعلت المساجد دارها "واحترفت العزف على الناي في حلقات الذكر وساحات المتصوفة.. والأناشيد في دنيا التصوف، وعزف الناي عند المتصوفة ليس نكرًا ولا بدعًا، بل هو يبعث الوجد ويحرك القلب ويحلق بسامعه" -كما يقول طه عبد الباقي سرور في كتابه " رابعة العدوية والحياة الروحية في الإسلام" (دار الفكر العربي- الطبعة الثالثة 1957).. وكانت رابعة في تلك الفترة في الرابعة عشر من عمرها.. لكن هذه المرحلة من حياتها لم تستمر طويلاً، فقد اشتاقت نفسها للدنيا الخلاء من الناس المليئة بالله وحده.. فقد تخلص قلبها من الدنيا وكل ما فيها، وخلص من الرغبات والشهوات والخوف والرجاء.. لم يبق فيه إلا شئ واحد الرضاء عن الله والعمل على الوصول إلى رضاء الله عنها.. ورفضت كل من تقدم لزواجها، فليس في قلبها مكان لغير الله.. وليس لديها وقت تشغله في غير حب الله.. تقول دائرة المعارف الإسلامية (المجلد التاسع-العدد 11 ص 440) :" إن رابعة أقامت أول أمرها بالصحراء بعد تحررها من الأسر، ثم انتقلت إلى البصرة حيث جمعت حولها كثيرًا من المريدين والأصحاب الذين وفدوا عليها لحضور مجلسها، وذكرها لله والاستماع إلى أقوالها، وكان من بينهم مالك بن دينار، والزاهد رباح القيسى، والمحدث سفيان الثورى، والمتصوف شفيق البلخي".

ولقيت رابعة ربها وهى في الثمانين من عمرها.. وقد ظلت طوال أيام وليالي حياتها مشغولة بالله وحده .. متعبدة في رحابه.. طامحة إلى حبه.. وكانت تدعوه دون أن ترفع رأسها إلى السماء حياء منه.. تقول دائرة المعارف الإسلامية في الجزء11 من المجلد التاسع: " رابعة تختلف عن متقدمي الصوفية الذين كانوا مجرد زهاد ونساك، ذلك أنها كانت صوفية بحق، يدفعها حب قوي دفاق، كما كانت في طليعة الصوفية الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيده رغبة سوى حب الله وحده، وكانت طليعتهم أيضًا في جعل الحب مصدرًا للإلهام والكشف".

إن الصورة الراسخة في أذهان الكثيرين لرابعة العدوية هي صورة الغانية التي تمرّغت في حياة الغواية والشهوات حتى إذا آذن شبابها بذهاب اتجهت إلى العبادة والطاعة..
صورة غير صحيحة ومشوهة مسئول عنها بعض الذين كتبوا عن رابعة مثل: الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه "رابعة العدوية شهيدة العشق الإلهي"، والشاعر المصري طاهر أبو فاشا في الدراما التي كتبها بعنوان "شهيدة العشق الإلهي" والتي ملأها بشعر على لسان رابعة غنته أم كلثوم، وكذلك الفيلم السينمائي المصري الذي قامت ببطولته "نبيلة عبيد" و"فريد شوقي" وبه أغاني أم كلثوم المشار إليها.. كل هذه الأعمال وغيرها ثبَّتت الصورة المشوهة لرابعة.. وكأن مقتضيات القص أو الفن أو الدراما أو إرضاء الجمهور أو ما شئت من المسميات تبرر ما فعلناه برابعة وغير رابعة من الأعلام..

إذا كانت تلك الصورة غير الحقيقية هي نتيجة كل هذه الأعذار فليذهب ذلك كله و لتبقى لنا الحقيقة ببراءتها وصفائها ونورانيتها التي نحن بأشد الحاجة إلى استجلاء معانيها ومراميها، وتمثلها في حياتنا الحاضرة التي لا تختلف كثيرًا عن حياة البصرة في مطلع القرن الثاني الهجري .. فمن لنا برابعة أخرى تصرخ فينا أن أفيقوا .. وتأخذ بأيدينا إلى طريق الحب الحقيقي .. الحب الإلهي ؟؟


من أقوالها:

* قالت رابعة: لو كانت الدنيا لرجل ما كان بها غنيًّا..!
قالوا : لماذا ؟
قالت : لأنها تفنى!

* إلهي أنارت النجوم، ونامت العيون، وغلَّقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك.. إلهي هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت منى ليلتي فأهنأ، أم رددتها على فأعزى، فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني، وعزتك لو طردتني عن بابك ما برحت عنه لما وقع في قلبي من محبتك.

* يا رب أتحرق بالنار قلبًا يحبك، ولسانًا يذكرك، وعبدًا يخشاك ؟!

* سوف أتحمل كل ألم، وأصبر عليه، ولكن عذابًا أشد من هذا العذاب يؤلم روحي، ويفكك أوصال الصبر في نفسي، منشؤه ريب يدور في خلدي: هل أنت راضٍ عنى ؟ تلك غايتي.

* سيدي بك تقرب المتقربون في الخلوات، ولعظمتك سبح الحيتان في البحار الزاخرات، ولجلال قدسك تصافقت الأمواج المتلاطمات، أنت الذي سجد لك سواد الليل وضوء النهار، والفلك الدوار، والبحر الزخار، والقمر النوار، والنجم الزهار، وكل شيء عندك بمقدار، لأنك الله تعالى العلي القهار.

* قال سفيان الثوري لرابعة: ما حقيقة إيمانك؟
فقالت له: ما عبدته خوفًا من ناره، ولا حبًا لجنته، فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حبًا وشوقًا إليه.

*مبلغيأ وزادي قليل ما أراه أللزاد أبكى أم لطول مسافتي
تحرقني بالنار يا غاية المنى فأين رجائي فيك ؟ أين مخافتي؟

* كانت رابعة تصلى ألف ركعة في اليوم والليلة! فقيل لها: ما تريدين بهذا ؟ قالت : لا أريد به ثوابًا، وإنما أفعله لكي يُسرَّ به رسول الله يوم القيامة، فيقول للأنبياء: انظروا إلى امرأة من أمتي هذا عملها.

* سئلت رابعة: كيف حبك للرسول صلوات الله عليه ؟
قالت : إني والله أحبه حبًا شديدًا، ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوقين.

* هتف رجل من العبَّاد في مجلس رابعة: اللهم ارضَ عني.
قالت رابعة : لو رضيت عن الله لرضي عنك.
قال : وكيف أرضى عن الله ؟
قالت : يوم تُسرُّ بالنقمة سرورك بالنعمة لأن كليهما من عند الله
من مواضيع : ahmed1981 0 مسرحية مأساة الحلاج
0 معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية وتفسير معانيها
0 الأبجدية العبرية

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21-03-2008, 01:54 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

ثالثا: حجة الاسلام الامام ابو حامد الغزالى


الإمام زين الدين حجة الإسلام أعجوبة الزمان أبو حامد محمد الغزالي الطوسي الشافعي (ت 505هـ) الفقيه الأصولي الشافعي ، مجتهد زمانه وعين أوانه وهو العلامة الزاهد الرباني والفليسوف الحاذق والمتكلم الماهر صاحب التصانيف والذكاء المفرط ، جامع أشتات العلوم له التواليف الحسان التي طارت في الآفاق مثل إحياء علوم الدين في التصوف ، والمستصفى في الأصول ، ومقاصد الفلاسفة وتهافت الفلاسفة ومحك النظر ومعيار العلم ، في الفلسفة ، والوسيط والوجيز في الفقه ، ويعد من مجددي القرن الخامس الهجري لم تر مثله العيون لساناً وبياناً ونطقاً وخاطراً وذكاءً وطبعاً فكان من أذكياء العالم في كل ما يتكلم فيه.


ذكر كلام عبد الغافر الفارسي في ترجمة الامام الغزالي :


قال أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الخطيب الفارسي، خطيب نيسابور : محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الغزالي، حجة الإسلام والمسلمين، إمام أئمة الدين، من لم تر العيون مثله، لسانا، وبيانا، ونطقا، وخاطرا، وذكاء، وطبعا.

شدا طرفاً في صباه، بطوس، من الفقه، على الإمام أحمد الراذكاني.

ثم قدم نيسابور مختلفاً إلى درس إمام الحرمين، في طائفة من الشبان من طوس.

وجد، واجتهد، حتى تخرج عن مدة قريبة، وبذ الأقران، وحمل القرآن، وصار أنظر أهل زمانه، وواحد أقرانه، في أيام إمام الحرمين.

وكان الطلبة يستفدون منه، ويدرس لهم، ويرشدهم، ويجتهد فس نفسه. وبلغ الأمر به إلى أن أخذ في التصنيف.

وكان الإمام مع علو درجته، وسمو عبارته، وسرعة جريه في النطق والكلام، لا يصفى نظره إلى الغزالي سرا؛ لإنافته عليه فى سرعة العبارة، وقوة الطبع، ولايطيب له تصدية للتصانيف، وإن كان متخرجا به، منتسبا إليه، كما لا يخفى من طبع البشر، ولكنه يظر التبجح به، والاعتداد بمكانه، ظاهرا خلاف ما يضمره.

ثم بقى كذلك إلى انقضاء أيام الإمام، فخرج من نيسابور، وصار إلى المعسكر، واحتل من مجلس نظام الملك محل القبول، وأقبل عليه الصاحب لعلو درجته، وظهور اسمه، وحسن منظارته وجرى عبارته.

وكانت تلك الحضرة محط رحال العلماء، ومقصد الأئمة والفصحاء، فوقعت للغزالي اتفقات حسنة من الاحتكاك بالأئمة، وملاقاة الخصوم اللد، ومنظارة الفحول، ومنافرة الكبار.

وظهر اسمه في الآفاق، وارتفق بذلك أكمل الارتفاق، حتى أدت الحال به إلى أن رسم للمصير إلى بغداد، للقيام بتدريس المدرسة الميونة النظامية بها، فصار إليها، وأعجب الكل بتدريسه، ومناظرته، وما لقى مثل نفسه، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق.

ثم نظر في علم الإصول، وكان قد أحكمها، فصنف فيه تصانيف. وجدد المذهب في الفقه، فصنف فيه تصانيف. وسبك الخلاف، فحرر فيه أيضاً تصانيف.

وعلت حشمته ودرجته فى بغداد، حتى كانت تغلب حشمة الأكابر والإمراء، ودار الخلافة.

فانقلب الإمر من وجه آخر، وظهر عليه بعد مطالعة العلوم الدقيقة، وممارسة الكتب المصنفة فيها، وسلك طريق التزهد والتأله، وترك الحشمة، وطرح ما نال من الدرجة، والاشتغال بأسباب التقوى، وزاد الآخرة. فخرج عما كان فيه، وقصد بيت الله وحج.

ثم دخل الشام وأقام فى تلك الديار قريباً من عشر سنين يطوف، ويزور المشاهد المعظمة.

وأخذ فى التصانيف المشهورة، التي لم يسبق إليها، مثل: ((إحياء علوم الدين)) والكتب المختصرة منها، مثل ((الأربعين)) وغيرها من الرسائل، التى من تأملها علم محل الرجل من فنون العلم.

وأخذ فى مجاهدة النفس، وتغيير الأخلاق، وتحسين الشمائل، وتهذيب المعاش، فانقلب شيطان الرعنوة، وطلب الرياسة والجاه، والتخلق بالإخلاق الذميمة، إلى سكون النفس، وكرم الأخلاق، والفراغ عن الرسوم والترتيبات، والتزيى بزى الصالحين، وقصر الأمل، ووقف الأوقاف على هداية الخلق، ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة، وتبغيض الدنيا، والاشتغال بها على السالكين، والاستعداد للرحيل إلى الدار الباقية، والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشم منه رائحة المعرفة، أو التيقظ لشىء من أنوار المشاهدة، حتى مرن على ذلك، ولن.

ثم عاد إلى وطنه لازماً بيته، مشتغلا بالتفكر، ملازماً للوقت، مقصودا، نفيساً وذخرا للقلوب، ولكل من يقصده، ويدخل عليه.

إلى أن أتى على ذلك مدة، وظهرت التصانيف وفشت الكتب، ولم تبد فى أيامه مناقضة، لما كان فيه، ولا اعتراض لأحد على ما آثره، حتى انتهت نوبة الوزارة إلى الأجل، فخر الملك، جمال الشهداء، تغمده الله برحمته، وتزينت خراسان بحشمته، ودولته، وقد سمع وتحقق بمكان الغزالى ، ودرجته، وكمال فضله، وحالته، وصفاء عقيدته، ونقاء سيرته، فتبرك به، وحضره، وسمع كلامه، فاستدعى منه أن لا يبقى أنفاسه، وفوائده عقيمة لا استفادة منها، ولا اقتباس من أنوارها، وألح عليه مكل الإلحاح، وتشدد فى الاقتراح، إلى أن أجاب إلى الخروج، وحمل إلى نيسابور.

وكان الليث غائباً عن عرينه، والأمر خافياً، فى مستور قضاء الله ومكنونه، فأشير عليه بالتدريس فى المدرسة الميمونة النظامية، عمرها الله، فلم يجد بداً من الإذعان للولاة، ونوى بإظهار ما اشتغل به هداية الشداة، وإفادة القاصدين، دون الرجوع إلى ما انخلع عنه، وتحرر عن رقة من طلب الجاه، ومماراة الأقران، ومكابرة المعاندين، وكم قرع عصاه بالخلاف، والوقوع فيه، والطعن فيما يذره ويأتيه. والسعاية به، والتشنيع عليه، فما تأثر به، ولا اشتغل بجواب الطاعين، ولا أظهر استيحاشاً بغميزة الخلطين.

ولقد زرته مراراً، وما كنت أحدس فى نفسى مع ما عهدته فى سالف الزمان عليه، من الزعارة، وإيحاش الناس، والنظر إليهم بعين الازدراء، والاستخفاف بهم كبراً، وخيلاء، واغترارا، بما رزق من البشطة في النطق، والخاطر، والعبارة وطلب الجاه، والعلو فى المنزلة أنه صار على الضد، وتصفى عن تلك الكدورات.

وكنت أظن أنه متلفع بجلباب التكلف، متنمس بما صار إليه، فتحققت بعد السبر والتنقير، أن الإمر على خلاف المظنون، وأن الرجل أفاق بعد الجنون.

وحكى لنا فى ليال، كيفية أحواله من ابتداء ما ظهر له سلوك طريق التأله.

وغلبت الحال عليه بعد تبحرة فى العلوم، واستطالته على الكل بكلامه، والاستعداد الذى خصه الله به، في تحصيل أنواع العلوم، واستطالته على الكل بكلامه، والاستعداد الذى خصه الله به، فى تحصيل أنواع العلوم، وتمكنه من البحث والنظر، حتى تبرم من الاشتغال بالعلوم العرية، عن المعاملة.

وتفكر فى العاقبة، وما يجدى وما ينفع فى الآخرة، فابتدأ بصحبة الفارمذى، وأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يشير به عليه، من القيام بوظائف العبادات، والإمعات فى النوافل، واستدامة الأذكار، والجد، والاجتهاد، طلباً للنجاة، إلى أن جاز تلك العقبات، وتكلف تلك المشقاق، وما تحصل على ما كان يطلبهمن مقصوده.

ثم حكى أنه راجع العلوم، وخاض فى الفنون، وعاود الجد والاجتهاد، فى كتب العلوم الدقيقة، والتقى بأربابها، حتى انفتح له أبوابها، وبقى مدة فى الوقائع، وتكافؤ الأدلة، وأطراف المسائل.

ثم حكى أنه فتح عليه باب من الخوف، بحيث شغله عن كل شىء، وحمله على الإعراض عما سواه، حتى سهل ذلك.

وهكذا، هكذا، إلى أن ارتاض كل الرياضة، وظهرت له الحقائق، وصار ما كنا نظن به ناموساً، وتخلقاً، طبعاً وتحققا، وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له من الله تعالى.

ثم سألناه عت كيفية رغبته فى الخروج من بيته، والرجوع إلى ما دعى إليه من أمر نيسابور؟ فقال معتذرا عنه: ما كنت أجوز فى دينى أن أقف عن الدعوة، ومنفعة الطالبين بالإفادة، وقد حق على أن أبوح بالحق وأنطق به، وأدعو إليه. وكان صادقاً فى ذلك.

ثم ترك ذلك قبل أن يترك، وعاد إلى بيته، واتخذ فى جواره مدرسة لطلبة العلم، وخانقة للصوفية.

وكان قد وزع أوقاته، على وظائف الحاضرين، من ختم القرآن، ومجالسة أهل القلوب، والقعود للتدريس، بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته، ولحظات من معه عن فائدة؛ إلى أن أصابه عين الزمان، وضنت الإيام به على أهل عصره، فنقله الله إلى كر يم جواره، بعد مقاساة أنواع من القصد، والمناوأة من الخصوم، والسعى به إلى الملوك، وكفاية الله به، وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدى النكبات، أو ينهتك ستر دينه بشىء من الزلات.

وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين ((البخارى)) و ((مسلم)) اللذين هما حجة الإسلام، ولو عاش لسبق الكل فى ذلك الفن، بيسير من الأيام، يستفرغه فى تحصيله.

ولا شك أنه سمع الأحاديث فى الأيام الماضية، واشتغل فى آخر عمره بسماعها، ولم تتفق له الرواية، ولا ضرر فيما خلفه من الكتب المصنفة فى الأصول، والفروع، وسائر الأنواع تخلد ذكره، وتقرر عند المطالعين المستفدين منها أنه لم يخلف مثله بعده.

مضى إلى رحمة الله تعالى، يوم الاثنين، الرابع عشر، من جمادى الآخرة، سنة خمس وخمسمائة. ودفن بظاهر قصبة طابران، والله تعالى يخصه بأنواع الكرامة فى آخرته، كما خصه بفنون العلم فى دنياه بمنه، ولم يعقب إلا البنات.

وكان له من الأسباب إرثاً وكسباً ما يقوم بكفايته، ونفقة أهله وأولاده، فما كان يباسط أحدا فى الأمور الدنيوية، وقد عرضت عليه أموال، فما قبلها، وأعرض عنها، واكتفى بالقدر الذى يصون به دينه، ولا يحتاج معه إلى التعرض لسؤال ومنال من غيره.

[ *** - انظر ملاحظة في اسفل الصفحة - ***]

ومما كان يتعرض به عليه وقوع خلل من جهة النحو، يقع فى أثناء كلامه، وروجع فيه، فأنصف من نفسه، واعترف بأنه ما مارس ذلك الفن، واكتفى بما كان يحتاج إليه فى كلامه، مع أنه كان يؤلف الخطب، ويشرح الكتب، بالعبارات التى تعجز الأدباء والفصحاء عن أمثالها، وأذن للذين يطالعون كتبه، فيعثرون على خلل فيها من جهة اللفظ، أن يصلحوه، ويعذروه، فما كان قصده إلا المعانى، وتحقيقها، دون الألفاظ، وتلفيقها.

ومما نقم عليه ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية فى كتاب ((كمياء السعادة، والعلوم)) وشرح بعض السور، والمسائل، بحيث لا يوافق مراسم الشرع، وظواهر ما عليه قواعد الإسلام.

وكان الإولى به، والحق أحق أن يقال، ترك ذلك التصنيف، والإعراض عن الشرح به، فإن العوام ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين، والحجج، فإذا سمعوا شيئاً من ذلك، تخيلوا منه ما هو المضر بعقائدهم، وينسبون ذلك إلى بيان مذاهب الأوائل.

على أن المنصف اللبيب إذا رجع إلى نفسه، علم أن أكثر ما ذكره، مما رمز إليه إشارات الشرع وإن لم يبح به، ويوجد أمثاله فى كلام مشياخ الطريقة مرموزة ومصرحا بها، متفرقة، وليس لفظ منه إلا وكما يشعر أحد وجوهه بكلام موهم، فأنه يشعر سائر وجوهه بما يوافق عقائد أهل الملة.

فلا يجب إذا حمله إلا على ما يوافق ولا ينبغى أن يتعلق به فى الرد عليه متعلق، إذا أمكنه أن يبين له وجهاً فى الصحة، يوافق الأصول.

على أن هذا القدر يحتاج إلى من يظهره، وكان الأولى أن يترك الأفصاح بذلك، كما تقدم ما ذكره، وليس كما يتقرر ويتمشى لأحد تقريره ينبغى أن يظهره، بل أكثر الأشياء مما يدري ويطوى، ولايحكى، فعلى ذلك درج الأولون، وعبر السلف الصالحون، إبقاء على مراسم الشرع، وصيانة لمعالم الدين عن طعن الطاعنين، وعيرة المارقين الجاحدين، والله الموفق للصواب.

وقدت سمعت أنه سمع من ((سنن أبى دواد السجستانى)) عن الحاكم أبى الفتح الحاكمى الطوسى - وماعثرت على سماعه، وسمع الأحاديث المتفرقة اتفاقا مع الفقهاء.

فمما عثرت عليه ما سمعه من كتاب ((لمولد النبى صلى الله عليه وسلم)) من تأليف أبى بكر أحمد الخوارى، خوار طبران رحمه الله، مع ابنيه الشيخين: عبد الجبار، وعبد الحميد، وجماعة من الفقهاء.

ومن ذلك ما قال: أخبرنا الشيخ أبو عبدالله محمد بن أحمد الخوارى، أخبرنا أبو بكر بن الحارث الأصبهانى، أخبرنا أبو محمد بن حيان، أخبرنا أبو بكر أحمد بن عمرو ابن أبى عاصم، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، حدثنا عبد العزيز أبى ثابت، حدثنا الزبير بن موسى، عن أبى الحويرث، قال: سمعت عبد الملك بن مروان سأل قباث بن أشيم الكنانى: أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.

فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، أكبر منى وأنا أسن منه، ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل.

وتمام الكتاب فى جزأين مسموع له.

(انتهى كلام عبد الغافر)





الغزالي هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الشافعي الطوسي ولد في مدينة طوس في خراسان في حدود عام 450هـ. عالم وفقيه ومتصوِّف إسلامي، أحد أهم أعلام عصره وأحد أشهر علماء الدين في التاريخ الإسلامي.


ولد أبو حامد الغزالي بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي بقرية "غزالة" القريبة من طوس من إقليم خراسان عام (450هـ = 1058م)، وإليها نسب الغزالي. ونشأ الغزالي في بيت فقير لأب صوفي لا يملك غير حرفته، ولكن كانت لديه رغبة شديدة في تعليم ولديه محمد وأحمد، وحينما حضرته الوفاة عهد إلى صديق له متصوف برعاية ولديه، وأعطاه ما لديه من مال يسير، وأوصاه بتعليمهما وتأديبهما.

اجتهد الرجل في تنفيذ وصية الأب على خير وجه حتى نفد ما تركه لهما أبوهما من المال، وتعذر عليه القيام برعايتهما والإنفاق عليهما، فألحقهما بإحدى المدارس التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، والتي كانت تكفل طلاب العلم فيها.

ودرس الغزالي في صباه على عدد من العلماء والأعلام، أخذ الفقه على الإمام أحمد الرازكاني في طوس، ثم سافر إلى جرحان فأخذ عن الإمام أبي نصر الإسماعيلي، وعاد بعد ذلك إلى طوس حيث بقي بها ثلاث سنين، ثم انتقل إلى نيسابور والتحق بالمدرسة النظامية، حيث تلقى فيها علم أصول الفقه وعلم الكلام على أبي المعالي الجويني إمام الحرمين ولازمه فترة ينهل من علمه ويأخذ عنه حتى برع في الفقه وأصوله، وأصول الدين والمنطق والفلسفة وصار على علم واسع بالخلاف والجدل.

وكان الجويني لا يخفي إعجابه به، بل كان دائم الثناء عليه والمفاخرة به حتى إنه وصفه بأنه "بحر مغرق".

درس الفقه في طوس ولازم امام الحرمين أبو المعالي الجويني في نيسابور ، وأشتغل بالتدريس في المدرسة النظامية ببغداد بتكليف من نظام الملك ، وقد دخل بغـداد فـي سنـة اربـع وثمانيـن ودرس بهـا وحضره الائمة الكبار كابن عقيل وابي الخطاب وتعجبوا من كلامه واعتقدوه فائدة ونقلوا كلامه في مصنفاتهم ثم انه ترك التدريـس والرياسـة ولبـس الخام الغليظ ولازم الصوم وكان لا ياكل الّا من اجرة النسخ وحج وعاد ثم رحل إلى الشام واقـام ببيـت المقـدس ودمشق مدة يطوف المشاهد ثم بدأ في تصنيف كتاب الاحياء في القدس ثـم اتمـه بدمشق الّا انه وضعه على مذهب الصوفية وترك فيه قانون الفقه، ثـم ان أبا حامد عاد إلى وطنه مشتغلًا بتعبده فلما صارت الوزارة الى فخر الملك احضره وسمع كلامه والزمه بالخروج إلى نيسابور فخرج ودرس ثم عاد إلى وطنه واتخذ في جواره مدرسة ورباطًا للصوفية وبنى دارًا حسنة وغرس فيها بستانًا وتشاغل بالقران وسمع الصحاح.

توفي أبو حامد يوم الاثنين 14 جمادى الاخرة 505 هـ، ديسمبر 1111م، في مدينة طوس، ورساله قبيل الموت بعض اصحابه‏:‏ اوص، فقال‏:‏ عليك بالاخلاص فلم يزل يكررها حتى مات‏.


الاخلاق عند الغزالي :

يعد أبو حامد الغزالي من كبار المفكرين المسلمين بعامه و من كبار المفكرين بمجال علم الاخلاق بخاصه، و قد جمع ارائه الاخلاقيه بين طريقه الفلاسفه في بناء الاخلاق على حقيقه الانسان و الشريعه الاسلاميه التي جاءت لتتم مكارم الاخلاق كم ورد في حديث الرسول صلى الله عليه و سلم‏. كما بين الطرق العمليه لتربيه الابناء و اصلاح الاخلاق الذميمه و تخليص الانسان منها، فكان بذلك مفكراً و مربياً و مصلحاً اجتماعياً في ان معاً يرى الغزالي ان الاخلاق ترجع إلى النفس لا إلى الجسد، فالخلق عنده هيئه ثابته قفي النفس تدفع الانسان للقيام بالافعال الاخلاقيه بسهوله و يسر دون الحاجه إلى التفكير الطويل.


السعادة عند الغزالي:

هي تحصيل انواع الخيرات المختلفة و هي:

-خيرات خاصة بالبدن، مثل الصحة و القوة و جمال الجسم و طول العمر

-خيرات خاصة بالنفس و هي فضائل النفس " الحكمه و العلم و الشجاعة و العفة"

-خيرات خارجية و هي الوسائل و كل ما يعين الانسان في حياته، مثل المال و المسكن ووسائل النقل و الاهل و الاصدقاء

-خيرات التوفيق الالهي مثل الرشد و الهداية و السداد و التأييد

التربية الاخلاقية عند الغزالي

يرى الغزالي ان الاخلاق الفاضله لا تولد مع الانسان، و انما يكتسبها عن طريق التربيه و التعليم من البيئه التي يعيش فيها. و التربيه الاخلاقيه السليمه في نظر الغزالي تبدأ بتعويد الطفل على فضائل الاخلاق و ممارستها مع الحرص على تجنيبه مخالطه قرناء السوء حتى لا يكتسب منهم الرذائل، و في سن النضج العقلي تشرح له الفضائل شرحاً علمياً يبين سبب عدها فضائل و كذلك الرذائل و سبب عدها رذائل حتى يصبح سلوكه مبيناً على علم و معرفه واعيه


من أشهر كتب الغزالي:

- إحياء علوم الدين
- المنقذ من الظلال
- مقاصد الفلاسفة
- تهافت الفلاسفة
- معيار العلم (مقدمة تهافت الفلاسفة)
- محك النظر (منطق)
- ميزان العمل
- الإقتصاد في الأعتقاد
- المستصفى في علم أصول الفقه
- الوسيط في المذهب
- الوجيز في فقه الإمام الشافعي
- فضائح الباطنية
- القسطاس المستقيم
- فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة
- التبر المسبوك في نصحية الملوك
- ايها الولد المحب
- كمياء السعادة (بالفارسية مثل كتاب الإحياء)
- شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل
- المنخول في علم الأصول

وكثير من الكتب في شتى العلوم .





أبو حامد الغزالي

في مدينة (طوس) إحدى مدن بلاد (فارس) وبالتحديد في قرية (غزالة) جلس طفلان صغيران ينظران إلى والدهما وهو يغزل الصوف، أخذا يتأملان أصابعه؛ ويتابعانه في إعجاب شديد، ترك الأب مغزله وأخذ ينظر إلى ولديه (محمد وأحمد).
شعر الشقيقان أن أباهما يريد أن يقول لهما شيئًا، لقد فهما ذلك من نظرات عينيه، وفجأة.. انهمرت الدموع من عيني الأب الذي عرف بالتقوى والصلاح، فقد تملكه إحساس جارف بأنه سيموت قريبًا، ولم يترك لولديه شيئًا من المال يعينهما على تحمل أعباء الحياة، غادر الأب دكانه، وذهب إلى صديق وفي له؛ فأوصاه بتربية ولديه الصغيرين، وترك له ما كان معه من مال، وكان قليلاً، ومات الأب، فعمل الصديق بالوصية، فنشَّأ الطفلين تنشئة دينية صحيحة، وعاملهما معاملة طيبة وألحقهما بإحدى المدارس، وكانت أمهما ترعاهما بعناية كبيرة، وتتابع دراستهما، فنبغ الطفلان، وتفوَّقا على أقرانهما، وبخاصة (محمد الغزالي) الذي تعلم مبادئ النحو واللغة، وحفظ القرآن الكريم، وتعلم اللغة الفارسية.

وسافر محمد إلى (جرجان) لسماع دروس الإمام (أبو نصر الإسماعيلي)، وفي أثناء عودته إلى بلدته (طوس) قطع اللصوص عليه الطريق، وأخذوا منه مخلته التي فيها كتبه وكراريسه، ظنًّا منهم أن فيها نقودًا ومتاعًا، وساروا في طريقهم؛ فتبعهم (أبو حامد الغزالي) وأخذ يلح عليهم أن يعطوه أوراقه وكتبه التي هاجر من أجلها ومعرفة ما فيها؛ فضحك كبير اللصوص وقال له: كيف تزعم أنك عرفت علمها، وعندما أخذناها منك، أصبحتَ لا تعلم شيئًا وبقيت بلا علم؟! ولكنه أشفق عليه وسلمه الكتب.

وكان هذا درسًا عظيمًا للغزالي، فعندما وصل إلى طوس مكث ثلاث سنوات يحفظ ما كتب في هذه الأوراق، حتى لا يتعرض علمه للضياع مرة أخرى، وانتقل الغزالي إلى مدينة (نيسابور) سنة 473هـ/1080م، فتعلم الفقه والمنطق والفلسفة، وأصول الفقه وغيرها من العلوم على يد (أبي المعالي الجويني) الملقب بإمام الحرمين وكان الغزالي أحد تلامذته الأذكياء فبرع في الفقه وأتقن الجدل، وبدأ في تصنيف الكتب.

ولازم الغزالي أستاذه، يتعلم على يديه، حتى انتقل إمام الحرمين إلى ربه سنة 478هـ/1085م، فخرج الغزالي من نيسايور إلى العسكر حيث لقي الوزير السلجوقي (نظام الملك) الذي أكرمه وبالغ في إكرامه، وكان الغزالي حينئذ متزوجًا وله ثلاث بنات وولد اسمه (حامد) لذلك كني أبا حامد.

وناظر الغزالي وناقش فكرة الجهاد ضد الباطل سواء داخل أو خارج بلاد الإسلام مع الأئمة والعلماء في مجلس الوزير، فبهرهم غزارة علمه وقوة منطقه، وأعجب به (نظام الملك) فولاه منصب التدريس في المدرسة النظامية ببغداد سنة 484هـ/1091م، فأقبل عليه الطلاب إقبالا شديدًا، واتسعت حلقاته، وذاع صيته واشتهر؛ حتى لقب بإمام بغداد، فكلفه الخليفة العباسي (المستظهر بالله) بالردِّ على بعض الفرق التي انحرفت عن الإسلام؛ فكتب الغزالي في الرد عليهم: (القسطاس المستقيم) و(حجة الحق).. وغيرهما من الكتب التي كشفت فساد وضلال هذه الفرق.

وترك (الغزالي) التدريس بالمدرسة النظامية، واتجه إلى طريق الزهد والعبادة، ورحل إلى عدة مدن إسلامية، فرحل إلى (دمشق) وأقام مدة قصيرة، ثم رحل إلى بيت المقدس، ومنها ذهب إلى (مكة) واختار طريق التصوف وفضَّله على كل الطرق، ولم يزل الغزالي على حالته في الزهد والعبادة حتى طلب منه السلطان العودة مرة أخرى إلى نيسابور للتدريس ونشر العلم، لكنه لم يمكث بها مدة طويلة، فقد عاد بعد سنتين إلى طوس، وهناك أنشأ الغزالي زاوية للزهاد والصوفية وطلبة الفقه والعلوم الشرعية، وظل بـ(طوس) حتى توفاه الله في 14 جمادى الآخرة عام 505هـ/1111م عن خمسة وخمسين عامًا قضاها في العلم والتعلم ونشر الفكر الإسلامي الصحيح بين المسلمين، والدفاع عن الإسلام ضد أهل الديانات الأخرى والفرق الضالة، ومن هنا لُقِّب الغزالي بـ (حجة الإسلام).

وللغزالي مؤلفات كثيرة تزيد على أربعمائة؛ منها: (إحياء علوم الدين) و(الوسيط) في الفقه الشافعي و(تهافت الفلاسفة) و(المستصفي في أصول الفقه).. وغير ذلك، ومع غزارة إنتاج الغزالي، فإن أسلوبه يتسم بالعبارة السهلة،والبعد عن التعقيد.. فجزاه الله خيرًا عما قدم للإسلام من خدمات جليلة.
من مواضيع : ahmed1981 0 سلسلة أفلام سوبرمان الشهيرة ...لأول مرة ..حمل بسرعة
0 فيلم الشعلة و السهم
0 أنبياء الله فى الاسلام

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21-03-2008, 01:55 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

رابعا: الامام عبد القادر الجيلانى

سلطان العارفين
الشيخ عبد القادر الكيلاني أو الجيلانى لأن الكاف الفارسية و التركية (كـَ) تنطق جيماً
تاليف
صلاح الدين عبد القادرمحمد فائز
مطبعة دار السلام بغداد



نسب الشيخ عبد القادر الجيلاني

هو شيخ الاسلام تاج العارفين محيي الد ين أبو محمد السيد الشيخ عبد القادر الجيلاني بن أبو صالح موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن أبي محمد الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي.

وكان الامام عبد الله المحض، ولد بالمدينة المنورة ونشأ فيها بين أهل البيت وهم أهل العلم والفضل والتقوى،وبعد ان نبغ واشتهر التف حوله عدد كبير من الناس ينتهلون من علمه وفضله، فوشى به بعض اهل الفتنة لدى الخليفة العباسي (ابي جعفر المنصور) فاسقدمه مع اسرته الى بغداد سنة (144-هـ) وحبسهم في سجن فيها وعذ بهم ومات بعضهم بالتعذ يب ، ومات الامام عبد الله المحض في الحبس ودفن في ضاحية من ضواحي بغداد الجنوبية. وقبره هنالك يزار وقد انتشئ عنده مسجد صغير يسمى مزار السيد عبدالله وهو يقع على الضفة الجنوبية من قناة اليوسفية وعلى بعد عشر كليومترات الى الغرب من قرية ( اليوسفية) الكائنة على مسافة (20) كيلو مترا الى الجنوب من (جسر الخر) حيث يمر فيها الطريق الموصل بين بغداد والحلة.

ولقد اقامت ذرية الامام عبد الله المحض في بغداد حتى زال الاضطهاد عن العلويين في عهد الخليفة العباسي (المأمون) حيث تفرق العلويون في الامصار ومنهم ذرية الامام عبد الله المحض ، فقد هاجر بعضهم الى الحجاز واليمن وقامت لهم امارات فيها وهم السليمانيون اولاد سليمان بن عبد الله المحض ، وهاجر بعضهم الى الغرب وقامت لهم فيه امارات لازالت قائمة وهم (الادارسة) ، اولاد ادريسى بن عبدالله المحض . وهاجر بعضهم الى بلاد فارس ومنهم من سكن جيلان وكانت لهم الامارة الروحية فيها وهم (الجونيون) اولاد موسى الجون بن عبد الله المحض.

سميت الاسرة العلوية التي نشأت في جيلان باسم اشراف جيلان ، وقد نشأ الشيخ عبد القادر رحمه الله في كنف هذه الاسرة الطيبة ، فكان هذا المنشأ الكريم قاعدة لشخصية هذا الشيخ الجليل .

مولده ونشأته :

ولد العارف بالله تعالى الشيخ عبد القادر الجيلاني في نيف وهي قصبة من جيلان سنة 470هـ-1077م تقرأ بالجيم العربية كما تقرأ بالكاف الفارسية فيقال لها جيلان أو كيلان ، وهي اسم لبلاد كثيرة من وراء طبرستان ، ليس فيها مدن كبيرة وانما هي قرى ومروج بين الجبال.

ولاتزال كيلان محتفظة باسمها القديم وهي ولاية ايرانية تقع في جبال البروز المتدة من الشرق الى الغرب موازية للساحل الجنوبي من بحر قزون.

وقد نشأ الشيخ عبد القادر في اسرة كريمة جمعت شرف التقوى ، فقد كان والده ابو صالح موسى على جانب كبير من الزهد وكان شعاره مجاهدة النفس وتزكيتها بالاعمال الصالحة ولذا كان لقبه بالفارسية جنكي دوست اي محب الجهاد.

وكانت للشيخ موسى اخت صالحة اسمها عائشة ، كان الناس يستسقون بها اذا حبس عنهم المطر ، وكان جده عبدالله بن يحى الزاهد من أهل الارشاد ، وينتهي نسب هذه الاسرة الى الامام عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهم.

سفره الى بغداد :

وكان الشيخ الجيلاني رحمه الله قد نال قسطاً من علوم الشريعة في حداثة سنه على ايدي افراد من اسرته،فنشأ مولفا في طلب العلم وصار يبحث عن منهل عذب ينتهل منه زيادة المعرفة،فلم يجد خيرا من بغداد ، التي كانت عامرة بالعلماء ومعاهد العلم،وكانت محط انظار المسلمين في مشارقهم ومغاربهم،وكان رحمه الله قد عقد العزم على المضي في طلب العلم رغم الصعوبات التي كانت تكلف الطلاب في ذلك العهد.

دخوله بغداد :

وكان الشيخ عبد القادر رحمه الله ، قد وصل بغداد سنة 488هـ-1095م في عهد الخليفة العباسي المستظهر بالله ابو العباس أحمد بن المقتدي بأمرالله أبو القاسم عبد الله العباسي .

وبعد أن استقر الشيخ عبد القادر في بغداد انتسب الى مدرسة( الشيخ أبو سعيد الُمُخَِرمي) التي كانت تقع في حارة باب الازج، في اقص الشرق من جانب الرصا فة، وتسمى الأن محلة باب الشيخ.وكان العهد الذي قدم فيه الشيخ الجيلاني الى بغداد تسوده الفوضى شملت كافة انحاء الدولة العباسية، حيث كان الصلبيون يهاجمون ثغور الشام،وقد تمكنوا من الاستيلاء على انطاكية وبيت المقدس وقتلوا فيهما خلفا كيثرا من المسلمين ونهبوا اموال كثيرة.وكان السلطان التركي (بركياروق) قد زحف بجيش كبير يقصد بغداد ليرغم الخليفة على عزل وزيره (ابن جهير) فاستنجد الخليفة بالسلطان السلجوقي (محمد بن ملكشاه) . ودارت بين السلطانين التركي والسلجوقي معارك عديدة كانت الحرب فيها سجالا، وكلما انتصر احدهما على الآخر كانت خطبة يوم الجمعة تعقد باسمه بعد اسم الخليفة.

وكانت فرقة الباطنية التي الفه ( الحسن بن الصباح) قد نشطت في مؤامراتها السرية واستطاعت ان تقضي على عدد كبير من امراء المسلمين وقادتهم فجهز السلطان السلجوقي جيشا كبيرا سار به الى ايران فحاصر (قلعة اصفهان) التي كانت مقرا لفرقة الباطنية وبعد حصار شديد استسلم اهل القلعة فاستولى عليها السلطان وقتل من فيها من المتمردين ، وكان (صدقة بن مزيد) من امراء قبيلة بني اسد قد خرج بجيش من العرب والاكراد يريد الاستيلاء على بغداد فتصدى له السلطان السلجوقي بجيش كبير من السلاجقة فتغلب عليه .

وكان المجرمين وغيرهم من العاطلين والاشقياء ينتهزون فرصة انشغال السلاطين بالقتال فيعبثون بالامن في المدن يقتلون الناس ويسلبون اموالهم فاذا عاد السلاطين من القتال انشغلوا بتأديب المجرمين.

طلبه للعلم:

وفي غمرة هذه الفوضى كان الشيخ عبد القادر رحمه الله يطلب العلم في بغداد،وتفقه على مجموعة من شيوخ الحنابلة ومن بينهم الشيخ ابوسعيد المُخَرِمي ، فبرع في المذهب والخلاف والاصول وقرأ الادب وسمع الحديث على ايدي كبار المحد ثين.

ولقد قاس الشيخ عبد القادر ماكان يقاسيه الغرباء من طلبة العلم في ذلك العهد المضطرب من شظف العيش.

وكان رحمه الله عنه قد امض من عمره النفيس ثلاثين عاما يدرس فيها علوم الشريعة اصولها وفروعها ، وقد كايد خلال هذه الفترة الطويلة ضيق العيش ومرارة الحرمان، بيد ان العناية الالهية كانت قد منحته عقلا راجحا وصبرا جميلا وهمه عالية،فاستطاع بهذه السجايا ان يحتمل الشدائد ويذلل الصعاب،فلم تجزع نفسه من الشدة ولم تفتر عزيمته عن المثابرة في طلب العلم .

جلوسه للوعظ :

وحينما انس الشيخ ابو سعيد المُخَرِمي من تلميذه عبد القادر غزارة العلم ووفرة الصلاح عقد له مجالس الوعظ في مدرسته بباب الازج في بداية (521-هـ) فصار يعظ فيها ثلاثة أيام من كل اسبوع،بكرة الاحد وبكرة الجمعة وعشية الثلاثاء.وحينما تصدى الشيخ عبد القادر للوعظ كانت الخلافة العباسية قد آلت الى المسرشد بن المستظهر، وكان شجاعاً بعيد الهمة،محباً للخير،اراد ان يظهر هيبة الخلافة فدعا الناس الى الجهاد وجمع جيشا كبيرا من المتطوعين أهل الفتوة وخرج بهم لمحاربة الامراء الاتراك الذين عاثوا في الارض فسادا،وكاد ان يخضع بشوكتهم لولا خيانة قائده السلجوقي (مسعود بن ملكشاه) الذي خرج عليه وهدد مؤخرته فأضطر الخليفة ان يعود بجيشه الى بغداد، بينما كان في الطريق اغتاله احد الباطنية فأفضت الخلافة الى ابنه الراشد، وزحف الامراء الاتراك بجيوشهم نحو بغداد.

فحاصروها واستولوا عليها بعد قتال شديد واجتمعوا على خلع الراشد وتولية الخلافة من بعده الى عمه (المقتفي) ونهب الاتراك دار الخلافة وتنازعوا على السلطة فدب الشقاق بينهم ونشب بينهم معارك طاحنة أضرت بالبلاد.

وكانت الاضطرابات التي اجتاحت ارجاء الدولة العباسية قد اسقطت هيبتها فكثر قطاع الطرق وانتشر السلب والنهب وتنافس الامراء على الملك، وكانت المؤمرات والدسائس تدبر في البلاط العباسي وفي قصور الامراء وفي سائر انحاء الدولة،وانتشرت الفرقة والبغضاء بين الناس وصاروا يتحيزون للامراء المتنازعين،وكلما انتصر أمير على أمير ساروا في ركاب المنتصر يمدحونه ويشتمون خصمه. وأستشرى بين الناس النفاق وضعف الوازع الديني في نفوسهم.

وظهر عدد من دعاة الخير يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر،وكان في طليعتهم الشيخ عبد القادر الذي استطاع بالموعظة الحسنة ان يرد كثيرا من الحكام الظالمين عن ظلمهم وان يرد كثيرا من الضالين عن ضلالتهم،حيث كان الوزراء والامراء والاعيان يحضرون مجالسه،فيشتد في موعظتهم حتى تنتبه افئدتهم وتستيقظ ضمائرهم،فيتوبوا الى الله تعالى ويقلعوا عن المظالم، وكانت عامة الناس اشد تأثراً بوعظه،فقد تاب على يديه اكثر من مائة الف من قطاع الطرق واهل الشقاوة،واسلم على يديه مايزيد على خمسة الآف من اليهود والنصارى.

وكان الشيخ عبد القادر رحمه الله قد حباه الله تعالى بشخصية فذة ونفوذ روحي فكان يسيطر على قلوب المستمعين الى وعظه ويستهوى نفوسهم في التذذ بحديثه،حتى انه استغرق مرة في كلامه وهو على كرسي الوعظ فانحلت طية من عمامته وهو لايدري فألقى الحاضرون عمائهم وطواقيهم تقليداً له وهم لاشعرون.

تصديه للتدريس:

وبعد ان توفي الشيخ ابي سعيد المبارك المخزومي فوضت مدرسته الى خليفته بالحق الشيخ عبد القادر الجيلاني فجلس فيها للتدريس والفتوى،وكانت شخصيته الفذة وحبه للتعليم وصبره على المتعلمين جعلت طلاب العلم يقبلون على مدرسته اقبالا عظيما حتى ضاقت بهم فاضيف اليها ما جاورها من المنازل والامكنة ما يزيد على مثلها وبذل الاغنياء أموالهم في عمارتهم وعمل الفقراء فيها بانفسهم حتى تم بناؤها سنة528 (هـ)-1133(م). وصارت منسوبة اليه وتصدر بها للتدريس والفتوى والوعظ مع الاجتهاد في العلم والعمل.

وكان الشيخ عبد القادر عالما متبصرا يتكلم في ثلاثة عشر علما من علوم اللغة والشريعة،حيث كان الطلاب يقرأون عليه في مدرسته دروسا من التفسير والحد يث والمذهب والخلاف والاصول واللغة، وكان يقرأ القرآن بالقراءات وكان يفتي على مذهب الامام الشافعي والامام أحمد رحمهم الله تعالى.

تضلعه في الكتاب والسنة :

وكان الشيخ عبد القادر رحمه الله في طليعة الداعين الى التوسع في الفهم القران الكريم والاحاديث النبوية والتفهم على استنباط الدلائل المتعلقة بالعقائد والاحكام الفقهية منها ولذا كان على جانب كبير من المعرفة في علوم القران وعلوم الحديث حتى انه فاق علماء عصره في هذه العلوم الشريفة.

ومما يدل على سعة معرفة الشيخ بالكتاب الكريم.مااخبره به الشيخ يوسف بن الامام ابي الفرج الجوزي العلامة البغدادي الشهير فقال:-

قال لي الحافظ احمد البندلجي حضرة ووالدك رحمة الله تعالى يوما مجلس عبد القادر رحمه الله ، فقرأ القارئ آية،فذكر الشيخ في تفسيرها وجها فقلت لوالدك اتعلم هذا الوجه؟ قال نعم،ثم ذكر الشيخ وجها اخر،فقلت لوالدك اتعلم هذا الوجه؟قال نعم،فذكر الشيخ فيها احد عشر وجها،وانااقول لوالدك اتعلم هذا الوجه؟وهو يقول نعم.ثم ذكر الشيخ وجها آخر،فقلت لوالدك أتعلم هذا الوجه قال لا حتى ذكر فيها كمال اربعين وجها يعزو كل وجه الى قائله ووالدك يقول لااعرف هذا الوجه واشتد تعجبه من سعة علم الشيخ.

وكان الشيخ عبد القادر رحمه الله لايروي في كتبه وخطبه غير الاحاديث الصحيحة وكان له باع طويل في نقد الحديث وكان يشرح الحديث في معناه اللغوي،ثم ينتقل الى شرح مغزاه ، ثم ينتقل الى استنباط المعاني الروحية منه، وهكذا كان قد جمع بين ظاهرية المحدثين وروحانية الصوفية.

وكان الشيخ عبد القادر رحمه الله لايشجع طلابه على دراسة الفلسفة او علم الكلام، لانه لا يرى انهما ليسا من العلوم الموصلة الى الله تعالى ، ثم انه يخشى ان ينصرف طلابه اليهما فيقعوا في مهاوي الاراء الفلسفية او الكلامية البعيدة عن العقيدة الشرعية.

قال الشيخ منصور بن المبارك الواسطي الواعظ دخلت وانا شاب على الشيخ عبد القادر رحمه الله عنه ومعي كتاب يشتمل على شيئ من الفلسفة وعلوم الروحانيات فقال لي من دون الجماعة وقبل ان ينظر الى كتاب او يسألني عنه ،يا منصور بئس الرفيق كتابك قم فاغسله وناولني بدله كتاب فضائل القرآن لمحمد بن العريس.

ولقد روى الشيخ تقي الدين بن تيمية عن الشيخ احمد الفاروقي انه سمع الشيخ شهاب الدين عمر السهرودي يقول:

كنت قد عزمت ان اقرأ شيأ من علم الكلام وانا متردد هل اقرأ كتاب الارشاد الامام الحرمين او نهاية الاقدام للشهرستاني او كتاب اخر،فذهبت مع خالي ابي النجيب وكان يصلي بجنب الشيخ عبد القادر،فالتفت الي الشيخ عبد القادر وقال ياعمر ماهو من زاد القبر.فعلمت انه يشير الى دراسة علم الكلام فرجعت عنه.

مؤلفات الشيخ عبد القادر الجيلاني :

ان تأليف الشيخ عبد القادر الكيلاني في الغالب كتب مواعظ وارشاد والموجود منها في المكتبة القادرية


المطبوعات

1. الغنية لطالبي طريق الحق عز وجل.

2. فتوح الغيب: وهو يحتوي على ثمان وسبعين موعظة مختلفة جمعت من قبل ولده الشيخ عبد الرزاق وفيها بعض المعلومات التي استخلصها من أبيه الشيخ عبد القادر الجيلاني لما كان على فراش الموت، ومنها مايخص نسبه من أبيه.

3. الفتح الرباني: وهو يحتوي على اثنتين وستين موعظة ألفت خلال سنة 545هـ وسنة 546هـ -1150م وسنة 1152م.

4. سر الاسرار فيما يحتاج اليه الابرار- في التصوف.

5. الدلائل القادرية.

6. الحديقة المصطفوية-مطبوعة بالفارسية والاردية.

7. الحجة البيضاء.

8. الرسالة الغوثية.

9. عمدة الصالحين في ترجمة غنية الصالحين- بالتركية.

10. الفيوضات الربانية في المأثر والاوراد القادرية.

11. بشائر الخيرات.

المخطوطه

1. الغنية لطالبي طريق الحق عز وجل.

2. ورد الشيخ عبد القادر الجيلاني.

3. حزب لابتهال.

4. كيمياء السعادة لمن أراد الحسنى وزيادة.

5. جلاء الخاطر من كلام الشيخ عبد القادر.

6. سر الاسرار فيما يحتاج اليه الابرار.

7. تنبيه الغبي في رؤية النبي-نسخة مصورة بالفوتوغراف من مخطوطات مكتبة الفاتيكان.

8. المختصر في علم الدين-نسخة مصورة بالفوتوغراف.

9. مجموعة خطب.

أما مؤلفاته الاخرى التي وردت في كشف الظنون وهدية العارفين ومعجم المؤلفين وايضاح المكنون وغيرها من المراجع الاخرى فهي :

1. تفسير القرآن بخط يده.

2. تحفة المتقين وسبيل العارفين.

3. الكبريت الاحمر في الصلاة على النبي ((صلى الله تعالى عليه وسلم)).

4. مراتب الوجود.

5. مواقيت الحكم.

6. الطقوس اللاهوتية.

وفاته ومرقده :

واستمر الشيخ عبد القا در رحمه الله عنه مثابرا في دعوته الى الله تعالى وجهاده في سبيله،حتى وافاه الاجل المحتوم ليلة السبت العاشر من ربيع الاخر سنة (561هـ)،فرغ من تجهيزه ليلا وصلي عليه ولده عبد الوهاب في جماعة من حضر من اولاده واصحابه، ثم دوفن في رواق مدرسته ، ولم يفتح باب المدرسة حتى علا النهار واهرع الناس للصلاة على قبره وزيارته وكان يوما مشهودا، وبلغ تسعين سنة من عمره .


أولاده:

كان الشيخ عبد القادر رحمه الله قد انجب عددا كبيرا من الاولاد ، وقد عنى بتربيتهم وتهذيبهم،وتخرجوا على يديه في العلم وكان معظمهم من اكابر الفقهاء والمحدثين ، واشتهر منهم ثمانية، وكان في طليعتهم الشيخ عبد الوهاب الذي درس بمدرسة والده في حياته نيابة عنه ،وبعد والده وعظ وافتى وتخرج عليه جماعة من الفقهاء،وكان عالما كبيرا حسن الكلام في مسائل الخلاف له لسان فصيح في الوعظ وكان ظريفا لطيفا ذا دعابة وكياسة وكانت له مرؤة وسخاء وقد جعله الامام الناصر لدين الله على المظالم فكان يوصل حوائج الناس اليه،وقد توفي سنة (573هـ) ودفن في رباط والده في الحلبة.

وكان منهم الشيخ عيس الذي وعظ وافتى وصنف مصنفات منها كتاب ((جواهر الاسرار ولطائف الانوار)) في علم الصوفية ، قدم مصر وحدث فيها ووعظ وتخرج به من اهلها غير قليل من الفقهاء ، وتوفي فيها سنة (573هـ) ومنهم الشيخ عبد العزيز وكان عالما بهيا متواضعا وعظ ودرس وخرج على يديه كثير من العلماء وكان قد غزا الصلبين في عسقلان وزار القدس الشريف ورحل جبال الحيال وتوفي فيها سنة (602هـ) وقبره في مدينة (عقره) من اقضية لواء الموصل في العراق.

ومنهم الشيخ عبد الجبار تفقه على والده وسمع منه وكان ذا كتابة حسنة سلك سبيل الصوفية ودفن برباط والده في الحلبة.

ومنهم الشيخ عبد الرزاق وكان حافظا متقنا حسن المعرفة بالحديث فقيها على مذهب الامام احمد بن حنبل ورعا متدنيا منقطعاً في منزله عن الناس،لايخرج الا في الجمعات مقتنعا باليسير منتفعا عما في أيدي الناس، وتوفي سنة (603هـ). ودفن بباب الحرب في بغداد.

ومنهم الشيخ ابراهيم تفقه على والده وسمع منه ورحل الى واسط في العراق وتوفي بها سنة (592هـ).

ومنهم الشيخ يحيى وكان فقيها محدثا انتفع الناس به،ورحل الى مصر ثم عاد الى بغداد وتوفي فيها سنة (600هـ) ودفن برباط والده في الحلبة.

ومنهم الشيخ موسى تفقه على والده وسمع منه ورحل الى دمشق وحدث فيها واستوطنها وعمر بها على يديه غير واحد من الفقهاء، ثم انه رحل الى مصر وعاد الى دمشق وتوفي فيها وهو اخر من مات من اولاده .

المدرسة القادرية والمسجد الجامع :

ولقد امتدت ايدي التخريب والتعمير الى مدرسة باب الازج ومسجدها مرارا عديدة خلال العصور المتعاقبة ، فقد نالها التخريب على ايدي المغول عند غزو بغداد من قبلهم في القرن السابع الهجري، وعمرت بعد ذلك على ايدي من اسلم من سلاطين المغول،ونالها التخريب مرة أخرى على ايدي الصفويين من شاهات ايران بعد استيلائهم على بغداد في القرنين العاشر والحادي العشر الهجريين وعمرت بعد ذلك على ايدي السلاطين العثمانين بعد استعادتهم لبغداد من ايدي الصفويين.

وقد بنيت المدرسة والمسجد مجددا واتخذا وضعهما الاخير في عهد السلطان مراد الرابع العثماني سنة (1048-ه) واطلق عليها اسم جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني.

المكتبة القادرية:

مكتبة المدرسة القادرية العامة ، خزانة من خزائن كتب العهد العباسي في بغداد ، يرتقي تاريخها الى أوائل القرن السادس الهجري وأوائل القرن الثاني عشر الميلادي ، حيث انشئت لاول مرة ضمن مدرسة علمية على المذهب الحنبلي ، وكان قد وضع نواتها الاولى مؤسس المدرسة أبوسعيد المَخُرِمي وعرفت باسم (مدرسة المَخُرِمي) ثم زاد عليها أهل العلم من بعده ، منهم أبوالحسن علي بن عساكر بن المرحب بن العوام البطائحي الذي عاش مابين سنة 489 و سنة 572هـ ومابين سنة 1095و1176م.

وفعل مثله الشيخ أبو الحسن أيوب الحارثي المتوفي سنة 572هـ-1176م.وهذه المدرسة هي أقدم مدارس الحنابلة ببغداد ، وأعظمها شأناً ، وأكثرها أوقافا ، وأطولها عمرا.

وبهذا يمكننا القول بأن أول من وضع نواة هذه المكتبة هو المبارك بن علي بن الحسن أبوسعيد المَخُرِمي ولد سنة 446هـ-1054م ، سمع الحديث من أبي الحسين ابن المهتدي وافتى ودرس وجمع كتباً كثيرة لم يسبق ان جمع مثلها وناب في قضاء بغداد كان حسن السيرة ، جميل الطريقة شديد الأقضية ، بنى مدرسة بباب الأزج شرقي بغداد ثم عزل عن القضاء سنة 511هـ-1117م وتوفي في 12 محرم سنة513هـ-1119م وصلي عليه في عدة مواضع ودفن قبل صلاة الجمعة الى جانب أبي بكر الخلال قرب تربة الامام أحمد بن حنبل بباب حرب بالجانب الغربي من بغداد.
برغم اننا قلنا بأن وا ضع نواة المكتبة القادرية هو المبارك بن علي المخرمي-الا ان الشيخ عبد القادر رحمه الله ليعتبر المؤسس الحقيقي لهذه المكتبة لهذه المكتبة لما كان له من أثر بالغ ي نفوس الناس واقبالهم على رفد هذه المكتبة بما لديهم من الكتب والمؤلفات والوقفيات في حياته وبعد وفاته.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــ



الطريقة القادرية


1.ماهي الطريقة

الطريقة هي الاسلوب التربوي الذي يتبعه الشيخ في تربية المريدين وهم طلاب الحق في المصطلح الصوفي ، وتختلف الطرق التي اتبعها الشايخ الكرام في التربية مريديهم باختلاف مشاربهم اي اذواقهم الروحية واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها واختلاف الاهداف التي ينشدونها.

فقد يسلك بعض المشايخ طريق الشدة في تربية المريدين فياخذونهم بالرياضيات العنيفة ومنها كثرة الصيام والسهر وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس وكثرة الذكر والفكر.

وقد يسلك بعض المشايخ طريقة اللين في تربية المريدين فيامرونهم بممارسة شيئ من الصيام وقيام مقدار من الليل وكثرة الذكر، ولكن لايلزونهم بالخلوة والابتعاد عن الناس الا قليلا.

ومن المشايخ من يتخذ طريقة وسطى بين الشدة واللين في تربية المريدين، ولذلك قيل الطرق الى الله تعالى على عدد انفاس الخلائق.

2.ماهية الطريقة القادرية

لقد سلك الشيخ عبد القادر رحمه الله في تربية المريدين طريقة معتدلة تقف بين الشدة واللين ، وهو يبتغي من وراء طريقته تحقق المريدين بمعرفة الحق وتهذيب اخلاقهم وتنوير قلوبهم بالتوحيد الخالص وهو تفريد الحق عن الخالق ، والاعتقاد بقوة الله تعالى وضعف المخلوقين والاخلاص في جميع الاعمال والتوجه فيها الى الله تعالى والتجرد من جميع المطامع والشهوات ، واحياء القلوب الميتة بذكر الله تعالى واصلاح الاحوال السقيمة بالاداب الشرعية واصلاح الاعمال في التمسك بالكتاب والسنة وملازمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3.اهداف طريقته

وكان الشيخ عبد القادر رحمه الله قد وجه همته العليا لانقاذ الدولة العباسية من الانهيار وحماية المجتمع القائم تحت ظلها من الفساد عن الطريق الوعظ والارشاد والتعليم ، سالكا طريقة سليمة تعمل على ايجاد الوازع الديني في النفوس وترمي الى تحقيق الاهداف التالية:

اولا- ايقاد جذوة الايمان التي انطفأت في النفوس الاغلبية الساحقة من الناس ، نتيجة لاعراضهم عن الله تعالى وانشغالهم بحطام الدنيا، وقد تولى الشيخ رحمه الله تحقيق هذه الهدف في مجالس وعظه التي كان يحضرها الآلاف من الناس حكاماً ومحكومين ، وكان حماسه في الدعوة ، واسلوبه الجميل واخلاصه وشفقته بالناس،قد جعلت كلامه نافذاً الى القلوب ، مسيطرا على المشاعر ، فما كان مجلس من مجالسه يخلو من يتوب على يديه ، من يهود والنصارى، وقد بلغ عدد من اسلم على يديه خمسة الاف.

وما اعذب قول الشيخ رحمه الله في ارشاد الخلق،وما اعظم شعوره بالمسؤولية العظمى في ارشادهم، حيث قال في احد مجالسه (ياخلق اني اطلب صلاحكم ومنفعتكم بالجملة ، واتمنى غلق ابواب النار وعدمها بالكلية وان لايدخلها احد من خلق الله عز وجل ، وفتح ابواب الجنة وان لايمنع منها احد من خلق الله عز وجل ، وانما تمنيت هذه الامنية لاطلاعي على رحمة الله عز وجل ، وشفقته على خلقه،قعودي للمصالح قلوبكم وتهذيبها ، لالتعبير الكلام وتهذيبه. لاتهربوا من خشونة كلامي ، فما رباني الا الخشن في دين الله ، عز وجل ، وكلامي خشن وطعامي خشن ، فمن هرب مني ومن امثالي لايفلح) .

ثانيا- نشر عقيدة التوحيد السليمة، خاصة ما يتعلق منها بالقضاء والقدر ، والنفع والضرر.اذ ان قلوب الناس ، في ذلك الزمان ، كانت قد تعلقت بالحكام من الخلفاء ووزراء وامراء ،وصاروا يتقربون اليهم بالنفاق والمداهنة ،حتى فسدت عقائدهم وساءت اخلاقهم ، فهب الشيخ عبد القادر رحمه الله يدعوا الناس الى التمسك بالعقيدة السليمة ، وطلب مرضات الحق دون الخلق ، والتوكل على الله تعالى في جميع الاقوال والافعال ،واسقاط من سواه من ذوي السلطان من القلوب فكانت مواعظه مشحونة بهذه الدعوة.

تحدث رحمه الله في احد مجالسه ، في تفسير الحديث القدسي (( يا ابن آدم خيري اليك نازل ، وشرك الي صاعد)) فقال:-

ويحك تدعي انك عبده ، وتطيع سواه فيما يكره ، لو انك عبده علىالحقيقة ، لواليت فيه وعاديت فيه ، والمؤمن الموقن ،لايطيع نفسه وشيطانه وهواه ،لايعرف الشيطان حتى يطيعه ، ولايبالي بالدنيا حتى يذل لها ، ويطلب الاخرة فاذا حصلت له تركها ، واتصل بمولاه عز وجل ، يخلص عبادته له في جميع أوقاته ، اسمع قوله تعالى ((وماأمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء)).

دع عنك الشرك بالخلق ، ووحد الحق ، عزوجل،هو خالق الاشياء جميعها، ياطالب الاشياء من غيره ، ماانت عاقل ، هل شيئ هو ليس في خزائنه؟ وقال تعالى ((وان من شيء الاعندنا خزائنه)) .

وقال رحمه الله في مجلس اخر:-

الخير كله بيده ، والعطاء والمنع بيده ، والغنى والفقر بيده ، والعز والذل بيده ، مالاحد معه شيئ ،فالعاقل من يلزم بابه ، ويعرض عن باب غيره ، يامدبر اراك ترضي الخلق وتسخط الخالق وتخرب اخرتك بعمارة دنياك ،عن قريب انت ماخوذ ، يأخذك الذي اخذه اليم الشديد .

ثالثا- التمسك بالعقيدة الدينية الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة اذ ان كثيراً من العقائد الباطلة كانت قد تفشت بين الناس،في ذلك الحين ،وظهرت بعض الفرق الضالة وانحرف بعض المتصوفة عن الطريق الذي سلكه صوفية السلف، حيث شاعت الشطحات واسقاط التكاليف الشرعية في حال الوصول ، واستغلال التصوف للبطالة والكسب ولذا كان الشيخ رحمه الله ، يشتد في الدعوة الى التمسك بالكتاب والسنة ، وينهى عن التفلسف في العقيدة والجدل بها، وقال رحمه الله (( منكراً على من يعتقد بسقوط التكاليف الشرعية في حال الوصول)). ترك العبادات المفروضات زندقة ،وارتكاب المحضورات معصية، لاتسقط الفرائض عن احد في أي حال من الاحوال.

رابعا- التخلص من حب الدنيا اذا ان التكالب على الدنيا كان قد انتشر بين الناس ، حتى صارالكثيرون منهم يبيعون آخرتهم بدنياهم ، ولقد أخطاء الكثير من الناس فهم دعوة الصوفية الى التخلص من حب الدنيا .وظنوا انها دعوة الى البطالة والكسل وترك الكسب والاعتماد على الصدقات المتصدقين . والحقيقة غير هذه ، لان الغرض من هذه الدعوة ، انما هي منع القلب من التعلق بالدنيا ، دون سواها اذ ان شدة التعلق بها تؤدي الى أخذ كل ما فيها بالوسائل المشروعة والاستماتة الى التنازع مع الاخرين من أجلها ، وحب الحياة وكراهية الموت ، وترك الجهاد في سبيل الله تعالى.

ولذا لم يكن الشيخ عبد القادر رحمه الله من دعاة الرهبانية اذ لا رهبانية في الاسلام ، وانما كان يدعوا الى اتخاذ الدنيا طريقا للاخرة .

وعدم التكاثر منها ، لان هذا التكاثر يؤدي الى اشغال القلب بها وصرف الهمة اليها ، ونسيان الاخرة والغفلة عن الله تعالى ، وهي المؤدية الى سؤ الحساب.

وهكذا كان الشيخ رحمه الله يدعوا الى الكسب الحلال فبقول:-

اعبدوا الله عز وجل واستعينوا على عبادته بالكسب الحلال ، ان الله عز وجل يحب عبداً مؤمنا مطيعاً ، آكلا من حلاله ، يحب من يأكل ويعمل ولايحب من يأكل ولايعمل ، ويحب من يأكل بكسبه ويبغض من ياكل بنقاقة وتوكله على الخلق.
وقال رحمه الله في احد مجالسه:-


لاتبع الدين بالتين ، لاتبع دنياك بدين السلاطين والملوك والاغنياء وأكلة الحرام ، أذا أكلت بدينك اسود قلبك ، وكيف لايسود وأنت تعبد الخلق ؟.

وسأل سائل كيف يستطيع المرء ان يخرج حب الدنيا من قلبه؟

فأجاب الشيخ رحمه الله:-

اعتبر بتقلب الدنيا باربابها وابنائها. وكيف تحتال عليهم، وتتلهى بهم وتظهر لهم كنوزها وعجائبها.

فبينما هم فرحون في علوهم وتمكنهم وطيبة عيشهم وخدمتها لهم ، اذ قيدتهم وحيرتهم، ورمت بهم من ذلك العلو على رؤوسهم فتمزقوا وتقطعوا وهلكوا ، وهي واقفة تضحك بهم وأبليس الى جنبها يضحك معها ، هذا فعلها بكثير من السلاطين والملوك والاغنياء من لدن آدم عليه السلام الى يوم القيامة.

ياسائل اذا نظرت بعيني قلبك الى عيوب الدنيا قدرت اخراجها من قلبك والزهد فيها.
خامسا- الامر بالمعروف ونهي عن النكر ، وهوالاساس الذي يقوم عليه المجتمع الاسلامي ، اذ ان ترك الناس يفعلون مايشاؤن ، يؤدي الى الفوض الخلقية وفساد المجتمع ، ولذا كان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه في طليعة الامرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وكان في مجالس وعظه يواجه الخلفاء والوزراء والامراء ، في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، صراحة دون موارية ولا تأخذه في الله لومة لائم.

وكان ينكر على العلماء الذين يعاشرون الامراء ويداهنونهم ولايردعونهم عما يجترحون السيئات حتى انه قال في احد مجالسه:-

اين انتم يا خونة في العلم والعمل؟

يا اعداء الله ورسوله ضيعتم عباد الله عز وجل .انتم في ظلم ظاهر ونفاق ظاهر. هذا النفاق الى متى ياعلماء يازهاد؟ تنافقون الملوك والسلاطين حتى تأخذوا منهم حطام الدنيا وشهواتها ولذاتها،وانتم واكثر الملوك في هذا الزمان ظلمة وخونة في مال الله عز وجل.

و قال في مجلس اخر

اما تستحي؟قد حملك حرصك على انك تخدم الظلمة، وتاكل الحرام . الى متى تأكل وتخدم؟ الملوك الذين تخدمهم يزول ملكهم عن قريب ، وتولى خدمة الحق عز وجل لاتزول.

سادسا- الاخلاص في الطلب العلم اذ ان طلب العلم في حكم الشريعة فرض. فلابد من طلبه ، ولافائدة من العلم ان لم يعمل به، وينبغي طلب العلم لوجه الله تعالى ، والعمل به ابتغاء وجه الله تعالى والاكانت عثرته وفاسده وانتاجه غير نافع. وهكذا كان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه يحث الناس على طلب العلم ، كل على قدر كفايته ، ويدعو الى العمل بالعلم ابتغاء وجه الله تعالى ، وليس لعرض من اعراض الدنيا ولذا قال في احد مجالسه:-

ويلك انك تعبد الله عز وجل، بغير علم ، وتزهد بغير علم ، وتأخذ الدنيا بغير علم ، ذلك حجاب في حجاب مقت في مقت ، لاتميز الخير من الشر ، لاتعرف بين ماهو لك وما هو عليك ، ولاتعرف صديقك من عدوك.كل ذلك لجهلك بحكم الله عز وجل ، وتركك خدمة الشيوخ العمل والشيوخ العلم يدلونك على الحق عز وجل ، القول اولا ، والعمل ثانيا وبه تصل الى الحق.

وقال رضي الله عنه في مجلس اخر:-

الجاهل لاتسوي عبادته شيئا ، بل هو في فساد كلي ، ظلمة كلية والعلم لاينفع ايضا الا بالعمل ، والعمل لاينفع الا بالأخلاص فيه.
سابعا- الجهاد في السبيل الله تعالى وهو على نوعين

الاول- الجهاد الاصغر وهو مقاتلة اعداء الاسلام من الكفار والمشركين والمرتدين.

الثاني – الجهاد الاكبر وهو محاربة النفس والهوى والشيطان وكل مايبعد عن الله تعالى.

وكان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه يدعو الى الجهاد في سبيل الله بنوعيه الاصغر والاكبر فقد قال من احد مجالسه:-

قد اخبرك الله تعالى بجهادين. ظاهر وباطن ، فالباطن جهاد النفس والهوى والطبع والشيطان ، والتوبة من المعاصي والزلات والثبات على التوبة وترك الشهوات المحرمات. والظاهر جهاد الكفار المعاندين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــ



أقوال العلماء في الشيخ الجيلاني



كتبه
سيد مخلف القادري


قال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته: الشيخ عبد القادر، الشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست الجيلي الحنبلي شيخ بغداد،

قال السمعاني كان عبد القادر من أهل جيلان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره فقيه صالح دين خير كثير الذكر دائم الفكر سريع الدمعة تفقه على المخرمي وصحب الشيخ حماداً الدباس وكان يسكن بباب الأزج في مدرسة بنيت له مضينا لزيارته فخرج وقعد بين أصحابه وختموا القرءان فألقى درساً ما فهمت منه شيئاً وأعجب من ذا أن أصحابه قاموا وأعادوا الدرس فلعلهم فهموا لإلفهم بكلماته وعباراته

وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف البرزالي الاشبيلي: كان مجاب الدعوة ، سريع الدمعة ، دائم الذكر ، كثير الذكر رقيق القلب ، دائم البشر ، كريم النفس ، سخي اليد ، غزير العلم ، شريف الأخلاق ، طيب الأعراف ، مع قدم راسخ في العبادة والاجتهاد

قال شيخ الاسلام عز الدين بن عبدالسلام ما بلغت كرامات ولي مبلغ القطع والتواتر إلا كرامات الشيخ عبدالقادر الجيلي رضي الله عنه

. قال السمعاني : هو إمام الحنابلة وشيخهم في عصره , فقيه صالح , كثير الذكر دائم الفكر , وهو شديد الخشية , مجاب الدعوة أقرب الناس للحق ولا يرد سائلاً ولو بأحد ثوبيه .

قال الشيخ ابن حامد البغدادي في وصف السيد عبدالقادر الجيلاني بانه سريع الدمعه شديد الخشية كثير الهيبة مجاب الدعوة كريم الأخلاق طيب الأعراق أبعد الناس عن الفحش أقرب الناس الى الحق شديد البأس إذا انتهكت محارم الله وكان التوفيق رأيه والتأييد صناعته والذكر وزيره والفكر سميره وآداب الشريعة ظاهره وأوصاف الحقيقه سرائره

وقال مفتي العراق ، محيي الدين أبو عبد الله محمد بن حامد البغدادي: " كان أبعد الناس عن الفحش ، أقرب الناس إلى الحق . شديد البأس إذا انتهكت محارم الله عز وجل ، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لغير ربه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ




وصـيـة الـغـوث الأعـظـم

ســلـطـان الأولـيــاء و الـعـارفـيـن

الـبــاز الأشــهـب

زبـــدة الـعـارفـيـن و مـرشــد الـطـالـبـيـن

الـقـطـب الـربـانـي و الـغـوث الـصـمـدانـي



ســيـدي مـحـي الـديـن عـبـد الـقــادر الـجـيـلانـي

قــدس ســره الـعـالـي






أخــي الـســـالـك :

هــذه وصــيــة ســيـدي الـشــيـخ عـبـد الـقــادر الـجـيـلانـي رضـي الله عـنـه لـكـل الـمـريـديـن و الـســالـكـيـن فـي طـريـق الـقـوم و فـي طـريـق الـتـصـوف و خـاصـة الـفـقــراء الـقــادريـة و قــد وجــدت هــذه الـوصـيـة فـي مـخـطـوط نـفـيـس ضـمـن فـهـارس الـمـكـتـبـة الـظـاهـريـة الـعـامـرة تـحـت رقـم ( 1540 ) و يـقـع فـي ورقـتـيـن فـي كـل ورقـة صـفـحـتـان و فـي كـل صـفـحـة ( 14 ) ســطـر و فـي كـل ســطـر نـحـو ( 9 ) كـلـمـات و هـي وصـيـة عـظـيـمـة تـعـد بـمـثـابـة الـعـقـيـدة و الـدســتـور و الـمـنـهـج لـكـل ســالـك فـي طـريـق الـقـوم الـســادة الـصـوفـيـة فـيـنـبـغـي أن تـكـون مـحـفـوظـة لـدى كـل مـريـد قــادري و مـنـســوخـة فـي عـقـلـه و مـخـه و دمـاغـه فـهـي كـالـمـشــعـل يـضـيء لـك الـطـريـق فـي ظـلـمـة الـلـيــل الـحـالـك فـاحـفـظـهـا و اعـمـل بـهـا و هــذه هـي الـوصــيــة :

( 1 ) أوصــيــك بـتـقـوى الله ، و حـفـظ طـاعـتـه ، و لـزوم ظـاهـر الـشــرع ، و حـفـظ حــدوده

( 2 ) و إن طـريـقـتـنـا هـذه مـبـنـيـة عـلـى : ســلامـة الـصـدر، و ســمـاحـة الـنـفـس ، و بـشــاشــة الـوجــه ، و بــذل الـنــدى ، و كــف الأذى ، و الـصـفـح عـن عـثـرات الإخـوان

( 3 ) و أوصــيــك بـالـفـقــر و هـو : حـفـظ حـرمـات الـمـشــايـخ ، و حـســن الـعـشــرة مـع الإخـوان ، و الـنـصـيـحـة لـلأصـاغـر ، و الـشــفـقـة عـلـى الأكـابـر ، و تـرك الـخـصـومـة مـع الـنـاس ، و مـلازمـة الإيـثـار ، و مـجـانـبـة الإدخـار و تـرك الـصـحـبـة مـع مـن لـيـس مـنـهـم و مـن طـبـقـتـهـم ، و الـمـعـاونـة فـي أمـر الـديـن و الـدنـيـا و حـقـيـقـة الـفـقــر أن لا تـفـتـقــر إلـى مـن هـو مـثـلـك و حـقـيـقـة الـغـنـى أن تـســتـغـنـي عـمـن هـو مـثـلـك

( 4 ) و أن الـتـصـوف مـا هـو مـأخـوذ عـن الـقـيـل و الـقـال ، بـل هـو مـأخـوذ مـن تـرك الـدنـيـا و أهـلـهـا ، و قـطـع الـمـألـوفـات و الـمـســتـحـبـات ، و مـخـالـفـة الـنـفـس و الـهـوى ، و تـرك الاخـتـيـارات و الإرادات و الـشــهـوات ، و مـقـاســات الـجـوع و الـســهـر ، و مـلازمـة الـخـلـوة و الـعـزلـة

( 5 ) و أوصــيــك إذا رأيـت الـفـقـيــر أن لا تـبـتـدئـه بـالـعـلـم بـل ابـتـدئـه بـالـحـلـم و الـرفـق فـإن الـعـلـم يـوحـشــه و الـرفـق يـؤنـســه

( 6 ) و أن الـتـصـوف مـبـنـي عـلـى ثــمــان خــصـال :


الخـصلـة الأولــــــى : الــســـــــخــــاء و هـي لإبـــراهــــــيــــم عــــلــــيــــه الـــســــــلام
الخـصلـة الـثــانــيـــة : الـــــرضـــــــى و هـي لإســــــــحـــــاق عــــلــــيــــه الـــســــــلام
الخـصلـة الـثــالــثـــة : الـــصــــــبــــر و هـي لأيــــــــــــــــوب عــــلــــيــــه الـــســــــلام
الخـصلـة الــرابــعــة : الإشــــــــــــارة و هـي لــــزكــــــريـــــا عــــلــــيــــه الـــســــــلام
الخـصلـة الـخـامـسـة : الـــغــــــربـــــة و هـي لـــيــــحـــــيــــى عــــلــــيــــه الـــســــــلام
الخـصلـة الـسـادســة : لـبـس الـصـوف و هـي لآدم و مـــوســـى عــلــيــهــمـا الـــســــــلام
الخـصلـة الـسـابــعـة : الــســــيـــاحـــة و هـي لـــعــــيــــســــى عــــلــــيــــه الـــســــــلام
الخـصلـة الـثــامـنــة : الـــفــــــقـــــــر و هـي لـسـيـدنـا مــحـمــد صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم


( 7 ) و أوصــيــك أن لا تـصـحـب الأغـنـيـاء إلا بـالـتـعـزز ، و لا الـفـقــراء إلا بـالـتـذلـل . و عـلـيـك بـالإخـلاص و هـو : نـســيـان رؤيـة الـخـلـق و دوام رؤيـة الـخـالـق و لا تـتـهـم الله عـز و جـل فـي الأمـور و اســكـن إلـيـه فـي كـل حـال و لا تـضـيـع حـقـوق أخـيـك اتـكـالاً لـمـا بـيـنـك و بـيـنـه مـن الـمـودة و الـصـداقـة فـإن الله عـز و جـل فـرض لـكـل مـؤمـن حـقـوقـاً عـلـيـك فـأقـل الـحـال هـا هـنـا الـدعـاء لـهـم و خـدمـة الـفـقــراء لازمـة عـلـى الـطـالـب بـالـنـفس و الـمـال

( 8 ) و الـــزم نـــفـــســــك بــثــلاثــة أشــــيــاء :


أولاً : بـالـتـواضـع لله ســبـحـانـه و تـعـالـى
ثانياً : بـحـســن الأدب مــع الـخــلـق كـلـهـم
ثالثاً : بـــســــــــــخـــــاء الــــنـــــفـــــــس


( 9 ) و أمــت نـفـســك حـتـى تـحـيـا ، و إن أقـرب الـخـلـق إلـى الله أوســعـهـم صـدراً و أحـســنـهـم خـلـقـاً و إن أفـضـل الأعـمـال مـخـالـفـة الـنـفـس و الـهـوى و دوام الـتـوجـه إلـى الله ســبـحـانـه و تـعـالـى و الإعـراض عـمـا ســواه

( 10 ) و حــســـبــك فــي الــدنــيــا شــــيــئــان :


أولاً : صــحــبــة فــقــيــر عــارف
ثـانـيـاً : خـــدمـــة ولــــي كــامــــل


( 11 ) و اعـلـم أن الـفـقـيـر هـو الـذي لا يـســتـفـتـي بـشــيء مـن دون الله تـعـالـى و طـريـقـه جــد كـلـه فـلا يـخـالـطـه بـشــيء مـن الـهـزل

( 12 ) و جـانـب أهـل الـبـدع . فـلا تـنـظـر إلـيـهـم جـمـلـة و إن كـنـت قـادرا عـلـيـهـم فـامـنـعـهـم عـنـهـا و ازجـرهـم

( 13 ) و عـلـيـك بـتـرك الاخـتـيـار و مـلازمـة الـتـســلـيـم و تـفـويـض الأمـر إلـى الله





و الـحـمـد لله رب الـعـالـمـيـن
و صـلـى الله تـعـالـى عـلـى خـيـر خـلـقـه مـحـمـد و عـلـى آلـه و صـحـبـه و ســلـم
و الـحـمـد لله رب الـعـالـمـيـن


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



موقع رباط الفقراء - زاوية الطريقة القادرية وموقع منتدى شمس المعاني




الأوراد والأحزاب القادرية


مجموعة من أوراد سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه وأرضاه وقدس الله سره أنقلها لكم من كتاب الفيوضات الربانية وكتاب الأوراد القادرية .

من أوراده رضي الله عنه تقرأ عند المهمات


بسم الله الرحمن الرحيم


قصدت الكافي وجدت الكافي لكل كافي كفاني الكافي ولله الحمد .

ومن دقائقه قدس الله ورضي الله عنه هذا الدعاء :


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ


اللهم إني أسألك رضاك دائماً والعافية عَلَيَّ دائماً والبركة المعنوية والحسية دائماً عَلَيَّ دائماً ياربَّ العالمين .

الفاتحة إلى روح حضرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإلى أرواح آله وصحبه وجميع المسلمين والمسلمات اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .

وله قدس الله سره ورضي الله عنه هذا الحزب واسمه حزب الوسيلة وهو هذا :


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ


وصلى الله على سيدنا مُحَمَّدٍ (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )) . اللهم صل على سيدنا محمد وبارك وسلم ، وصلى الله على مَجْمَعِ كماله ومحيط نواله ومحضر انزاله بسيدنا محمدٍ وآله . إلهي بك أستغيث فأغثني وبك استعنت فأعني . وعليك توكلت فاكفني يا كافي اكفني المهمات من أمر الدنيا والآخرة يا رحمن الدنيا والآخرة ، ويا رحيمهما ، إني عبدك ببابك فقيرك ببابك ، سائلك ببابك . ذليلك ببابك . ضعيفك ببابك ، أسيرك ببابك ، مسكينك ببابك ، يا أرحم الراحمين ، ضعيفك ببابك يا رب العالمين الطامع بباك يا غياث المستغيثين مهمومك ببابك يا كاشف كرب المكروبين أنا عاصيك ببابك ، يا طالب المستغفرين المُقِرُ ببابك يا غافراً للمذنبين المعترف ببابك يا أرحم الراحمين ، الخاطئ ببابك يا رب العالمين ، الظالم ببابك يا أمان الظالمين ، البائس ببابك ، الخاشع ببابك . ارحمني يا مولاي وسيدي إلهي أنت الغافر وأنا المسيء وهل يرحم المسيء إلا الغافر مولاي . مولاي إلهي أنت الرب وأنا العبد وهل يرحم العبد إلا الرب مولاي ، مولاي إلهي أنت المالك وأنا المملوك وهل يرحم المملوك إلا المالك مولاي ، مولاي إلهي أنت العزيز وأنا الذليل وهل يرحم الذليل إلا العزيز مولاي ، مولاي إلهي أنت القوي وأنا الضعيف وهل يرحم الضعيف إلا القوي مولاي ، مولاي أنت الرازق وأنا المرزوق وهل يرحم المرزوق إلا الرازق مولاي ، مولاي إلهي أنا الضعيف وأنا الذليل وأنا الحقير ، وأنت الغفور وأنت الغافر وأنت الحنان وأنت المنان ، وأنا المذنب وأنا الخائف وأنا الضعيف ، إلهي أسألك الأمان الأمان في القبور وظلمتها وضيقتها ، إلهي أسألك الأمان الأمان عند سؤال منكر ونكير وهيبتهما ، إلهي أسألك الأمان الأمان عند وحشة القبر وشدته ، إلهي أسألك الأمان الأمان (( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ )) . إلهي أسألك الأمان الأمان (( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ )) ، إلهي أسألك الأمان الأمان يوم زلزلت الأرض زلزالها . إلهي أسألك الأمان الأمان (( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلَّ لِلْكُتُبِ )) إلهي أسألك الأمان الأمان يوم تشقق السماء بالغمام ، إلهي أسألك الأمان الأمان (( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)) إلهي أسألك الأمان الأمان (( يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً )) ، إلهي أسألك الأمان الأمان (( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )) ، إلهي أسألك الأمان الأمان يوم ينادي المنادي من بطن العرش أين العاصون وأين المذنبون وأين الخاسرون هلموا إلى الحساب ، وأنت تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي ، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنبي ، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي ، إلهي آهٍ . من كثرة الذنوب والعصيان . آهٍ . من كثرة الظلم والجفاء . آهٍ . من نفسي المطرودة . آهٍ . من نفسي المطبوعة على الهوى . آهٍ . من الهوى . آهٍ . من الهوى أغثني يا مغيث (ثلاثا) أغثني عند تغير حالي ، اللهم أنا عبدك المذنب المخطئ أجرني من النار يا مجير يا مجير يا مجير ، اللهم إن ترحمني فأنت أهل لذلك ، وإن تعذبني فأنا أهل لذلك ، يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة فارحمني يا أرحم الراحمين (ثلاثا) يا خير الناظرين ويا خير الغافرين حسبي الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير حسبي الله وحده برحمتك يا أرحم الراحمين ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً إلى يوم الدين . سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .

الفاتحة إلى روح حضرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإلى أرواح آله وصحبه وجميع المسلمين والمسلمات اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


السفينة القادرية
تأليف
الشيخ عبد القادر الجيلاني
مؤسسة الكتب الثقافية

الصلاة على رسو ل الله سبب لقضاء الحوائج


قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( ما من دعاء الاّ بينه الله حجاب حتى يصلي على محمّد وآله فإذا فعل ، انخرق ذلك الحجاب ،ودخل الدعاء وإذا لم يفعل رجع ذلك الدعاء).

حكى صاحب كتاب الوصول إلى مرضاة الرسول عن أبي بكر بن عبد الرحمن،
قال : أخبرني بعض البغداديين : أنه كان رجل من تجار بغداد موسراً، فذهبت النعمة عنه، وافتقر واستدان ديوناً فرفعه إلى القاضي بعض من كان له عليه حق في ثلاثة آلاف دينار، فأقر بها وأجل له القاضي ثلاثين يوماً، فانصرف وأ قبل على محرابه بالتضرع الى الله عز وجل ، بأن يقضي عنه ماعليه من الديون ،وأكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما كان ليلة سبع والعشرون رأى في المنام ، سيدنا ومولانا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول له : اغتممت بدينك، قال نعم يا رسول الله ، فقال يقضيه الله عنك ، إذهب الى علي بن عيس الوزير ، وقل له أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اليك ، ويقول لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اقض عني ثلاثة آلاف دينار ، قال : فانتبهت من منامي وبي من الفرح والسرور ماشاء الله ، ثم رجعت إلى نفسي فقلت إذا مضيت اليه ،ويقول لي ماتصديق ماتقوله ، فما أفعل فحبست نفسي فقلت ذلك اليوم عن المسير إليه، فلما كانت الليلة الثانية رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمرني بما أمرني به في الليلة ألاولى ، فاصبحت فرحاً مسروراً ، ثم رجعت بطبع البشرية ، وقلت : اذا مضيت إليه وقال لي ماتصديقك بم أجاوبه ، فحسبت نفسي أيضاً ذلك اليوم عن المسير إليه ، فلما كان الليلة الثالثة رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النوم ، وقال لي : أمضيت الى علي بن عيسى ، فقلت له لا يا رسول الله ، فقال : وما منعك ، فقلت يا رسول الله إذا قال لي ما تصديق قولك بم اجاوبه ، فقال لي أحسنت إذهب اليه فاذا قال لك ذلك فقل له الامارة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ما لا يعلمه الا الله ،والكرام الكاتبون ، وذلك أنك تصلي علي في كل اليوم وليلة من طلوع الفجر الى طلوع الشمس خمسة آلاف مرة ، فإنه يقضي عنك دينك ، ويصدقك فانتبهت فرحاً مسرواً ثم خرجت الى باب على ابن عيسى، فدخلت مع الناس فلما انفضى الناس عنه ، قال لي : ألك حاجة ، فدنوت منه ، فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسلني اليك ، فقال بماذا ، فقصصت عليه قصتي ، فقال لي : وماقدري حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرسل الي مثل هذا ، وماتصديق ذلك. فقلت له : إني قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ما انت قائله ، فقال لي :أحسنت تعلمه بأمارة لايعلمها أحد غيره ،وغيره الله عز وجل ، والكرام الكاتبين ، إنك تصلي علي في كل اليوم من وقت طلوع الفجر الى طلوع الشمس ، قبل أن تكلم أحداً خمسة آلاف مرة ، فلما سمع علي بن عيسى الكلام مني ابتهج سروراً ، وأقبل علي وقبل بين عيني ، وقال : مرحبا برسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقا صدقت ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يا غلام هات المال والميزان فوزن لي ثلاثة آلاف دينار ، وقال لي :هذا اقض بها دينك . ثم وزن لي ثلاثة آلاف دينار فقال : هذه اشتر بها ربعاً لاْهلك ثم وزن ثلاثة آلاف دينار ، فقال لي :هذه تتجر بها ثم حلفني أن لا أنقطع عنه ، وأن أكلفه جميع حوائجي ، فخرجت بتسعة آلاف دينار ، وأتيت بيتي فدفعت ستة آلاف دينار إلى أهلي ، وأتيت القاضي ، وكنت أول داخل عليه فقال لي القاضي أحسنت ، اجلس ثم كثر الناس فدخل صاحبي كالملهوف ، وقال للقاضي ابعث في حاجتي فقال له القاضي ، صاحبك قد أتى قبلك وأتى بمالك .قال فقمت وجلست بين يديه وأخرجت المال، وقلت له والله ماأ صبحت اليوم وعندي درهم واحد . وأخبرته بالقصة فقال القاضي، ولاكرامة لعلي بن عيسى ، بل أنا أتولى قضاء دينك ياغلام. هات المال فوزن له ثلاث آلاف دينار ثم قال لصاحب الدين اقض مالك فقال صاحب الدين ، ولاكرامة لك يا قاضي ، بل أنا أخليها لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم. قال فهممت بالقيام فقال لي القاضي، خذ مالك واحمله معك واستعن به على دينك ، فوالله لارجعت في شيء أخرجته لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم،فأخذت الثلاثة آلاف دينار وانصرفت الى بيتي ، وأنا صاحب أثنى عشر الف دينار ، فسبحان الكريم الوهاب لا اله غيره وصلى الله على الذي ببركته تحل العقد ، وتنكشف الكرب وسلم عليه وعلى آله تسلميا كثيراً.
من مواضيع : ahmed1981 0 كتاب أسرار الفوركس ... حمل بسرعة
0 أعلام الإفتاء فى مصر
0 كليبات محمد حماقى

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 21-03-2008, 01:56 PM
الصورة الرمزية ahmed1981
عضو ذهبى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: مصر
المشاركات: 575
افتراضي

خامساً:الإمام أحمد الرفاعي

السيد الجليل والإمام الزاهد أحمد الرفاعي



عرف التاريخ الإسلامي عبر عصوره رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، باتباعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاتباع الكامل ، فكانوا أئمة هدى ونور ، حيث جعلوا الدنيا منهم على القفا ، وسلكوا طريق المصطفى وقاموا بنصرة الشرع القويم والذب عن حياض المسلمين ، فأكرمهم الله تعالى بأن جعلهم من أوليائه الصالحين وعباده المخلصين .

ومن هؤلاء السيد الجليل والإمام الزاهد أحمد الرفاعي الكبير رضي الله عنه



هو الشيخ الزاهد القدوة العارف بالله أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة .

وقد ثبتت نسبته من جهة أمه إلى سيدنا الحسين ابن السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم ويتصل نسبه بأمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه من جهة جده الإمام جعفر الصادق لأن أم الإمام جعفر الصادق هي فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه .



*** مولده :

ولد رضي الله عنه سنة 512 للهجرة في العراق في قرية حسن بالبطائح، والبطائح عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة، وفي السابعة من عمره توفي أبوه في بغداد فكفله خاله الشيخ الزاهد القدوة منصور البطائحي وقد رباه تربية دينية وأحسن تربيته .



نشأته العلمية ومشايخه :

نشأ الإمام أحمد الرفاعي منذ طفولته نشأة علمية وأخذ في الانكباب على العلوم الشرعية ، فقد درس القرءان العظيم وترتيله على الشيخ المقرىء والشيخ عبد السميع الحربوني في قريته وله من العمر سبع سنين ، وانتقل من خاله ووالدته وأخوته إلى بلدة " نهر دفلي " من قرى واسط في العراق وأدخله خاله على الإمام الفقيه الشيخ أبي الفضل علي الواسطي رضي الله عنه وكان مقرئا ومحدثا وواعظا عالي الشأن . فتولى هذا الإمام أمره وقام بتربيته وتأديبه وتعليمه ، فجدَّ السيد أحمد الرفاعي في الدرس والتحصيل للعلوم الشرعية حتى برع في العلوم النقلية والعقلية ، وأحرز قصب السبق على أقرانه وكان الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه يلازم دروس العلم ومجالس العلماء ، فقد كان يلازم درس خاله الشيخ أبي بكر سلطان علماء زمانه كما كان يتردد على حلقة خاله الشيخ منصور البطائحي ، وتلقى بعض العلوم على الشيخ عبد الملك الحربوني وحفظ رضي الله عنه كتاب " التنبيه " في الفقه الشافعي للإمام أبي إسحق الشيرازي وقام بشرحه شرحا عظيما ، وأمضى رضي الله عنه أوقاته في تحصيل العلوم الشرعية على أنواعها ، وشمَّر للطاعة وجَدَّ في العبادة حتى أفاض الله عليه من لدنه علما خاصا حتى صار عالما وفقيها شافعيا وعالما ربانيا رجع مشايخه إليه وتأدب مؤدبوه بين يديه .

وكان الشيخ الجليل أبو الفضل علي محدث واسط وشيخها قد أجاز الإمام أحمد الرفاعي وهو في العشرين من عمره إجازة عامة بكل علوم الشريعة والطريقة وأعظم شأنه ولقبه " بأبي العلمين " أي الظاهر والباطن لما أفاض الله عليه من علوم كثيرة حتى انعقد الإجماع في حياة مشايخه واتفقت كلمتهم على عظيم شأنه ورفعة قدره .

وفي الثامن والعشرين من عمر الإمام أحمد الرفاعي الكبير عهد إليه خاله منصور بمشيخة المشايخ ومشيخة الأروقة المنسوبة إليه وأمره بالإقامة في أم عبيدة برواق جده لأمه الشيخ يحيى النجاري والد الشيخ منصور الذي تولى كفالته العلمية وتعليمه منذ طفولته .



*** جهاده في تعليم الناس أمور دينهم :

دأب الإمام الرفاعي كغيره من العلماء العاملين في تعليم الناس أمور دينهم وجَدَّ في الوعظ والإرشاد وعقد حلق العلم حتى كان نبراسا يستضيء به الناس فيما ينفعهم ، وكان رضي الله عنه لا يفتر عن تعليم الناس هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وأسرار القرءان العظيم .

وفي رسالة " سواد العينين في مناقب أبي العلمين " للإمام الرافعي قال : أخبرني الفقيه العالم الكبير بغية الصالحين قال : كنت في " أم عبيدة " زائرا عند السيد أحمد الرفاعي في رواقه وحوله من الزائرين أكثر من مائة ألف إنسان منهم الأمراء والعلماء والشيوخ والعامة ، وقد احتفل بإطعامهم وحسن البشر لهم كلٌّ على حاله ، وكان يصعد الكرسي بعد الظهر ، فيعظ الناس ، والناس حلقا حلقا حوله ، فصعد الكرسي بعد ظهر خميس وفي مجلسه وعاظ واسط ، وجم كثير من علماء العراق وأكابر القوم ، فبادر القومَ باسئلة من التفسير وءاخرون بأسئلة من الحديث ، وجماعة من الفقه ، وجماعة من الأصول ، وجماعة من علوم أخرى ، فأجاب على مائتي سؤال من علوم شتى ولم يتغير حاله حال الجواب ، ولا ظهر عليه أثر الحدة ، فأخذتني الحيرة من سائليه ، فقمت وقلت : أما كفاكم هذا ؟ والله لو سألتموه عن كل علم دُوّن لأجابكم بإذن الله بلا تكلف، فتبسم وقال : " دعهم أبا زكريا يسألوني قبل أن يفقدوني ، فإن الدنيا زوال ، والله محول الأحوال " ، فبكى الناس وتلاطم المجلس بأهله وعلا الضجيج ، ومات في المجلس خمس رجال وأسلم من الصابئين ثمانية ءالاف رجل أو أكثر وتاب أربعون ألف رجل.



*** كتبه ومؤلفاته :

للسيد الإمام أحمد الرفاعي مؤلفات كثيرة أكثرها فقد في موقعة التتار ، ومما وصل إلينا من كتبه : " حالة أهل الحقيقة مع الله – الصراط المستقيم – كتاب الحكم شرح التنبيه ( فقه شافعي ) – البرهان المؤيد – معاني بسم الله الرحمن الرحيم – تفسير سورة القدر – البهجة – النظام الخاص لأهل الاختصاص – المجالس الأحمدية – الطريق إلى الله .



*** سيرته وأخلاقه :

كان رضي الله عنه يأمر في مجلس وعظه بالتزام حدود الشرع ، ويحذر الناس من أهل الشطح والغلو ويقول : " هؤلاء قطاع الطريق فاحذروهم " وكان يكره أصحاب القول بالحلول والوحدة المطلقة الذين يقولون إن الله تعالى يحل بالعالم ويقول : " هؤلاء قوم أخذتهم البدعة من سروجهم ، إياكم ومجالستهم " وكان يأمر باتباع هدى الشريعة والسير على طريقة المصطفى ويقول : " اتبع ولا تبتدع ، فإن اتبعت بلغت النجاة وصرت من أهل السلامة ، وإن ابتدعت هلكت " وبالجملة كان الإمام أحمد الرفاعي الكبير يسير على خطى جده عليه الصلاة والسلام في أقواله وأفعاله وأخلاقه وينهج طريقته حتى نال المقام العالي والدرجات السنية .



*** زهده وتواضعه :

كان الإمام أحمد الرفاعي الكبير متواضعا في نفسه ، خافضا جناحه لإخوانه غير مترفع وغير متكبر عليهم ، وروي عنه أنه قال : " سلكت كل الطرق الموصلة فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلح من الافتقار والذل والإنكسار ، فقيل له : يا سيدي فكيف يكون ؟ قال : تعظم أمر الله،

وتشفق على خلق الله ، وتقتدي سنة سيدك رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، وكان رضي الله عنه يخدم نفسه ، ويخصف نعله ، ويجمع الحطب بنفسه ويشده بحبل ويحمله إلى بيوت الأرامل والمساكين وأصحاب الحاجات ، ويقضي حاجات المحتاجين ، ويقدم للعميان نعالهم، ويقودهم إذا لقي منهم أناسا إلى محل مطلوبهم ، وكان رضي الله عنه يمشي إلى المجذومين والزمنى ويغسل ثيابهم ويحمل لهم الطعام ، ويأكل معهم ويجالسهم ويسألهم الدعاء ، وكان يعود المرضى ولو سمع بمريض في قرية ولو على بعد يمضي إليه ويعوده ، وكان شفيقا على خلق الله يرأف باليتيم ، ويبكي لحال الفقراء ويفرح لفرحهم ، وكان يتواضع كل التواضع للفقراء .

وقد قال مشايخ أهل عصره : " كل ما حصل للرفاعي من المقامات إنما هو من كثرة شفقته على الخلق وذل نفسه رضي الله عنه ، وكان رضي الله عنه يعظّم العلماء والفقهاء ويأمر بتعظيمهم واحترامهم ويقول :

" هؤلاء أركان الأمة وقادتها " .



*** سخاؤه وزهده وسلامة طويته :

كان رضي الله عنه متجردا من الدنيا ، ولم يدخر أموالها ، بل كان لا يجمع بين لبس قميص وقميص لا في صيف ولا في شتاء ، مع أن ريع أملاكه كان أكثر من ريع أملاك الأمراء ، وكان كل ما يحصل منها ينفقه في سبيل الله على الفقراء والسالكين والواردين إليه ، وكان يقول :

" الزهد أساس الأحوال المرضية والمقامات السنية " ، وكان رضي الله عنه مقتديا بأخلاقه بجده الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لا يجازي قط السيئة بالسيئة بل يعفو ويصفح ويصبر على المكاره .

وكان رضي الله عنه يقول : " طريقي دين بلا بدعة ، وعمل بلا كسل ، ونية بلا فساد ، وصدق بلا كذب ، وحال بلا رياء " .



*** تلاميذه والمنتسبون إليه بالطريقة :

كثُر تلاميذ الإمام أحمد الرفاعي الكبير في حياته وبعد مماته حتى قال ابن المهذب في كتابه : " عجائب واسط " : بلغ عدد خلفاء السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه وخلفائهم مائة وثمانين ألفا حال حياته ، ومن عظيم فضل الله على السيد الجليل أحمد الرفاعي أنه لم يكن في بلاد المسلمين مدينة أو بليدة أو قطر تخلو زواياه وربوعه من تلامذته ومحبيه العارفين المرضيين .

وكان غالب الأقطاب المشهورين في الأقطار الإسلامية ينتهون إليه من طريق الخرقة على الغالب ، لذلك لقب الإمام أحمد رضي الله عنه بشيخ الطرائق والشيخ الكبير وأستاذ الجماعة إلى ءاخر ما هنالك من الألقاب .

ومن الذين ينتمون إليه الشيخ الحافظ عز الدين الفاروقي ، والشيخ أحمد البدوي ، والعارف بالله أبو الحسن الشاذلي ، والشيخ نجم الدين الأصفهاني شيخ الإمام الدسوقي ، والشيخ أحمد علوان المالكي ، والحافظ جلال الدين السيوطي ، والشيخ عقيل المنبجي ، والشيخ علي الخواص ، وغيرهم كثيرون من الأقطاب والعلماء ومشايخ الطرق .



*** من كرامات السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه :

الكرامة هي أمر خارق للعادة تظهر على يد المؤمن المستقيم بطاعة الله وبذلك تفترق الكرامة عن السحر والشعوذة ، وتفترق الكرامة عن المعجزة بأن المعجزة تكون لإثبات النبوة ، وأما الكرامة فتكون للدلالة على صدق اتباع صاحبها لنبيه .

وكل ما يصح أن يكون معجزة لنبي صح أن يكون كرامة لولي الا ما كان من خصائص النبوة، ويجب الإيمان بوجود الأولياء وكراماتهم ، والولي هو المؤمن المستقيم بطاعة الله بأداء الواجبات واجتناب المحرمات والإكثار من نوافل العبادات ، لذلك لا ينكر الكرامات التي حصلت وتحصل مع أولياء الله الصالحين إلا الجاهل بأمور الدين ، لأن الله سبحانه نص في كتابه الكريم على كرامات أوليائه المتقين .


والشيخ أحمد الرفاعي الكبير المشهور بعلمه الغزير وزهده وورعه وعبادته وتقواه هو أحد أولياء الله العارفين الذين أنعم الله عليهم بكثير من الكرامات المشهورة والمدون كثير منها في الكتب ، ومن أشهر هذه الكرامات التي تكرم الله بها عليه وأعلاها شأنا تقبيله يد جده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد تلقاها الناس خلفا عن سلف حتى بلغت مبلغ التواتر ، ولا عبرة بعد ذلك بمن أنكرها وردها ، هذا وقد ذكرها وأثبتها كثير من العلماء في كتبهم منهم " الحافظ السيوطي ، والمحدث المناوي ، والإمام الشعراني وغيرهم من العلماء ، يقول الإمام عز الدين الفاروقي في كتابه " إرشاد المسلمين " : " أخبرني أبي الحافظ محي الدين أبو إسحق عن أبيه الشيخ عمر الفاروقي أنه قال : كنت مع سيدنا وشيخنا السيد أحمد الكبير الرفاعي الحسيني رضي الله عنه عام حجه الأول وذلك سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، وقد دخل المدينة يوم دخوله القوافل إليها قوافل الزوار من الشام والعراق واليمن والمغرب والحجاز وبلاد العجم وقد زادوا على تسعين ألفا ، فلما أشرف على المدينة المنورة ترجل عن مطيته ومشى حافيا إلى أن وصل الحرم الشريف المحمدي ولازال حتى وقف تجاه الحجرة العطرة النبوية فقال : السلام عليك يا جدي ، فقال رسول الله له : " وعليك السلام يا ولدي " ، سمع كلامه الشريف كل من في الحرم النبوي ، فتواجد لهذه المنحة العظيمة والنعمة الكبرى وحنَّ وأنَّ وبكى وجثا على ركبتيه مرتعدا ثم قام وقال :




في حالة البعد روحي كنت أرسلها

تقبل الأرض عني وهي نائبتي

وهذه دولة الأشباح قد حضرت

فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي


فمدَّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم يده الشريفة النورانية من قبره الأزهر الكريم فقبلها والناس ينظرون ، وقد كان في الحرم الشريف الألوف حين خروج اليد الطاهرة المحمدية ، وكان من أكابر العصر فيمن حضر الشيخ حياة بن قيس الحراني ، والشيخ عدي بن مسافر ، والشيخ عقيل المنبجي ، وهؤلاء لبسوا خرقة السيد أحمد رضي الله عنه وعنهم في ذلك اليوم واندرجوا بسلك أتباعه ، وكان فيمن حضر الشيخ أحمد الزاهر الأنصاري ، والشيخ شرف الدين بن عبد السميع الهاشمي العباسي ، وخلائق كلهم تبركوا وتشرفوا برؤيا اليد المحمدية ببركته رضي الله عنه ، وبايعوه هم ومن حضر على المشيخة عليهم وعلى أتباعهم رحمهم الله " .



*** وفاته رضي الله عنه :

عندما بلغ الإمام أحمد السادسة والستين من عمره مرض بداء البطن

( الإسهال الشديد ) وبقي رضي الله عنه مريضا أكثر من شهر ، وكان مع خطورة مرضه يتحمل الآلام الشديدة بدون تأوه أو شكوى ، مستمرا وثابتا على تأدية الطاعات والعبادات التي اعتاد عليها بقدر استطاعته إلى أن وافته المنية يوم الخميس الثاني عشر من شهر جمادى الأولى عام 578 هجرية ، ودفن في قبة جده لأمه الشيخ يحيى البخاري في بلدته أم عبيده ، وكان يوما مهيبا ، رحم الله الإمام أحمد الرفاعي وأعلى مقامه في الجنة .



سيدى أحمد الرفاعى



سيدى أحمد الكبير الرفاعى بن السيدة فاطمة الانصارية وتتصل من جهة أمها السيدة رابعة بنت السيد عبد الله الطاهر إلى الإمام الحسين بن الإمام على بن أبى طالب ، وهو صاحب الطريقة الرفاعية بشارتها السوداء التى ترمز إلى الحقائق الغيبية الذاتية الإلهية.

ولد فى قرية حسن بالبطائح (من واسط بالعراق) سنة 512 هجرية ... وينسب إلى بنى رفاعة - قبيلة من العرب - وسكن أم عبيده بأرض البطائح إلى أن مات بها رحمه الله تعالى.

درس القرآن العظيم وأتم حفظه وترتيله على الشيخ الورع المقرئ الشيخ عبد السميع الحربونى بقرية حسن وكان له من العمر سبع سنين وفى هذه السنة توفى أبوه فى بغداد وكفله خاله الباز الاشهب الشيخ منصور البطائحى ... والذى أدخله على الإمام العلامة الفقيه المقرئ المفسر المحدث الواعظ الصوفى الكبير الشأن الشيخ أبى الفضل على الواسطى فتولى أمره وقام بتربيته وتأديبه وتعليمه ... فبرع بالعلوم النقلية والعقلية وأحرز قصب السبق على أقرانه.

وكان يلازم درس خاله الشيخ أبى بكر شيخ وقته وسلطان علماء زمانه، كما كان يتردد على حلقة خاله الشيخ منصور ويتلقى بعض العلوم عن الشيخ عبد الملك الحربونى ... واستغرق أوقاته بجمع المعارف الدينية ... وقد أفاض الله عليه من لدنه علما خاصا حتى رجع مشايخه إليه وتأدب مؤدبوه بين يديه.

وفى العشرين من عمره أجازه شيخه الشيخ أبو الفضل على محدث واسط وشيخها إجازة عامة بجميع علوم الشريعة والطريقة وألبسه خرقته المباركة وأعظم شأنه ولقبه: أبا العلمين (الظاهر والباطن) وانعقد عليه فى حياة مشايخه الاجماع واتفقت كلمتهم على عظم شأنه ورفعة قدره.

وقد أسس الطريقة الرفاعية ... وكان يقول لمريديه من تمشيخ عليكم فتتلمذوا له ومن مد يده إليكم لتقبلوها فقبلوا رجله ومن تقدم عليكم فقدموه وكونوا آخر شعرة فى الذنب ... فإن الضربة أول ماتقع فى الرأس ... وكان شافعى المذهب قرأ كتاب التنبيه للشيخ أبى اسحق الشيرازى وما تصدر قط فى مجلس ولا جلس على شئ الا تواضعا .. وكان لا يتكلم إلا يسيرا ويقول أمرت بالسكوت ... وقد توفى ظهر الخميس ثانى عشر جمادى الأولى سنة 570هـ وكان يوما مشهودا وكان آخر كلمة قالها أشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ودفن فى قبر الشيخ يحيى البخارى بأم عبيدة بالعراق.
من مواضيع : ahmed1981 0 موشح الدوبيت الأندلسى
0 تهويد أسماء المعالم الفلسطينية
0 كليبات محمد حماقى

رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أعلام, الصوفية, كبار

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نبذة عن كلية الاثار khalifa كلية الآثار 9 12-10-2008 11:10 AM
ملحق قيم عن جلال الدين الرومى و المولوية و السماع خانة ahmed1981 الحوار المفتوح 4 09-10-2008 05:11 AM
حقيقة الصوفية(القناصM) Mالقناص ارشيف المواضيع المتكررة والمخالفة 0 07-12-2007 09:39 PM
الصوفية google ارشيف المواضيع المتكررة والمخالفة 1 05-06-2007 07:36 PM
سخافة عقول الصوفية ،اسأل الله العافية google ارشيف المواضيع المتكررة والمخالفة 0 02-06-2007 04:50 AM

كبار أعلام الصوفية


الساعة الآن 08:31 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.3.0 مطور الموقع حسام الزاغ
قصص وروايات | اخبار الفن | صور | صور فنانات | صور فنانات | حواء | ازياء | فيديو كليب | افلام عربي | افلام اجنبي | مصارعة حرة | صور سيارات | مكياج | صور زهور | كرة مصرية | برامج جوال | اغاني عربية | اغاني اجنبية | بلوتوث | اغانى افراح | اغانى السبوع | تحميل برامج | العاب | ازياء | صور اطفال | مسجات | اغانى اطفال | العاب كاملة | ايفون | صور حب | صور رومانسيه | حب